صمويل بيكيت في عزلته الروائية

صمويل بيكيت في عزلته الروائية

ابراهيم سبتي
يعطي صمويل بيكيت (1906 – 1989) انطباعا في كتاباته الروائية، بأن الانسان المستوحد، المنعزل، هو تجسيد حي للانطوائية والتوحش الذي يمور في دواخله ولا يمكن ان تحل معضلته ابدا.. أي ان ابطال بيكيت ينتظرون دائما مصيرهم المجهول ومستقبلهم الآفل الذي لا يرجى اصلاحه، انهم مستسلمون وضعفاء..

هكذا هو في رواياته، ناهيك عن مسرحياته التي تؤول فيها مصائر ابطالها الى نفس مصير ابطال الروايات ان لم تكن ابشع عندما تنتكس الشخوص ولم يأت مخلصهم  كما حال مسرحيته الشهيرة”في انتظار جودو”التي عرّفت العالم بكاتب كبير”نال عنها جائزة نوبل عام 1969". وهو امر صادم لأنه لم يعرف برواياته التي ابتدأ حياته الادبية بها وانهاها بها والتي لا تقل قوة عن اشهر مسرحياته.. هو كاتب عزلة اذن، وتوحد ورفض، عبثي حد الملل.. في روايته المهمة”مالون يموت”الصادرة عام  1951 وهي - الرواية الثانية من ثلاثيته الشهيرة التي كتبها بالفرنسية واعاد ترجمتها بنفسه للانجليزية، تعد عملا كبيرا يضاهي ما كتبه جيمس جويس في ايامه  - وهذه الرواية الوحيدة التي ترجمها الى العربية المترجم القدير احمد عمر شاهين وصدرت عن دار الهلال المصرية عام 1999، هي انتفاضة ضد الانسان المتحرر.. ضد كل ما هو متحرك حالم.. انه يحاول ان يصوّر الانسان بصورة العاجز واليائس والمحاصر والخجول والمنحط والصامت والذاهب الى موته.. انها ازمة الانسان الخارج توا من حرب عالمية دامية، اطاحت بالبشرية فكان الانسان فيها وقودا دائم الاشتعال دائم الموت دائم الاستسلام، بدمائه تتحرك سرفات الدبابات وتعبر على جثثه مدافع الموت.. انها حرب الفناء الانساني والاخلاقي وانحلال القيم والفوضى.. فكان توظيف بيكيت لكل ذلك في مشغله الروائي نوعا من التنوير لفك شفرة الواقع ما بعد الحرب ووضع الازمات امام قارئ اخر ليس هو ما قبل الحرب.. انه قارئ متفاعل، ناقد ومحلل لكل ما انتجته المدرسة الروائية الجديدة  - رواية تيار الوعي - التي ظهرت في فرنسا عن طريق شباب مغامرين في السرد , مجموعة جريئة ازاحت جدار الرواية التقليدية واطاحوا بارث بلزاك وبروست على الاقل في الساحة الفرنسية.. روائيون بدأوا المغامرة وراقت لهم وتمسكوا بها مثل ناتالي ساروت وكلود سيمون وروبير بانجيه والان غروب غرييه وميشيل بوتور وجان ريكاردو وكلود اولييه وطبعا صمويل بيكيت (ايرلندي الاصل).. فأول ما فعلوه هو الاطاحة بالشخصية الاولى في الرواية – اغلبهم – وحولوها الى شخصية متمردة رافضة للسائد والمألوف.. فكانت محاولة جريئة لنسف تاريخ حافل بالامجاد الروائية فاثارت تلك الموجة اشكالية القالب الروائي السائد، فضربت كيان الشخصية التقليدية وابعدت تاثيرها عن محيطها معتمدة على اللغة الطافحة وسيول الوصف الغارق بالتفاصيل، فقراءة واحدة لا تكفي ولا بد من قراءة اخرى حتما، واثبتوا بجدارة بأن نتاجهم خلق توترا في الفضاء الروائي ووقعا صادما للناقد والقارئ.. فرفضتهم دور النشر المعروفة وعدت كتاباتهم نوعا من الهذيان والاسفاف وغياب الموضوع وتهميش للبطل والاستخفاف به , بل ذهبوا برفضهم الى استهانتهم بالقارئ – كما يقولون - وبالتالي فلا احد سيشتري الروايات وتبور تجارة دور النشر وتسوء سمعتها.. يبرز صمويل بيكيت الايرلندي وعاشق باريس، روائيا فذا مجربا في فضاء من الارتباك والفوضى في ساحة السرد.. كتب عدة روايات لم تأخذ مديات الشهرة وظلت مسجلة باسم كاتب غير معروف رغم انها احدثت نوعا من التغيير الذي اخذ يمور في دواخل بعض الروائيين الفرنسيين الذين رمى كل منهم بحجارته في بركة الادب الباريسي الراكد الملفوف بعبادة كبار الروائيين التقليديين.. فبرعوا في استخدام المفردة اللغوية وانحازوا الى الوصف كعنصر ناجح جاذب وتشظت الصور وتكررت المشاهد غير المتراصة.. تميز بيكيت ففاجأ الجميع بقدرته على تنويع السرد داخل روايته وجعلها قطعا متناثرة، لكل قطعة اوصافها وشكلها الغريب الذي لم يألفه احد بل تعدى الى اعتبار الشخصية متحولة بين حين واخر حتى بالاسم، فكان يطلق اسما عليها ما يلبث ان يغيره بعد فصل او اثنين.. هكذا كان يناور بقلمه ويتحرك على رقعته وفق اهوائه وما يملي عليه وعيه وانثيالات ذاكرته المشبعة بعوالم متناقضة.. ميزت اعماله الروائية خسارات الانسان وتشاؤمه وفقدان الامل غالبا، مع يأس طاغ وغياب للمحتوى الروحي الجمالي وهو ما جعله موجودا باسلوبه في كل اعماله وكأنها عمل واحد.. فخلطت الاوراق الروائية وقدمت انسانا معزولا تائها وعبثيا لا هدف يسعى اليه، ينتظر اشياء لا تحدث كما حال رواية”مالون يموت”اذ تقوم الشخصية الرئيسية بالبحث عن امل مفقود وتقضي وقتها باشياء تافهة وتقص على نفسها قصصا مفتعلة غير محبوكة لتصريف الوقت وشطب الايام وهي ممدة على سرير بائس هو بالتالي سرير الموت.. هذه شخصيات بيكيت المأزومة والمقهورة دائما.. كان بيكيت اكثر زملائه كسرا لقيود الرواية التي تحتاج الى قارئ جيد يلملم شظاياها.”مالون يموت”رواية الموت البطيء وهوس الانتظار وهو ما دأب عليه بيكيت في بعض اعماله، كان انتظار الموت طاغيا على الاحداث، فالبطل المهزوم بمرضه والعاجز عن الحركة تماما يحاول امضاء الوقت وحرق ساعاته برتابة تامة وكما هو دائما بطل خارج الزمان، هزيمته مطلقة لا مجال لاي احتمال اخر.. مالون هو بيكيت نفسه، الصامت في حياته اليومية والباحث عن ملاذات بعيدة عن الناس واصدقاء الصدفة المملون.. ينتزع باسلوبه الغريب دهشة النقاد الذين لم يفككوا مرموزاته اول الامر، لكنهم عثروا على مفاتيحه بعد التمعن والتركيز والاصرار على معرفة السر.. هي رواية البحث عن عالم آخر قد لا يعجب معظم الناس، لكنه عالم مفتون بالغرابة والضياع والاصرار على الموت.. انه عالم المآسي المندلقة امام وجوه متعبة لاهثة تبحث عن اشياء لا تحصل عليها، عالم الفوضى والارباك والغرق في اللا معنى، انها روايات عزلة، روايات الهامش والذيول وشخصيات لا يهمها ان تعيش كما الناس، انما تدور حول نفسها غير آبهة بما يحصل لها.. صمويل بيكيت، واحد من افذاذ الرواية الفرنسية والانجليزية معا عرف كيف يتلاعب بالانتقالات الفجائية والحوارات الناقصة احيانا، انها روايات العبث بكل معناه كما هو مسرحه اللا معقول.. انه كاتب الرواية بمستوياتها المتجددة وقصصه المتفردة في موضوعها وغرابتها، كاتب اشكالي لم ينل استحقاقه الروائي وعاش عزلة روائية صنعها لنفسه اثر نجاح مسرحياته التي اشتهرت وعرف بها فغابت اعماله السردية عن دائرة الشهرة مع انه كان يعيش حياة روائية حقيقية جسدها في اعماله فأطاح المسرح الذي اشتهر كثيرا بإرثه الروائي.. وللاسف ان المكتبة العربية تنقصها روايات صمويل بيكيت المترجمة الى العربية عدا بعض الاعمال القليلة التي قام بترجمتها احمد عمر شاهين (ثلاث قصص : الطريد، المهدئ، النهاية ترجمت سنة 1993) ورواية مالون يموت ومحاولات اخرى لمترجمين اخرين لكنها قليلة جدا لا تفي عالم بيكيت الروائي الواسع حقه.