سكران .. طينة!!

سكران .. طينة!!

كان الخديوي السابق – اذا اراد ان يكرم ضيفاً من العظماء زار مصر – اقام له حفلة في سراي عابدين كالمعتاد ولكن كثيرا ما كانت الظروف تقضي بألا يتظاهر الخديوي بالاحتفال ببعض ضيوفه وتكريمهم مهما كانت صلاته بهم، فكان لذلك يوعز الى شاعره أحمد شوقي بك بأن يدعوهم هو الى حفلة في قصره تضم عظماء مصر ووزرائها واعيانها لتكريم الضيف العظيم، ويكون مفهومها عند الضيف وعند المدعوين ان المحتفى في الواقع هو سمو الخديوي.

ولي العهد
وحدث بعد عزل السلطان عبد الحميد ان زار ولي عهده مصر، فدعاه شاعر الحضرة الخديوية احمد شوقي بك الى وليمة في قصره دعا اليها الامراء والوزراء ومعتمدي الدول الاجنبية، وحدد لابتداء الحفلة الساعة الثامنة مساء على ان يفتتح سمو عاصر المرحوم امير الشعراء احمد شوقي بك الجيل الماضي، وكان واقفاً على الكثير من الاسرار الحكومية والاجتماعية والسياسية.. وقد توفى ولم يكتب مذكرات عن الحوادث التي شاهدها، غير انه كان يروي بعضها لانجاله ومن ذلك الحادثة الطريفة التالية التي رواها لنا نجله الاستاذ حسين شوقي.
ولي العهد (البوفيه) بعيد هذه الساعة بقليل..
واعد شوقي بك حفلة فاخرة تكريما لولي عهد العاهل السابق للدولة العثمانية صاحبة السيادة على مصر في ذلك الوقت، ونشط الكبراء والعظماء لحضور هذه الحفلة، واسرعوا الى اجابة الدعوة التي يعتبرونها صادرة من سمو الخديوي وفي نحو الساعة الثامنة مساء اخذ المدعوون يقدمون على دار شوقي بك، فما وافت الثامنة حتى كان عددهم قد تكامل، ومن ثم اخذوا جميعاً يتطلعون لاستقبال الضيف العظيم.
ومضى الوقت المحدد لحضور الامير، ولم يحضر الامير.. وتقدم الوقت وتقدمت عقارب الساعة معه حتى استقرت على التاسعة. ولكن الامير على الرغم من ذلك لم يف بوعده! واخذ الحاضرون يتساءلون فيما عسى ان يكون السبب الذي الجأ الامير الى التأخير.
واقط في يد الداعي الذي حشد هذا الجمع الكبير، ولكنه تريث لعله يكون مقبلا في الطلايق، وق استمهل المدعوين معتذراً اليهم في التأخير ، ومضى بعد ذلك نصف ساعة ثم نصف آخر حتى صارت العاشرة.. ومع ذلك لم يحضر الضيف الكريم!
في فندق الكونتننتال
فماذا يفعل شوقي بك، وقد مضى اكثر من ساعتين على المدعوين المحتشدين في داره وبعضهم عنده اعذار لا تمكنه من البقاء اكثر من هذه المدة!
نعم ماذا يفعل؟
هل يصرفهم دون ان يفتح لهم (البوفيه) الذي تقضي آداب الحفلات ان يفتتحه المحتفل به؟
او هل يختار بعضهم لافتتاحه، وهذا لا يجوز..
ولما ضاق بهذه الحال المحرجة ركب عربته، وذهب مسرعاً الى حيث نزل الصيف الكريم في فندق "الكونتننتال" فأرسل يستأذنه في المقابلة، فاذن له، فلما دخل عليه رآه.. وما ادراك كيف رآه؟
رآه:
"سكران طينة"
فدهش شوقي، وزادت حيرته، واعتذر الامير عن الحضور في هذه الحال (طبعاً).
واخيراً.. كيف يعود شوقي بك الى مدعويه. فكر الشاعر بين الدهشة والحيرة، ثم اوحى اليه بفكرة لطيفة، فقد كان من حسن الحظ ان لاميرين العربيين فيصل (ملك العراق فيما بعد) وعلي (ملك الحجاز السابق) كانا نازلين بالكونتننتال، فقصدهما تواً وقص عليهما قصة المآدبة، وعرض عليهما ان ينوبا عن الامير – باعتبارهما عربيين لا تركيين – ويفتتحا (البوفيه). فقبلا الدعوة، وركبا معه حتى اذا وصلوا الى القصر استقبلهما المدعووين، وانقلبت الحفلة من تركية الى عربية، ونجحت بهذه (المعجزة) بعد ان كانا مآلها الى الفشل.

كل شيء والدنيا /
 تشرين الاول- 1935

ذات صلة