عبد الرحمن بدوي لطمة قوية لعلم الاستشراق

عبد الرحمن بدوي لطمة قوية لعلم الاستشراق

 رفعة عبد الرزاق محمد
 لااظن ان احدا من قراء الفكر العربي الحديث، لم يقرأ او يسمع الدكتور عبدالرحمن بدوي (1917 ـ 2002)، وما قدمه من جهود كتابية كبيرة على المستويين الموسوعي العام او الفلسفي وتاريخ الفلسفة الذي عرف به. فقد كان بدوي حتى صدور مذكراته ـ التي فجرت معركة قلمية كبيرة ـ كاتبا خصبا، لا تكاد تمضي فترة حتى يهدي لقرائه العرب طرفة قيمة من الطرف الفكرية والعلمية،

 التي ضمنت له في نفوس القراء مكانا محمودا. وها هو يتحف المكتبة الانسانية بكتاب فذ، وكنز من كنوز المعرفة، هو ((دفاع عن القرآن ضد منتقديه)) الصادر بالفرنسية وتمت ترجمته في السنة نفسها (دار الجليل في القاهرة 2000).
ولا نعد هذا الكتاب من الكتب الاسلامية التقليدية، بل نكاد نتخيل مؤلفه احد المستشرقين الكبار ممن المّ بالفكر الاسلامي من جميع وجوهه. ولم يكن خصوم القرآن الكريم ومنتقديه الا رجال الاستشراق، ممن عني الدكتور عبد الرحمن بدوي بآثارهم، وقضى عمره اهتماما بهم. والبحث في الاسلاميات، مجال يغري الباحثين الجادين، ولا ريب ان بدوي في طليعتهم، فضلا عن انه في تاريخه الفكري لم يبتعد عن الاسلام وعلومه، فعلى الرغم من انه ظل وفيا لسنوات طويلة للفكر الوجودي ويروج له، الا انه لم يكن ملحدا في يوم من الايام. وقد ذكر اخيرا انه منذ البدء يناضل على جبهتين، جبهة الفلسفة العامة، بما فيها الوجودية، وجبهة الفكر الاسلامي. ويعتقد انه ليس ثمة تناقض بينهما، على الاقل في مجال البحث وتاريخ الفكر. قال خصومه : ان بدوي فشل في تقديم الفكر الغربي الى القراء العرب، فعاد مضطرا الى الفكر الاسلامي ليصبح الان من المنافحين عنه وعن حقائقه. وهذا الرأي ـ كما لايخفى ـ لم يقترب من الحقيقة، ودعاته هم انفسهم دعاة التغريب ممن يعتقد ان الفكر العربي الحديث لم يزل بعيدا عن ركب التقدم.
 والصحيح ان الدكتور عبد الرحمن بدوي ـ من خلال اطلالة سريعة على قائمة اعماله التي جاوزت المئة والخمسين كتابا بين التأليف والترجمة والتحقيق ـ باحث موسوعي وشمولي. وخوضه في الموضوعات الاسلامية، لم يكن جديدا في حياته، بل كان بسبب هذه الموسوعية وايمانه بقيمة التراث الاسلامي، بدليل انه قام بمحاولات كثيرة لبيان الجوانب المضيئة والانسانية في التراث. ولعل الرأي السليم، هو رأي من يقول ان بدوي كان من المتأثرين باستاذه الدكتور طه حسين الجامع بين التراث الاسلامي والتراث الاوربي.
 ومهما يكن، فلم يكن بدوي الاول في ذلك، فقد فعل قبله الكثيرون، ممن ادركوا صعوبة الخروج من عصره، او لمس عقم الفكر الالحادي وتهافته احيانا. او قل وجد في تراث امته ما يغريه بالدفاع عنه، اعني الدفاع عن التراث وقيمه الروحية.
لقد خرج بدوي بهذا الكتاب القيم، ليعيد الى كتب الردود الهيبة والوقار، فقد اودع فيه دفاعه الموضوعي الرصين باسلوب يخضع لاسس البحث العلمي بوضوح. ولعله اراد التنبيه الى اعادة قراءة ما كتبه المستشرقون عن الاسلام ونبيه الكريم. اثبت بدوي ان الكثير مما كتبوه غير موثوق به ويحمل معاني الكذب والحقد والتدليس، ومرد ذلك التعصب لا غير. غير ان ما يضيف الى الامر اهمية وخطورة ان يكون مؤلف الكتاب ممن عرف بدراساته العميقة وترجماته الرائعة... ومن هنا نعد صدور كتابه في الدفاع عن القرآن الكريم، لطمة قوية الى علم الاستشراق. ويجمل القول ان لبدوي كتابا آخر، ضمنه ردا على التهم الاستشراقية ضد الرسول الكريم لم نطلع عليه.
 قبل ان يشرع بدوي بدحضه لمفتريات المستشرقين، سجل خمس ملاحظات جديرة بالتذكير والتنويه، وهي ان معرفة المستشرقين للغة العربية يشوبها الضعف، وان معلوماتهم المستقاة من المصادر العربية جزئية وغير كافية لطرح فرضيات جسيمة تتعلق بالقرآن الكريم الذي اذهل النقاد وعلماء اللغة العرب، وهم ادرى باسرار لغتهم. والامر هذا لايشمل المستشرقين جميعا، لبروز مستشرقين كبار عرفوا يتحقيقاتهم الرصينة وكتاباتهم القيمة. وان المستشرقين الذين اصروا على ما اعتقده سابقوهم، كانوا مدفوعين بدوافع عديدة بعيدة عن القيم العلمية والبحث النزيه... ولعل من المفيد ذكره ان المستشرق الالماني الكبير(نولدكه) صاحب كتاب (تاريخ القرآن) تبرأ من اعتقاداته السابقة تجاه كتاب الله. ولا نعدم القول ان الكثير من المستشرقين كانوا يعملون بتوجيه تبشيري وديني محض.
 ويبدو من المقدمة التريخية لكتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي، ام محاولات النيل من القرآن الكريم قديمة، وان اوسع حملة شنت عليه وقعت بعد سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين سنة 1453م على يد السلطان محمد الفاتح، حيث انتقلت الحملة الهجومية ضد كتاب الله الى اوربا. الا ان الغريب ان تستمر الحملة الى عهد متأخر، وان اتخذت شكلا توخى فيه المستشرقون الدقة والموضوعية ـ على زعمهم ـ. اضافة الى استخدامهم البحث اللغوي للوصول الى مرماهم. وعلى الرغم من الفتح الكبير في عملية نشر المخطوطات العربية وفهرسة التراث العربي الاسلامي، فان ذلك اعطى لبعض المستشرقين المتعصبين الجسارة والجرأة في تخرصاتهم واراجيفهم.
 لقد عرض الدكتور عبد الرحمن بدوي لثلاث عشرة قضية تمثل اكبر المفتريات التي ذكرها المستشرقون قديما وحديثا، ثم اثبتت زيفها وتهافتها، وان القرآن قادر على دحض هذه المفتريات وان يخرج منتصرا في ذلك. وهذه القضايا هي :
1. أمية النبي الكريم ومفهوم لفظها.
2. التشابه المزيف بين القرآن والكتب المقدسة الاخرى.
3. معنى كلمة (فرقان).
4. مزاعم المستشرق الانكليزي(مرجليوث 1858 ـ1940) الغريبة.
5. المستشرق المجري(جولدتسيهر 1850 ـ 1921) وتشابهاته الخاطئة بين الاسلام والوثنية.
6. الصابئون في القرآن.
7. الرسل في القرآن ونقد لآراء المستشرق الهولندي(فينسنك  1883 ـ 1939).
8. قراءة لتصور يوناني خيالي للقرآن.
9. (البسملة) هل اصلها انجيلي؟.
10. الترتيب الزمني للقرآن.
11. الالفاظ غير العربية.
12. حول العبارة القرآنية ((ياأخت هارون)).
13. مشكلة (هامان)وزير فرعون.

 لايتسع المجال لعرض هذه القضايا كلها، لان ذلك، في حقيقة الامر، لابد ان يظلم هذا الكتاب القيم والزاخر بكل ماهو مفيد ورصين. الا اننا نعرض سريعا للقضية الخامسة، الخاصة بمزاعم المستشرق (جولدتسيهر) صاحب كتاب (العقيدة والشريعة في الاسلام) الذي ترجمه المترجم القدير عبد الحليم النجار، واهمها اربعة مزاعم :
أ ـ  ان التوحيد الذي جاء به النبي محمد ليعارض به الشرك، يتوافق مع التوحيد الذي جاء به العهد القديم. ويقول بدوي ان هذا الرأي خاطيء، لان اله العهد القديم خصص على انه اله بني اسرائيل دون غيرهم، بينما مفهوم (الاله) لدى المسلمين يتناقض مع العهد القديم، فان الله تعالى هو رب العالمين، ثم ان اله بني اسرائيل هو (الاب) بينما الله ((لم يلد ولم يولد)).
 ب. يزعم (جولدتسيهر)ان النبي محمد اخذ الصوم من اليهود، ويقول بدوي ان صوم اليهود خضع لظروف خاصة بتاريخ اليهود وانحصر في يوم (يوم الغفران)، بينما صيام المسلمين يستمر شهرا كاملا. والصيام اليهودي اختياري وليس ملزما، بينما هو في الاسلام ركن اساس من اركان الدين الاسلامي. اضافة الى الصيام كشعيرة دينية، عرف في جميع الديانات التي سبقت اليهودية.
ج. يرد بدوي على ماقاله (جولدتسيهر)من ان النبي محمد امر اصحابه بان تكون قبلتهم نحو بيت المقدس تقربا من يهود المدينة او لاستمالتهم، وعندما عجز عن ذلك امر بتغيير القبلة وجعلها نحو الكعبة في مكة. ويذكر بدوي ان هذا الزعم غير صادق، لان النبي محمد غير القبلة لامر الهي اولا (وفق المأثورات الاسلامية)، وان الدين الاسلامي هو دين ابراهيم مؤسس الكعبة فكان من الطبيعي ان يتجه المسلمون اليها بعد ان استقر الدين، كما كان من الطبيعي التوجه الى بيت المقدس عندما كانت الكعبة مقرا للوثنية والشرك.
د. واخيرا، يدعي (جولدتسيهر) ان الشريعة الاسلامية متأثرة بشريعة اليهود، غير انه لايذكر من هذا التأثير ـ على زعمه ـ سوى طريقة ذبح الحيوانات وغسل الموتى قبل دفنهم، وكلا الامرين من الطقوس القديمة المعروفة منذ الازمنة السابقة لظهور الاديان، فضلا عن الاختلاف الواضح بين الشريعة الاسلامية وغيرها في هذه القضايا.