هبة الدين الشهرستاني..فقيه التنور

هبة الدين الشهرستاني..فقيه التنور

رشيد الخيُّون
عُرف السيد هبة الدِّين محمد علي الشَّهرستاني، في وسط الحوزة الدينية بالنجف والكاظمية، بمحاولة الجمع بين العلم والدِّين، والسير في طريق التنوير، والتوفيق بين ما يستجد في عالم الاكتشاف والاختراع وبين الثوابت الدينية، وقد حقق ذلك عبر مجلته «العلم (1910). وبطبيعة الحال عُد هذا التوجه، في مطلع القرن العشرين، خطيراً، لا يستقبل بسهولة من دون نقد وتجريح، وخصوصاً أن المتبني هو من طلاب الدين وعلمائه فيما بعد.

ولد هبة الدين الشهرستاني بسامراء، ونشأ بكربلاء ثم النجف، التي استقر فيها ستة عشر عاماً طلباً للعلم. درس على يد زعيم المشروطية الآخوند محمد كاظم الخراساني، وعلى يد ابن عمه آية الله محمد الطباطبائي، وبتأثيرهما دخل مؤيداً وناشطاً في الحركة الدستورية. ساح لمدة عامين في العديد من البلدان: الهند، سوريا، إيران، مصر، الحجاز، ومكث في الهند لمدة عام، بداية من 1913. ويوهم لقب الشهرستاني أن هبة الدين تحدر من بلاد فارس أصلاً، مثلما يوهم لقب النجفي أو البغدادي أو العراقي بتحدَّر أفغان وهنود وباكستانيين وإيرانيين من العراق. أما هو فأخذ لقب أخواله الشهرستانيين، وقد ولد في سامراء من أسرة عربية عراقية، يتصل نسبها بزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (المقتول بالكوفة 122هـ).
كتب علي الوردي تحت عنوان «رائدان فكريان”مقارناً بين شخصيتين باعدهما المذهب والالتزام الديني وقاربهما التوجه مع اختلاف الطريقة. وهما هبة الدين الشهرستاني والشاعر المتفلسف جميل صدقي الزهاوي (ت 1936). قال: «من أوائل الذين أولعوا بالمطبوعات المصرية، وتأثروا بها اثنان، أحدهما في بغداد والآخر بالنجف»
«نشأ كل من الزهاوي والشهرستاني نشأة دينية، إذ كانت أسرتهما من الأُسر الدينية المعروفة. غير أن الشهرستاني ظل محافظاً على عمامته وزيه الديني حتى آخر يوم من حياته، بينما خلع الزهاوي عمامته في كهولته، ودخل في سلك الأفندية. وهذا الفرق الظاهري يشير إلى ما بينهما من اختلاف ذهني عميق... والفرق بين الرجلين هو كالفرق بين النجف وبغداد من الناحية الاجتماعية، فالنجف تعد بيئة اجتماعية مغلقة بالمقارنة إلى بغداد، إذ يسودها التزمت والتقليد، ولا يأتيها الغريب إلا لكي يتأثر بها أو يذوب فيها. أما بغداد فهي على النقيض من ذلك مفتوحة يلتقي فيها الغرباء والأجانب من كل صوب، فيؤثرون فيها أكثر مما يتأثرون منها».
كانت مقارنة موفقة، ولكن تفتح الزهاوي، وإن ظهر عبر قصائد ومقال أو مقالين، إلا أنه لم يكن عضواً في المؤسسة الدينية من الأساس، أما العمامة فكان يعتمرها الكثيرون، وحتى من دون دراسة دينية، وربما ينطبق على هذا معروف عبد الغني الرصافي، تلميذ كبير علماء السُنَّة في بغداد محمود شكري الآلوسي (ت 1924)، وصنف كتاباً فيه ما فيه من التحرر وتجاوز المحظور وهو «الشخصية المحمدية»، وربما أيضاً ينسحب على الجواهري وعمامته، التي ظل يعتمرها حتى الثلاثينيات من القرن المنصرم، وبعد العيش في بغداد. ثم قال فيها العام 1929:
قال لي صاحبي الظريف وفي الكفِ
ارتعاش وفـي اللسان انحباسـة
أيـن غادرت عِمـةً واحتفـاظاً
قلـت إني طرحتـها في الكُناسة
أُعجب جميل صدق الزهاوي كثيراً بتشالز دارون، ولا أدري هل تمكن من حل عُقد كتابه «أصل الأنواع»، أم كان ذلك من باب المفاخرة، فهو يدعي أن نظرية «النشوء والارتقاء”دخلت عقول العراقيين بسببه. قال: «المذهب القوي في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء، وقد تبعته، ولم يتبعه أحد غيري قبلي، وقد شاع بسببي في العراق».
وكتب مقالات ضد الحجاب، ونظم أشعاراً يحث فيها على السفور، وأبرزها قصيدة «أسفري يا ابنة فهرٍ»، وغيرها. وهذا يشترك فيه العديدون، كما أسلفنا، من الأفندية العراقيين. لكن النادرة أن يبرز عالم دين، مثل هبة الدين الشهرستاني، وفي النجف، ويؤسس مجلة تحت عنوان «العلم»، ويبحث في الفلك والهيئة، ناهيك عن انضمامه إلى المشروطية. حتى قيل أن توجه الشهرستاني العلمي حال دون توليه المرجعيةالدينية.
 لكن ما حصل للعراق بعد حقبة البعث، والمد الديني الموازي، لم يسلك طريق الزهاوي ولا طريق الشهرستاني، وعاد العراق، كما نرى، في العديد من جوانب الحياة الفكرية والثقافية، إلى ما قبل العشرينيات، وأصبح التشدد سيد الموقف، وقاد إلى تحارب طائفي مقيت. التشدد الذي حاربه عالم الدين هبة الدين، وأراد الزهاوي أن يخفف منه بطريقته، وإن كان انبهر بالحضارة الغربية، التي كانت آنذاك معقولة، وليس فيها ما يُخشى على تقاليدنا.

فقيه من طراز آخر
أصدر الشهرستاني مجلته «العلم»، و»نحا فيها منحى إصلاحياً لم يألفه الناس من قبل، وهاجم بعض التقاليد الطارئة على أذهان المتدينين، وككل مصلح يتصدى لنشر آرائه فقد لاقى مقاومة وعنتاً شديدين». وقد مدح الشيخ علي الشرقي تلك المجلة قائلاً:
آمنت فيك وحب العلم إيمان
فـآية العلم إنجيـل وقـرآن
العلـم مـجد والعلياء مرشدنا
    المرشدان لـه عقل ووجدان
ولشدة اهتمامه العلمي والحداثي، جاء رثاؤه من قبل الشعراء مختلفاً تماماً عن رثاء بقية علماء الدين، حيث ركزت القصائد على العلم والفكر. قال محمد حسين الصغير راثياً:
جمع القديم إلى الحـديث بحكمة
قطعت ثـمار نتـاجها الحكماء
وبهذا الاهتمام اختص بتدريس مواد الهيأة (الفلك) والحساب في الحوزة الدينية، وهي مواد علمية تتيح التفرع بتدريسها إلى الحداثة والتقدم، والخروج بعض الشيء عن المعتاد الديني. أتضح ذلك من سيرة حياة تلامذته في تلك المواد: الشيخ كاظم كاشف الغطاء، والشيخ جعفر النقدي، وسعيد كمال الدين، وغيرهم.
أتصل من النجف مبكراً بصحف «القاهرة وأنديتها العلمية ومطبوعاتها، التي صارت ترد عليه بكثرة، مع فقدانها عند غيره. فتجمع عليه المتعطشون من أبناء العلم، الذين حُجبت عنهم. وفي هذه الآونة من أوائل حياته أنتج أول أثر قيم له هو كتاب «الهيئة والإسلام»، الذي وسع أفق الذهنية الدينية، وفتح لها أبواباً جديدة من العلم والاتصال بالفِكَر الغربية، والمخترعات الحديثة آنذاك».
 وبهذه الخلفية استمرت مجلته «العلم» حوالي عامين. وقد ذاع صيته عبر محاضراته العلمية، التي كان يلقيها في النجف، فبعث إليه والي بغداد العثماني حسين جاويد، العام 1914 طالباً منه الحضور إلى العاصمة للمشورة. أَسرَّ إليه الوالي بأن الحرب الألمانية والإنكليزية بدأت و»لابد أنها ستشمل الممالك العثمانية، حسب ما علمت من ناظر الحربية أنور باشا. فهل ترى من تدبير لمحافظة العراق، وولاء العشائر لنا، وصد هجمات الأعداء»؟ قيل «ومن ذلك الحين بدأ يحكم الصلات بين رجال الدين وبغداد، ونظارة الحربية في الآستانة، ووحد الرأي بين علماء كربلاء والنجف (الشيرازي واليزدي).
إثر ذلك الاتصال مع الوالي العثماني، لعب الشهرستاني دوراً في إقناع المرجعية للدفاع ضد القوات الغازية، في بداية الأمر، فأخذ يظهر إلى جانب المرجع محمد كاظم اليزدي، وهو يخطب في يوم الغدير، شارحاً الخطبة على أسماع الناس. وانحدر الشهرستاني مع الفرات محرضاً العشائر الفراتية للتوجه إلى المعركة في البصرة. وكما أسلفنا، عاد خائباً، ومصنفاً رسالته «الخيبة بالشعيبة».
تبوأ بطلب من الملك فيصل الأول (ت1933) منصب وزير المعارف، وهي حقيبة لائقة به، وحاول خلالها إبعاد المستشار البريطاني قدر الإمكان. ولأهمية لمساته في الوزارة صنف محمد عبد الحسين الكاظمي المحامي كتاباً تحت عنوان «سر تقدم المعارف» أشار فيه إلى سيرة هبة الدين، وكيف كان إصراره، من بين بقية زملائه الوزراء، على إبعاد مستشاره الإنكليزي.
 إلا أنه بعد العجز عن حمل الآخرين بالأخذ بما جاء في تقريره بشأن إصلاح المعارف قدم استقالته لرئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب(ت 1927). وبطلب من الملك فيصل أيضاً أسندت إليه رئاسة محكمة التمييز الشيعية، أو مجلس التمييز الجعفري. تردد علي الخاقاني في سرد قصة فقد هبة الدين لبصره، قال: «لا نقوى على سردها.
وبهذا، جعل القارئ يضرب أخماساً بأسداس، متشوقاً لمعرفة ما جرى لهذا العالم الجليل، هل هو اعتداء أم حادث عفوي، أو محنة مؤلمة؟ وبفقد بصره ترك الوظيفة الحكومية، وأخذ يهتم بشأن مكتبته في الكاظمية «مكتبة الجوادين العامة»، كانت نواتها مكتبته الشخصية، افتتحها في غرفة من غرف صحن مرقد الإمام موسى الكاظم.وأصبح نائباً في البرلمان العراقي.
كان هبة الدين جريئاً في ما يكتب ويقول، مقاوماً التقليد في أمور من الصعب تناولها آنذاك، وحتى بعد حين. فمن جرأته أنه أصر على فصل المستشار البريطاني لوزارة المعارف، وحينها خلق ضجة في الوسط السياسي. ونشر رسالته في «تحريم نقل الجنائز»، وكانت مشكلة كبيرة، بين الصفويين والعثمانيين، وملخصها: أن الشيعة أخذوا من زمن بعيد يدفنون موتاهم في مقبرة وادي السلام بالنجف، وتعد من كبريات المقابر بالعالم، وما يصاحب نقل الجنائز من مضايقات وأضرار صحية. فيروى أن والي بغداد مدحت باشا استغل فرصة وجود الشاه ناصر الدين القاجاري لزيارة العتبات المقدسة بالعراق، ففاتحه بأمر نقل الجنائز من إيران إلى النجف «فلزم أن يُدفن الميت في موطن موته، ويبقى مدة سنة، وبعد مرور السنة تنقل عظامه ورممه، فيحصل الغرض.

التجديد  في عاشوراء
سار هبة الدِّين الشَّهرستاني على طريق المصلح المجتهد السيد محسن الأمين (ت 1952) في محاولة تنقية مراسم عاشوراء من الفوضى، فإذا كان العلماء المصلحون تلمسوا الحاجة إلى إصلاح العزاء الحسيني، قبل أكثر من مائة عام، وإخوان الصفا قبل أكثر من ألف عام، فكم ستكون الحاجة مضاعفة وضرورية وها هي البشرية تعيش الألفية الثالثة، وعصر تأهيل السياحة إلى الفضاء!
فما علمناه أن المرجع أبا الحسن الأصفهاني (ت 1946) قد حرم الاستماع لخطيب تلاعب بعقول النَّاس عبر مأساة الحسين، وهو الخطيب صالح الحلي، فماذا عساه يفعل، لو كان حياً، بخطباء اليوم وهم يستنزفون العقول من على شاشات الفضائيات! أحدهم تلاعب بعواطف المحتشدين، بالشعر والرواية وحركات الجسد، يُتبع بالصلوات وهو يدس خرافته من على المنبر: أن خمس خشبات، من سفينة نُوح،  كُتب عليها أسماء أهل الكساء، ولما غُرز المسمار في خشبة الحسين نَفطَ منها الدم! أما الآخر فنسمع منه عبر الشاشة العجائب والغرائب، مثل حديث الأحجار المؤمنة والكافرة!
ألا يتقدم مصلح جريء ويؤسس مأتماً مخالفاً للمآتم التي تسكب عبرها الترهات في أدمغة الشباب والأطفال، يجاري فيه ما أقامه السيد الشهرستاني. ولا يغرنكم اللقب فالرجل يتحدر من كربلاء وولد بسامراء، ولقبه المرادف الحسيني، إلا أن الخؤولة غلبت عليه فاشتهر بالشهرستاني. كان يمكن لهذا الرَّجل أن يتبوأ المرجعية الدينية، لكن للمرجعية شروطاً منها عدم إثارة المُقلدين، أو العوام، وكانت دعوة «تحريم نقل الجنائز» وإصدار كتاب بهذا العنوان، والاهتمام بعلم الهيئة أو الفلك والرياضيات، ومحاولات تفنيد ما علق في العقول من خرافات، لا تسمح لروحاني مثله أن يكون مرجعاً(الخاقاني، شعراء الغري).
فما فعله الشهرستاني، بعد الانتقال إلى الكاظمية غربي بغداد، عين ما فعله الأمين بدمشق، لقد «قلب سيرة الكاظمية في اليوم العاشر من المحرم من ضرب القامة إلى إقامة حفل عظيم تتلى فيه أسرار نهضة الحسين من قِبل أعلام الكتاب والشعراء، وثابر على ذلك سبعة أعوام، كانت نتائجها تملأ المجلات والصحف، وتُوجد الكتب القيمة في الموضوع نفسه. ومن نتائجها الأعداد الخاصة بذكرى الحسين لمجلتي البيان. كل ذلك كان يسعى إليه ليقلب صفحة التفكير، ويوقف النَّاس على فهم الدين الصحيح، وما يريده الأئمة (ع) من سعادة للنَّاس»(شعراء الغري).
لكن، لكل نهضة وحركة إصلاح أعداء، يذودون عن مصالحهم الخاصة وتجاراتهم، وإن كانت على حساب التقدم والتمدن، والالتحاق بالركب العالمي، وهذا ما لا يروق للمغرضين، فتكاثروا وحشدوا حولهم الجموع «لإرجاع العوام إلى حضيرة الجهل والفناء وتغلبوا»(نفسه) أخيراً اضطر صاحب الدعوة اللجوء إلى بيته بعد يأسه من وجود مرجع مثل السيد أبي الحسن، يدعم الإصلاح. لجأ إلى بيته بعد أن قضى سنوات داعماً لإصلاح العزاء والنهي عن التطبير والتسوط بالسلاسل واللطم، وكل المشاهد المؤذية، التي لا تترك سوى الحماسة للثأر، تلك التي كشف خطورتها إخوان الصفا وخلان الوفا من قبل ألف عام ويزيد (العاشر الميلادي).
لقد انتقد إخوان الصفا الجماعات نفسها التي انتقدها وتصدى ضد تجهيلها الروحانيان الأمين والشهرستاني، والإخوان والعالِمان كانوا من الشيعة لا من خارجهم، قالوا: «ومن النَّاس طائفة قد جعلت التشيع مكسباً لها منل النَّاحة والقصاص (سرد قصة الحسين بما يؤثر يهيج العواطف) لا يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللَّعنة والبكاء مع النَّاحة»(الرسالة السابعة، كيفية الدعوة إلى الله).
 قال إخوان الصفا هذا وليس في زمنهم ممارسات زمننا، وكذلك ليس في زمنهم فضائيات وانترنيت وطائرات تسبق سرعتها سرعة الصوت! وهم قالوا في شأن البكاء على السيد المسيح ويرمون إلى البكاء على الإمام الحسين: «اعلم أن هذا الرأي والاعتقاد يكسب صاحبه غيظاً على القائل وحنقاً، وعلى المقتول حزناً وغماً، ثم تبقى طول عمره موتئلمة نفسه معذباً قلبه مشتهياً الانتقام»(العلوم النَّاموسية، الرسالة الأولى).

 أقول: كم صاحب عِمامة تولى أمر المعارف، وزارات أُخر، من قبل، لكنهم لم يسعوا إلى المتاجرة بعاشوراء عبرها، بل إن عمامة تولت رئاسة الوزراء(محمد الصدر) ولم تسخر الدوائر وتخرجها من إطار الدولة المدنية! إنَّ ما يجمع بين رأي إخوان الصفا وإصلاح الأمين والشَّهرستاني، ثم مراجعة آية الله مطهري في كتابه الثري «الملحمة الحسينية»، هو: ألا «تظهر الشيعة كأنهم يعيشون في الوهم...»(الأمين، ثورة التنزيه)!
فمن دعوة الشَّهرستاني الإصلاحية تحريم الضرب بالقامة في عاشوراء «ونبذ العادات الوحشية من ضرب السلاسل (الزنجيل)». ومن محاولاته للتغيير في طقوس عاشوراء إشغال العامة عن التطبير بالقامة والتسوط بالسلاسل برعاية «حفل عظيم تتلى فيه أسرار نهضة الحسين من قِبل أعلام الكُتاب والشعراء، وثابر على ذلك سبعة أعوام. كانت نتائجها تملأ المجلات والصحف، وتوجد الكتب القيمة في الموضوع نفسه». كل ذلك سعياً منه لقلب صفحة التفكير السائدة.
توفي عالم الدين المثقف هبة الدين الشهرستاني عن عمر ناهز الثالثة والثمانين (1884-1967)، قضى وطراً منها بصيراً، حتى اشتهر بعمامته السوداء ونظارته السوداء أيضاً. تاركاً إضافة إلى المكتبة العامة والآراء العلمية والمواقف الجريئة، تركة معرفية تربو على خمسة وعشرين كتاباً مطبوعاً، وعلى أكثر من مئة وثلاثين رسالة وكتاباً مخطوطاً، بالعربية والفارسية، ومنها: «منظومة مواهب المشاهد في أُصول العقائد»، «رواشح الفيوض»، «الهيئة والإسلام»، «التوفيق بين الاكتشافات الجديدة وقواعد الفلكيات»، «توحيد أهل التوحيد»، «صلاة الجمعة خلف إمام عادل»، «حوادث الدهور من أيام الشهور»، «الرجعية» «العزاء الحسيني»، «قاموس الفلسفة»، «كهرباء القلوب»، «مشكلات العلوم»، «المعارف العلمية للمدارس الراقية»، وغيرها.
يضاف إلى هذه التركة الغزيرة كماً المميزة نوعاً، مقالات كتبها في مجلة «العرفان”الصيداوية، ومجلات أخرى، لها قيمتها في التقريب بين العلم والدين، فهو على حد عبارة علي الوردي كان «يتمسك بالدين، ويريد من العلوم الحديثة أن تلحق به، وتواكبه وتتفق معه».
ولهذا رأيناه في جميع كتبه ومقالاته يحاول أن يبرهن للقراء أن الدين الإسلامي قد سبق العلوم الحديثة بنظرياته، وأن تلك العلوم لم تأت بما يناقض الإسلام أبداً. أما إذا ظهر بينهما شيء من التناقض فمرد ذلك إلى سوء الفهم وقلة الإطلاع». ومن شعره في السلام العالمي والحب الإنساني:
وطـني الأرض وقومي البشر
أينما كانوا وممَــنْ ظهروا
نحن فـي النوع جميعاً واحد
شكلنـا يجمعنا والصـور