عبدالرحمن بدوي.. المثقف المؤسسة د. عبدالإله بلقزيز

عبدالرحمن بدوي.. المثقف المؤسسة د. عبدالإله بلقزيز

د. عبدالإله بلقزيز
كاتب ومترجم مغربي
لم يكتب أحد من الدارسين العرب لتاريخ الإسلام الفكري، محدثين ومعاصرين، بحجم ماكتبه عبدالرحمن بدوي في الموضوع؛ فلقد جاوزت كتبه المئة كتاب في الإجمال، شغلت منها أعماله على الإسلاميات - تأليفاً وترجمة وتحقيقاً - قرابة الستة وثلاثين كتاباً.

 وهو يصح فيه وصف حسن حنفي له(1) بأنه”فرد واحد يقوم بدور جيل كامل أو مؤسسة بحثية بأسرها". وكان له ذلك لأنه:”فيلسوف موسوعي، يؤلف في كل ميدان، ويكتب في كل علم، لا تحد معارفه حدود، يسبح في فضاء لانهائي للمعارف البشرية مثل القدماء"(2). وهو عاش مع القدماء، ولم يكد أن يلتفت إلى أحد من المعاصرين إلا ما كان له من صحبة دائبة مع المستشرقين؛ ممن تتلمذ لهم*، أو صادقهم، أو تأثر بهم، وترجم لهم في مناسبات عدة. ولقد أتاحت له معرفته بلغات عدة”الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الإنجليزية، الإسبانية، اليونانية، اللاتينية، الفارسية، التركية"، أن يعزز رصيد موسوعيته بالاطلاع على مصادر فكرية متنوعة، في مظانها، وبلغاتها الأصل، وأن يقوم ب"أكبر سياحة عرفها الفكر العربي المعاصر في فكر البشر"(3).
وإذا كان عبدالرحمن بدوي استفاد، أيما استفادة، من فترة ازدهار الجامعة المصرية - سنوات الثلاثينات والاربعينات- ومن قيام أساتذة كبار على أمرها العلمي والتكويني (وكان فيهم مستشرقون مرموقون وأساتذة مصريون من طراز الشيخ مصطفى عبدالرازق وطه حسين)، فإن تلك الاستفادة وجدت لنفسها التربة الخصبة في الطموح العلمي الذي كان يسكن عبدالرحمن بدوي، من البدايات، ويدفع به نحو الاقتحام المبكر لعالم التأليف أسوة باستاذه طه حسين. ولقد ظل ذلك الطموح يسكنه، في المراحل اللاحقة من حياته، فلم يتوقف عن البحث، واكتساب اللغات، والقراءة المتواصلة والتأليف، بإيقاع عز له نظير في الفكر العربي المعاصر، ولا يكاد أن يشبهه فيه إلا إيقاع البحث والتأليف عند كبار المستشرقين.
ولقد كان من نتائج ذلك الطموح العلمي، وتلك المثابرة على اقتحام المناطق المجهولة من تاريخ الفكر الإنساني عامة، والفكر العربي الإسلامي خاصة، أن شق عبدالرحمن بدوي طريقاً في التأريخ الثقافي”تاريخ الفكر”غير مسبوقة في الفكر العربي المعاصر. عرفنا قبله ظاهرتين في هذا الباب: التاريخ”الثقافي”الشامل، مع أحمد أمين في ثلاثيته: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، والتاريخ”الثقافي”الجزئي، مع فرح أنطون في دراسته ابن رشد، وطه حسين في أطروحته عن ابن خلدون. لكنا ماعرفنا تاريخاً للفكر متخصصاً، يجمع بين التاريخ الجزئي والشامل في الآن عينيه، إلا مع عبدالرحمن بدوي، هو تاريخ الفلسفة والفكر النظري. هو جزئي لأنه لا يتناول من الثقافة العربية الإسلامية إلا تعبيراتها النظرية”الكلام، التصوف، الفلسفة، العلوم"، من دون عناية بعلوم أخرى مثل الحديث، والتفسير، والفقه..، ومن دون اهتمام بعلوم اللغة (اللغة، النحو، البلاغة) وآدابها من شعر ونثر.
مع عبدالرحمن بدوي، إذاً، سينطلق مشروع التاريخ الثقافي بما هو تاريخ الفكر، بعد محاولات تمهيدية، من أحمد أمين وطه حسين ومصطفى عبدالرازق، لم تضع لنفسها هدف التوسع في ذلك التاريخ لأن قضيتها تراوحت بين تاريخ شامل للثقافة أو تاريخ جزئي للفكر، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن الدرس الفلسفي، في الفكر العربي المعاصر، لم يبدأ فعلياً إلا في سنوات الأربعينات من القرن العشرين، مع عبدالرحمن بدوي وزكي نجيب محمود، صحيح أن هاجسه كان لدى آخرين من قبيل طه حسين، وعثمان أمين، وزكي الأرسوزي، لكن هؤلاء ما تفرغوا للتأليف والبحث في قضايا الفلسفة كما سيفعل بدوي ومحمود، وعلى نحو لا انقطاع فيه، ولقد كان أظهر مظاهر هذا الدرس الفلسفي، عند عبدالرحمن بدوي خاصة، مشروع التأريخ للفلسفة (اليونانية، الأوروبية الحديثة والمعاصرة) وللفكر العربي الإسلامي بما فيه الفكر الفلسفي، وهو تأريخ صيغت فِقر مسلسله اعتماداً على مصدرين ودافعين: نموذج التاريخ الفكري الذي كتبه المستشرقون، واعتمدوا فيه المنهج الفيلولوجي في تحقيق النص والتعليق عليه، ثم الخلفية الموسوعية لدى بدوي(4)، خاصة في الفكر الفلسفي الإنساني.
غير أن بدوي، المسكون بتقاليد البحث العلمي وقيمه، والحريص على التمسك بها منهجياً وأثناء الدرس، يهدر أهم تلك القيم والتقاليد حين لا يشير إلى غيره معترفاً له بسبق أو فضل، أو محيلاً إلى رأيه في أقل حال! يفعل ذلك مع الباحثين الغربيين (المستشرقين)، فيكيل لهم آيات الاعتراف في كل مناسبة يجد نفسه فيها مدفوعاً إلى الاسناد، لكنه يحجم عن ذلك تماماً حين يتعلق الأمر بأعمال الدارسين العرب من جيله أو من الجيل السابق، على مثال إحجامه عن الإحالة إلى العمل الكبير الذي أنجزه أحمد أمين (5) في ميدان التاريخ الثقافي! ولقد زاد معدل ذلك التجاهل منه للباحثين العرب وهذه المرة حتى للباحثين الغربيين منذ سنوات الستينات من القرن الماضي، حيث أصبح”لا يحيل إلى أحد من أقرانه في مؤلفاته عن الفلسفة وتاريخها، وكأنه أول من كتب في الميدان"، ومن سيقول الكلمة الفصل في المسائل التي طرقها،”فهو يعلق حسن حنفي(6) وحيدُ عصره، لم يكتب أحد قبله ولا معه.
يصفه كثير ممن عرفوه، أو تعاملوا معه، أنه مغمور بالشعور الذاتي بعلو المقام على من حوله. وهو نفسه لم يخف ذلك الشعور حين كتب سيرته التي لم يعترف فيها بفضل أحد عليه، ما خلا مصطفى عبدالرازق (6)، وطه حسين، وقد تكون سيرته المدونة مادة خصبة لتحليل نفسي يلقي ضوءاً كاشفاً على شخصيته ونزعته الطاووسية، والعوامل المختلفة التي تضافرت في تشكيلها: الخلفية الاجتماعية”الإقطاعية”لأسرة ستفقد الكثير من أراضيها بعد قرارات الثورة بتجديد الملكية، وأثر ذلك في تشكيل خطاب حاقد على عبدالناصر في نصوص بدوي، الانبهار المبكر بألمانيا الذي قاده إلى الانضمام إلى حزب”مصر الفتاة”المعروف بتقاليده النازية، النزعة الوجودية في تفكيره التي نقلته من التماهي مع فلاسفتها في الغرب إلى عدمية نيتشوية فإلى البحث عن جذور الإلحاد في تاريخ الإسلام، وصولاً إلى الانقطاع للتصوف والصوفية، الصدمة من هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وأثرها في منحاه الفلسفي الوجودي، انتقاله الدراماتيكي من الانبهار الأعمى بالغرب وفلسفاته (من الإغريق حتى أوروبا المعاصرة)، والمقرون باستصغار حضارات الشرق وثقافاته، إلى نزعة العداء الأقصى للغرب والتبجيل الأبعد للشرق والإسلام، انتقاله الدراماتيكي الرديف من تبجيل المستشرقين والترجمة لهم وعنهم إلى لعنهم والقدح فيهم دفاعاً عن الإسلام، الشعور الدائم بالتفوق المعرفي على أقرانه العرب بسبب حيازته رأسمال لغوياً لا يملكه غيره منهم (عشر لغات)، وأثر ذلك -لا شعورياً- في الانتقال للعيش في أوروبا... الخ.
لعل عوامل كثيرة تفسر ما كان يبدو على شخصية بدوي من اضطراب وقلق واستعلاء وعدوانية تجاه الآخرين نجد مادة وافرة عنها في سيرته. ولكن الذي ليس من شك فيه أن ذلك التوتر الدائم في شخصيته، الذي نقله من حال إلى حال، ومن اختيار فلسفي إلى آخر، كان من نوع التوتر الخلاق لا الهدام، فلقد أنتج واحداً من العقول النادرة في تاريخ الثقافة العربية: قديمها والحديث.

هوامش

(1) حسن حنفي:”الفيلسوف الشامل”في: دراسات عربية حول عبدالرحمن بدوي، إشراف د. أحمد عبدالحليم عطية. بيروت، دار المدار الإسلامي. ص 24.
(2) حنفي، م ن، ص 21.
(*) من المستشرقين الذين درّسوا في الجامعة المصرية ودرس عليهم بدوي: كوايريه، لالاند، يول كراوس، سوريو، لوي ماسينيون، وغيرهم.. وهو كان قد سجل رسالته للماجستير بالفرنسية وأشرف عليها لالاند وكوايريه وناقشها في العام 1941.
(3) حنفي، م س، ص 25.
(4) لا تتبدى هذه الموسوعية في خريطة المعرفة الفلسفية للرجل، بتنوع لحظاتها ومدارسها، كما تكشف عن ذلك كتبه، فحسب، بل تتبدى في الموسوعات التي وضعها لغرض التأريخ أيضاً، انظر في هذا: عبدالرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1984 وموسوعة المستشرقين. بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1984.
(5) لم يكتف عبدالرحمن بدوي بتجاهل أعمال أحمد أمين في دراساته، بل أطلق لسانه فيه بقسوة بالغة(!) في سيرته التي كتبها عن حياته.
(6) حسن حنفي، م س، ص 16.
عن الكتاب التذكاري الذي صدر
 بمناسبة رحيل بدوي