السيد هبة الدين الشهرستاني وجرأة الدعوة للتجديد

السيد هبة الدين الشهرستاني وجرأة الدعوة للتجديد

د.حيدر نزار السيد سلمان
لو حاولنا المقاربة بين بدايات القرن العشرين والعصر الذي نعيشه أي بدايات القرن الواحد  والعشرين في المجالات الفكرية والثقافية والعلمية لن يصعب علينا التعرف على الجهود العظيمة التي بذلها مفكرونا ومجددونا لتحقيق الإصلاح ونشر فكر التقدم والاستنارة والحقيقة، الباحث يمكن له ان يحصي ويُعد الفروقات بين العصرين بسهولة ويسر فقد توفرت في هذا العصر كل وسائل الاعانة والمساعدة والدعم بالاضافة الى انفتاح الآفاق الرحبة ومرونة الحصول على الافكار الجديدة

 والاطلاع على ما يجري في كل العالم بسرعة مذهلة وهذا يكفي للتدليل على ما عاناه اولئك الذين اتقدت في ارواحهم جذوة العمل الصالح وخدمة المجتمع وسيطرت عليهم افكار تخليص الناس من الجهل والتخلف والأمية،فقد عاشوا كل الصعوبات والمنغصات وتعنت الجهلة ورفض المتزمتين الذين يرفضون كل جديد ويحاولون ابقاء القديم على ما فيه من امراض ونكوص ولعل الروح الوثابة المتقدة حماسة ورغبة في التغير كانت هي الداعمة والعاملة على استمرار النشاط والجهد الفكري الاصلاحي بدل اليأس والقنوط والتوقف استجابة للضغط المسلط من اولئك المعرقلين والمتحجرين.

لو دققنا اكثر في الصورة التي وجدت في بدايات القرن العشرين لاصابنا العجب والذهول من قوة إرادة المصلحين والمجددين ونحن هنا نركز على الذين انجبتهم المدرسة النجفية الاصيلة التي تمتد بجذورها الى مدرسة آل البيت (ع) فكراً ومنهجاً وتسامحاً وروحاً نقدية علمية فقد عاشت هذه المدرسة المباركة قرونها الطويلة وهي لا تنفك تزق في نفوس وعقول طلبتها العلم والمعرفة وتؤكد على الإبداع والموائمة مع الجديد الحاصل.

الشهرستاني..
رجل النهضة والإصلاح
 لكل زمان اهداف وغايات ووسائل وهو ما أستطاع معرفته اولئك المبدعون المجددون رغم الصعوبات والاوضاع القاسية فلم تقف بوجوههم صرخات وصيحات الممانعين ولم يأخذهم في الحق لومة لائم سيراً على سيرة إمامنا العظيم علي بن ابي طالب (ع) في انسانيته وريادته وعمق فكره وصلابة مواقفه ودفاعه عن الحق اينما يكون وبالفعل فقد جاءت هذه الكوكبة لتنشر فكر التقدم والتطور باذلة الغالي والنفيس في سبيل ذلك وبصبر وجلد وقوة إرادة وكان من بين هؤلاء المجدد المصلح الكبير السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (1884-1967) الذي كان له دور مؤثر وبارز في حركة الاصلاح والتجديد التي اشرنا اليها وبالفعل فقد كانت جهوده ونتاجاته الفكرية دليل على مدى علميته ومعارفه وإرادته القوية فالرجل وقف منذ مطلع القرن العشرين مسانداً وداعماً قوياً لحركة انصار الدستور ورفض الحكم المطلق المستبد الذي يدافع عنه أصحاب الفكرة المستبدة ضمن ما يعرف بحركة المشروطة والمستفيدة التي ابتدأت في ايران والدولة العثمانية منذ عام 1904 وانتشر لهيبها ليصل العراق عامة والنجف الأشرف خاصة وكان الشهرستاني من الذين أيدوا وساندوا المرجع الديني الكبير الشيخ محمد كاظم الخراساني ابو الاحرار كما وصفه الشهرستاني نفسه وهو تلميذه والمتأثرين بنزعاته التحررية التقدمية والحقيقة التي لابد من الاشارة اليها الى ان هذا المرجع الجليل كان من الناشرين للوعي العلمي والفكري وداعماً قوياً للنشاطات التعليمية المجددة ويمكن ملاحظة ذلك في موقفه من المدرستين اللتين افتتحتا في مدينة النجف الاشرف مع بدايات القرن العشرين وكانت تدرس فيهما اللغات الاجنبية وترد اليهما الصحف من أنحاء مختلفة وهو ما يشير اليه محمد القوجاني في كتابه الرائع (سياحة في الشرق) ويمكن لنا من هذا ان نستنتج مدى التأثير الذي كان للشيخ الخراساني على السيد الشهرستاني فقد انهمك كأستاذه في البحث عن الجديد من المعارف والتطلع الى ما يجري في العالم من قفزات علمية وفكرية هائلة لابد من الاستجابة لها وايجاد ما يمكن ان نسميه جسراً بينهما وبين ما هو عليه حال المجتمع فأغترف الشهرستاني من المعارف الكثير الكثير وهو ما يمكن ملاحظته من خلال دراسة حياة الرجل وتاريخه الطويل المليء نشاطاً وجهوداً

مجلة (العلم).. والفكر التنويري
 ولعل السيد الشهرستاني في إطلاعاته الواسعة ورغبته الحقيقية في استنهاض الامة وايقاد شعلة نشاطها كان دؤوباً على معرفة وتعلم ما عليه العالم وما يبثه المصلحون المجددون في العالم الاسلامي وهو ليس يعبد زماناً ومكاناً عن دعوات ونداءات السيد الجليل جمال الدين الافغاني وعلى غرار نهجه وإدراكه لاهمية الاعلام والصحافة في نشر الوعي  والتثقيف والمعارف بين الناس فقد اصدر الشهرستاني وبروح المكافح المخلص مجلته الشهيرة مجلة (العلم) 1910 وهي واحدة من افضل وابرز المجلات التي تصدت للعلم والمعرفة والفكر التنويري إذ جاءت في زمن صعب وبظروف قاسية لتؤكد العلاقة بين الاسلام والعلم والصلة بين هذا الدين العظيم والتطورات العلمية ومن يطلع على اعداد صادرة من هذه المجلة لابد له ان يتوقف على حقيقة نزعاتها الاصلاحية وتقدمها على العصر الذي صدرت فيه مع ملاحظة مدى الجهل والارتداد الذي كان يطبق على كل أرجاء العالم الاسلامي ولم تكن هذه المجلة الا الجهد الاول الذي عرّف النخب المثقفة بالسيد الشهرستاني ودوره في حركة الدستور والدعوة للحكم المقيد وقد واجهت هذه المجلة تعنت ورفض البعض من المتزمتين الذين نظروا اليها بقلق وخشية لكن الشهرستاني استمر في إصدارها لتكون لسان حال المتنورين في إنطلاقتهم نحو التجديد وبناء الامة وربطها بالعلم والمعارف ولذلك فقد جابه الشهرستاني المعاندين عندما جعل لهذه المجلة مكتبة خاصة بها يرتادها محبي العلوم.

التجديد والاصلاح..
لم تكن مجلة العلم الا بداية لطريق طويل عرف السيد الشهرستاني إنه سائر فيه ما دام يريد التجديد والإصلاح وكان جريئاً حازماً وهو يحث خطاه في هذا الطريق الوعر ولما كانت روحه لا ترضى الا بالحق والصواب وتتوجع لمشاهد وروايات تثير الحس الانساني وتألمه وخاصة ان ما يجري ليس بعيداً عنه بل هو داخل مجتمعه فكانت للسيد خطوة جريئة لا يمكن قياسها الا بالزمن الذي ولدت فيه وهو يعيش وسط آراء وأفكار مختلفة بين الرفض والقبول إذ تصدى الشهرستاني لظاهرة نقل الجنائز من الاماكن البعيدة بغية دفنها في مدينة النجف الاشرف مع طول الطريق وبعد الزمن وتفسخ الاجساد المنقولة مما كان يسبب الكثير من الامراض بالاضافة الى هتك حرمة الميت وتخلف وسائل النقل حينذاك وقد رد الكثيرون على هذه المواقف وعدوها خطراً يهدد المذهب وواجهوا السيد بأنواع الاتهامات، لكنه كان يريد الإصلاح وإبعاد الناس عن الاخطار فلم تفت في إرادته الاعتراضات والممانعات بل صمد شاهراً قلمه وصوته بوجه كل ما يثير الشبهة ويدخل في باب التقليد الاعمى لذلك فقد جاء دوره هذه المرة في واحدة من أخطر القضايا ليستلهم حقيقة النهضة الحسينية وإبعادها المختلفة وخلودها وطبيعة الاحتفاء واستذكار هذه الملحمة الإسلامية العظيمة التي نقلت الامة فكراً وروحاً من حالة الخنوع والخضوع والاستكانة للحاكم اللاشرعي المتجبر الى حالة الرفض والثورة وتقويم المسيرة وإصلاح المجتمع وترقيته فكرياً ووجداناً وقد وضع السيد الشهرستاني في سبيل ذلك كتابه (نهضة الحسين).
كان السيد يرنو إزالة ما علق بالشعائر الحسينية من زيادات ومظاهر ليس لها علاقة بهذه الذكرى العظيمة لان هذه المظاهر تسيء الى شعائرنا ورموزنا وتفقدها القيمة الروحية العليا التي يتم إحياءها من اجلها ولأن المعارضون كانوا اقوى وأصلب في مواجهة روح التجديد والإصلاح فقد شنت حملات عنيفة على الذين طالبوا بإقامة الشعائر الحقيقية كما تستحقها هذه المناسبة وكان كل من المرجع الديني السيد ابو الحسن الاصفهاني والسيد محسن الأمين وآخرون من النجف قد تحملوا عبأ النهوض بهذه المسألة في محاولة منهم للبحث في منابع الثورة الحسينية وطروحاتها الانسانية والاختصاص بمعاني الحق والنهج الثورة والاصلاح ورفض الظلم وقيادة الامة عن طريق العدل والمساواة وسيادة القانون وهي معاني وشواهد أراد تجسيدها إمامنا الشهيد الحسين (ع) ولا بد من التذكير بها وإحياءها والغرف منها والافادة منها في حياتنا وسلوكنا ونظامنا وهو ما دعا الشهرستاني وغيره من المجددين على التماس الطريق الموصل اليها بدل المظاهر التي لا تعبر الا عن الشعور الجسدي والحسي فالحسين الشهيد صاحب نهضة ورسالة ودعوة للإصلاح ونشر قيم العدل والحق والروح الانسانية ومنها تأكيد حقوق الانسان ولكن ذلك لا يعجب الكثيرين ممن اعتادوا التمسك بالخطأ.

العلم وعلاقته بالدين الإسلامي
ومرة اخرى يعود السيد هبة الدين الشهرستاني الى دفاعه الجسور عن الاسلام الاصيل وحقيقته الحقة وروحه المتوهجة علماً ومعرفة وتقدماً عندما الف كتابه المعروف (الهيئة والاسلام) لتوكيد قيم العلم وروحه في بحث أصيل عن علاقة الدين الأسلامي بكل العلوم ودعوته للإفادة منها والتبحر بها عكس ما يثيره المضللون من هذا الطرف او ذاك في الغاء العلاقة القوية بين ديننا العظيم والعلوم وهي إثارات راجت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من قبل بعض المستشرقين وحتى من داخل بعض المسلمين المتحجرين فكان لابد من رد هذه الشبهات وغيرها والتي لا تزال تثار لحد الآن وللأسف تقدم السيد الشهرستاني مدافعاً حقاً عن هذا الدين العظيم وليس هذا فحسب ونحن لا نستطيع في هذه الكلمات القليلة ان نغطي كل مجهودات هذا الرجل ونشاطاته الفكرية وسفراته وجولاته الى كل الاصقاع فقد نشر الاسلام الاصيل وساهم في اعتناق العديد من العوائل والأشخاص من غير المسلمين لهذا الدين وقد كان حاله كحال الدعاة الاوائل الذين نشروا الحق والكلمة السواء بلا تردد او فتور وينبع ذلك من ايمانه العميق بأصالة دينه واهليته ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

دوره السياسي
كما لا يمكن اغفال الدور السياسي لهذا الرجل حين تنقل بالمراكز الوزارية والنيابية واصبح فاعلاً في مجاله السياسي كما هو الحال في المجالات الدينية والفكرية ولعلنا لا نستطيع الا نتذكره وحتى بعد مماته فقد ترك لنا آثاراً ورائعة تنفع الاجيال وهو ما نراه في المكتبة الكبيرة التي شيدها في مدينة الكاظمية المقدسة التي يؤمها طلاب العلوم والمعارف والباحثين من كل الاتجاهات فالرجل نفع الناس وأفادهم في حياته وترك فضائله ومنفعته لما بعد مماته يكون رمزاً حقيقياً وامتداداً للمدرسة النجفية الاصيلة وهذا ما جعل الباحثون يقدرون الرجل ويحاولون إعطاء حقه الريادي الاصلاحي فكتب عنه الكثير خارج العراق وداخله وأشار اليه مؤرخوا الفكر والأصلاح.