عبد الملك نوري رائد القصة العراقية

عبد الملك نوري رائد القصة العراقية

وسام يوسف
يقف القاص العراقي عبدالملك نوري بين مرحلتين مهمتين من تاريخ الأدب العراقي, فكانت ريادته في كتابة القصة معينا نهل منه العديد من الأدباء العراقيين الذين جاؤوا بعده رغم ما تمتاز به قصص جيل الستينيات من اغتراب وانثيال شعري غير هادف بقصد خلق نموذج

من الأدب يهدف إلى إشباع الغاية الجمالية للنص بعيدا عن الالتزام الذي اتصفت به قصص الخمسينيات على يد الرائد عبدالملك نوري وفواد التكرلي بعد الحربين العالميتين وما خلقته في المجتمع العراقي من هزات وتقلبات. ففي المجموعة الأولى لعبدالملك والتي صدرت في خمسينيات القرن المنصرم تحت عنوان (نشيد الأرض) جاءت معاناة المهمشين والفقراء في أولويات عمله، ورسمت الشخصيات بدقة عالية وحملت قصصه سمة مهمة، ألا وهي التركيز العالي والحوار «النصف عامي» الذي كان هاجس من كتبوا القصة بعده.
وتتسم قصص هذا الرائد بتقنية عالية، وكشف واضح لعاهات المجتمع وتشخيص مهم للحياة البغدادية رغم وجود بعض القصص التي تحاكي ريف المدينة إن صح القول وترصد معاناة تلك الشريحة بأسلوب رائع وبلغة جميلة أقلقت العديد ممن كانوا يكتبون قصصا أو أشباه قصص.
فبعد أن كانت القصة تكتب لإمتاع القارئ جاءت قصص عبدالملك نوري ذات أبعاد آيديولوجية هادفة، أراد بها القاص أن تكون القصة أيقونة يحتفي بها القارئ وهو ينصت إلى معاناة المسحوقين والمبعدين قسرا عن لعبة الحياة إلى درجة أوقعت فيها كتاب الستينيات بمأزق فني. فقد كان عبدالملك نوري وفواد التكرلي يمثلان أبناء الطبقة الوسطى في المجتمع العراقي وما هو معروف عن هذه الطبقة من قدرتها على تحمل المسؤولية في الإبداع وإلهام طبقات المجتمع الأخرى قيم العطاء والإيثار وحب الوطن وضرورة إيجاد المثقف الملتزم الذي آلى على نفسه أن يكون فاعلا ضمن بيئته بعد حالة الانهزام التي عاناها العراق بعد الحرب العالمية الثانية، وهكذا جاءت قصصه معبرة عن حالة من الرفض لكل ما كان يشوب البلدان العربية بل أبعد من ذلك حين كان يكتب عن أطفال جعلهم القدر السياسي يلعبون دور الكبار ويخوضون آلام الحرمان والقهر إلى حد النبذ تحت قصة حملت عنوان (الرجل الصغير).
وليس هذا فقط، بل حاول الرائد أن يطوع مدارس التحليل النفسي في قصصه، ويكتب عن شخصيات تحمل ملامح ما قال عنه فرويد في تحليله النفسي ومدرسته المشهورة، ولهذا السبب ولأسباب أخرى أقبل على قصصه جمع غفير من القراء ونجح في إعطاء قصصه سمة الانطلاق نحو أفق أوسع مما كان يكتبه رواد القصة الأولى مثل محمود أحمد السيد وذنون أيوب، إلى حد نستطيع أن نقول فيه إن أغلب القصص التي كتبت بعد (نشيد الأرض) والتي كانت مجلة الآداب اللبنانية في بيروت أول من احتضن بواكير أعماله، قد جاءت محاكاة لموضوعات قصصه بشكل وطيد. باستثناء بعض الكتاب من جيل الستينيات الذين خلقوا أسلوبا جديدا في القصة أدى إلى اغتراب القصة العراقية، بمعنى ابتعادها عن القارئ العادي والذي كان هو المرتكز الذي حاكاه عبدالملك نوري في معظم قصصه.
ورغم ظهور العديد من المدارس المتعاقبة تبقى قصص الرائد علامة بارزة في سماء الأدب المحلي والعربي، إذ يستحق أن تعد فيه أكثر من دراسة وخاطرة، تتيح لأدب عبدالملك نوري وفؤاد التكرلي أن ينتشر في الساحة العربية بهدف إعطاء فكرة عما كان يجول في ذهن المجتمع البغدادي من هموم وبعض الحالات التي رصدها هذا الرائد في وقت مبكر.