الفيلم الوثائقي

الفيلم الوثائقي

علاء المفرجي
تصحبنا الناقدة باتريشيا أوفدرهايدي في كتابها الصادر عن دار المدى في رحلة عبر المسارات المتنوعة لتاريخ الفيلم الوثائقي، فبعد نظرة عامة على القضايا المحورية لصناعة الأفلام الوثائقية — كتعريفاتها وأغراضها وأشكالها ومؤسسيها — تركز على العديد من أنوع الفيلم الوثائقي الفرعية، ومن ضمنها أفلام الشؤون العامة، والدعاية الحكومية (خاصة الأعمال المنتجة خلال الحرب العالمية الثانية)، والأفلام الوثائقية التاريخية، وأفلام الطبيعة.

 ملحق بالكتاب قائمة بمائة فيلم وثائقي رائع ينبغي على كل مهتم بهذا المجال ألا تفوته مشاهدتها.
وبعد تعريفات عدّة للفيلم الوثائقي تخلص المؤلفة بأنه يروي قصة عن الحياة الواقعية، قصة تدعي المصداقية. والنقاش بشأن كيفية تحقيق ذلك بصدق ونزاهة لا ينتهي أبداً في ظل وجود إجابات متعددة. لقد عرف الفيلم الوثائقي أكثر من مرة على مدار الزمن، من صنَّاعه ومشاهديه، ولا شك أن المشاهدين يصوغون معنى أي فيلم من خلال الجمع بني المعرفة والاهتمام بالعالم وبني الشكل الذي يصور به المخرج هذا العالم. تقوم كذلك توقعات الجمهور على التجارب السابقة؛ فلا يتوقع المشاهدون التعرض للخداع والكذب، فنحن نتوقع أن تنقل إلينا أشياء صادقة عن العالم الواقعي.
كيف يبدو الفيلم الوثائقي؟ يحمل معظم الناس في عقولهم مفهوماً تقريبيّاً ملاهية الفيلم الوثائقي، وليست هذه بالصورة الجميلة في رأي الكثيرين. غالباً ما يعرف الفيلم الوثائقي التقليدي بأنه فيلم يبرز سرداً يُروى بصوت جهوري عميق، ومناقشة تحليلية أكثر منها قصة ذات شخصيات، ولقطات لوجوه خبراء مدعمة ببعض اللقاءات مع أشخاص في الشارع، إلى جانب مجموعة من الصور المرخصة توضح وجهة نظر الراوي (غالباً ما تسمى «القطع المتبادل» في مجال البث)، وربما بعض الرسوم المتحركة التعليمية، وموسيقى فخمة، وغالباً ما لا يُتذكر هذا المزيج من عناصر الشكل بإعجاب؛ فالاستجابة لا يبدو كفيلم وثائقي عادي".
وعن بدايات الفيلم الوثائقي لابد أن تتناول المؤلفة المؤسسين لهذا الفن في العشرينيات بدأ ثلاثة أشخاص مشوارهم الفني وساهموا في تشكيل توقعات الجماهير عبر جميع أنحاء العالم منذ ذلك الحني، وهم: روبرت فلاهرتي، وجون جريرسون، ودزيجا فيرتوف. وقد أكدوا جميعاً في آن واحد أنهم ينقلون الحقيقة وأنهم فنانون. وكما رأينا، فإن كلا التأكيدين يخلق حالة التوتر والجذب الأساسية في الأفلام الوثائقية؛ فمتى تتعارض البراعة الفنية مع الحقيقة ومتى تسهل مثل هذا التجسيد؟ لقد صارع هؤلاء المخرجون هذا السؤال بأساليب متنوعة، ومهّدوا الطريق لنقاشات ومجادلات لاحقة.
والفيلم الوثائقي نوع من الأفلام يحتوي على تعهد للمشاهد بأن ما سوف يراه ويسمعه هو عن شيء حقيقي وصادق، ودائماً يلزمنا أن نفهمه، غير أن المخرج لا بد أن يستخدم مجموعة كبرية من الحيل من أجل تأكيد هذا الزعم، والكثير من المخرجين ينفذون أعمالهم في بيئة تجارية أو شبه تجارية تحجم اختياراتهم، ومع تطور الفيلم الوثائقي، تطورت أيضاً المعايير والعادات والتقاليد والقوالب الشائعة المتعلقة بكيفية تنفيذ المخرجين لأعمالهم.
وتختار اوفدرهايد 100 فيلم وثائقي شوهدت ونوقشت على نطاق واسع، وفي كثير من الحالات وكانت محور جدل، وفي حالات أخرى قدمت مواد تعليمية قيمة.