رهانات المعنى :  ترامب وخراب البصرة

رهانات المعنى : ترامب وخراب البصرة

أمير دوشي
يذهب الكاتب ناجح المعموري في كتابه ((الأبيض كان اسود)) إلى أن الجسد الماثل في الصورة الفوتوغرافية هو حضور، الحضور الجسدي يحال على صورة ساكنة  وأحياناً مجتزئة، تكون ممكناتها تأويلية أكثر منها معيشية، وتلج حيويتها في نصيتها السيرية المصورة، فالصورة إذن تخليد للكائن في أبهى حالاته وتمثلاته وبذلك تنقلنا إلى المفكر واللامفكر في تلك اللحظة :

 أي التحول من الصورة وتمثلاتها إلى قراءة خطاب الصورة. ويمضي المعموري في القول إلى أن ((الإمكانية التي يتمتع بها الجسد الماثل في الصورة الفوتوغرافية في أن يرى ويلمس ويبتسم ويتذوق، هي إمكانية غير متحققة، تصبح نصاً)) فالصورة كما يقول بارت ((تصبح كتابة عندما تكون دالة)).
شكل وصل ترامب المفاجئ إلى البيت الأبيض صدمة للعقل السياسي العالمي والأمريكي خاصة. فظهرت العديد من الدراسات والأبحاث التي تقرأ هذا الحدث غير المتوقع، كان منها الدراسة التي كتبها إلي زارتسكاي، صاحب كتاب فرويد السياسي الذي سعى إلى قراءة وتأويل صورة ترامب فرويديا : متوصلاً إلى أن ترامب قد برز من الهو الجمعي،الجزء غير الواعي’ ينبوع الغرائز الذي  يعبر عن نفسه باندفاع وبدون تبصر من تأمل وعقل. وان صورة ترامب التي يبدو فيها شارداً غير متأمل هي بالضبط مصدر قوته. والصورة التي يقدمها ترامب عن نفسه بأنه خارج عن السيطرة، من الأفضل أن تقرأ إنها قوة انبثقت من العقل الجمعي الأمريكي بدلاً من أن ترى على إنها ثرثرات فرد. فترامب يتوجه إلى الطفل المنفلت الذي يقر في العقل الأمريكي. على النقيض من صورة هاري كلينتون، صورة ((الأنا)) التي يتحكم فيها العقل، والتي تسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه، صورة مديرة المدرسة المنضبطة … المكافحة ضد التغيير.
وبالعودة إلى فرويد الذي يقسم الشخصية إلى : (الهو، والأنا، والأنا العليا) : فالأنا هي ساكنة هادئة، صوت صغير داخل العقل من الصعب تمييزه بين الدعاوى الهادرة للاوعي، لكنه يتميز بالمثابرة، وقبل كل شيء بالحكمة / ووفقاً لفرويد فإن الأنا يستمد طاقته من الهو، شكل من الاستقلالية الذي يشبه بالراكب على صهوة حصان، وبشكل مثالي يحول الأنا العليا غير المفكر والرتابات إلى قناعات متأصلة ذاتياً. وبالتالي فإن أمريكا اليوم ليس لديها (أنا) بل (هو)
المعموري صاحب المنهج التعددي والذخيرة الثقافية والمعرفية التي تبدأ بالسرد ولا تنتهي بالتأويل، شرع يقرأ صور العراق بعد 2003، متمثلةً بالمنجز الفوتوغرافي لفؤاد شاكر وكفاح الأمين وناصر عساف وآخرين ليصل إلى صورة الخراب ويحللها باحثاً عن بذرة حياة ونماء.
منطلقاً من إن الأشكال الرمزية ليست محاكاة للواقع بل هي الأعضاء المكونة له وان الجدل هو القانون الحياتي لما يحصل في كل المجالات، لأن الحركة نتيجة له والتوجه العام من مفتضياته الحقيقية، وكذلك إن المحيط الاجتماعي فاعل ثقافي كبير في صياغة العناصر المكونة لشخصية الفرد. وتلعب العلاقات اليومية الرجالية والنسائية دوراً في تكوين جزء من هوية الفرد، وان للتاريخ / الذاكرة دور في بلورة الثقافات بين الجماعات تتحول تدريجياً إلى قاسم مشترك تدافع الجماعة عنه وتستلمه بالتواتر، وتتبناه إرثاً. من هذه المنطلقات قرأ المعموري صورة العراق في فوتوغراف ما بعد 2003 على انه ((المكان واحد، والجامع مركزه المهيمن الممتد، لأن طبيعة المعمار وتنوعاته وريازته، شبابيكه، أبوابه علامات دالة على عمارة إسلامية. الفضاء الملحق مخرب والجامع ضل حاضراً بقبابه الثلاث ومنارته الصاعدة نحو السماء، معلنة عن ثقافة بطرياكية، أنتجت دلائل رمزية هي القباب. وقريباً من المنارة صعود الحياة الحقيقية واستمرار انبعاثها، وصعود البقاء أمام تآكل الأمكنة وانهيارها. نخلتان هما الدال الشعري على البقاء ومقاومة الخراب والموت المجاور لهما. لم يستطع المقدس / الجامع حماية نفسه المعبر عنها بالفضاء الممتد عنه والمجاور التصاقاً به.
الجفاف سلم الموت النازل في الأكواخ، سلم عرفته الرسوم الفرعونية والنصوص الشعرية السومرية للصعود نحو السماء والنزول للعالم السفلي / نحو الموت. وتخيله الآن بأنه سلم عريض جداً مرتفع جداً، هبط منه الموت نحو الأهوار وهي نائمة واستل حياتها تدريجياً وعطلها وترددت في الفضاء بكائيات الكائنات الحية وصراخ وعويل، فالموت لم يبقِ شيئاً. والعنف اقتحم الحياة واستدعاها نحو الفعل، هذه هي الفجيعة، العنف هدد الحياة.
***
كتب ادوارد سعيد يوماً معرفاً النقد ((عملية توضيح ذاتي صارمة بحثاً عن الحرية والتنوير والمزيد من القوة)) وتلك هي مسيرة المعموري.