أم المصريين تتحدث عن الثورة

أم المصريين تتحدث عن الثورة

عندما اعتقل الزعيم الخالد سعد زغول عام 1922 اي منذ 22 عاما وفدت على مصر صحفية امريكية هي الانسة ترى المحررة بجريدة "شيكاغو تربيون" واستطاعت ان تظفر بحديث صحفي مع السيدة الجليلة ام المصريين، وقبل ان ترسل بحديثها الى جريدتها بعثت بصورة منه الى ام المصريين ورأينا ان ننشر هذا الحديث الطريف ليعيد الى الاذهان ذكريات فاتنة يقدسها جميع المصريين.

قالت الجريدة:
- تمكنت مراسلتنا من محادثة حرم سعد زغلول باشا الزعيم الوطني المنفى في سيشل، ولقد حادثها من قبل مراسلون كثيرون، وكانت تحثهم وعلى وجهها نقاب يحجبه، اذ تمنع تقاليد الشرق من ان يشاهدوا وجوه السيدات المسلمات اما مراسلتنا فقد استطاعت التحدث معها وجها لوجه كسيدة مع سيدة، وجرى الحديث في (بيت الامة).
ووصلت الى منزل سعد زغلول، وبعد ان صعدت بضع درجات قادني خادم نوبي الى المدخل، ووجدتني في بهو فسيح الارجاء متألق الاضواء، وانتظرت في صالون صغير، وقد تاهت عيناي في غبطة وانشراح بين مختلف التحف الفنية الرائعة، وكانت ورتا رب البيت تطلان من مكانهما كأنها ترحبان بالزائرين في ابتسامة مشرقة وقطع على سلسلة تفكيري وقع اقدام تسير بخفة على بساط ثمين، فعرفت حينئذ ان ربة الدار مقبلة فنهضت وانحنيت محيية، وبابتسامة جذابة اشارت عليّ بالجلوس في مقعد مريح وجلست هي على اريكة جانبية، وتبينت في مضيفتي سيدة هيفاء، اخذ جسمها ينحف في الشهور القليلة، متوسطة القامة ذات بشرة شفافة، ناصعة البياض اللبني الخاص بالشرقيات.
ان سحر جمالها كله مركز في عينيها المنقدتين اللتين تضيقان كخط مائل عند ما تنصت الى محدثها، وتتسعان وتلمعان بوهج قوس كأنما تستمده من نار داخلية مشتعلة عند ما تتحدث عن امالها العظيمة واعراضها النبيلة في الحياة.
اما اسمها فهو صفية ومعناه النقاء والصفاء، اما عطفها ورقتها فانهما تجليان واضحتين في هذه المحادثة الصغيرة، وذلك انني عندما بدأت اكتب حديثها معي استأذنت من عمتها في ان اضع ساق على ساق، لا تمكن من الكتابة، وعند ذلك نهضت على الفور وتناولت بسرعة مقعداً صغيراً وضعته تحت قدمي، وقد تم هذا في بساطة ورقة مما كان سببا في خجلي وارتباكي.
قالت لي بلغة فرنسية نقية، الا تعرف الانجليزية، انها تحب كل الاشياء الجميلة، وان التطريز وشغل الابرة هما هوايتها المحبوبة.
ولما كنا في شهر رمضان لم ينقطع سبلي الزائرات وابي ليأخذني العجب واسال، هل توجد في الدنيا كلها تحايا اكثر لطفا من تحايا الشرق.
انه مما يسر الخاطر ان يشاهر المرء فتاة مصرية جميلة، وهي تنحني وترفع يدها الى قلبها ثم الى شفتيها ثم الى حاجبيها وبعد ذلك تقبلا ليد وهي كذلك تقبل وجنتي من يكبر لها سنا.
ولقد كنت سعيدة الحظ بلقاء كثيرات من افراد عائلة حرم زغلول باشا، فقابلت عمتها وشقيقتها حرم سرهنك باشا، وثلاثا من بنات شقيقتها من بينهن حرم طاهر اللوزي بك.
وتأملت الشقيقتين، وقد جلستا متجاورتين، فاذا هما جميلتان جذابتان وبينما تبدو علامات الراحة والاغتباط على وجه حرم سرهنك باشا كان وجه حرم زغلول باشا يحمل دلائل الحزن والاسى على زوجها البعيد في المنفى.
وتناثر الحديث حول موضوعات شتى وعندما تناول الناحية السياسية تحولت عصمتها الى ضيوفها وافراد عالتها واعتذرت، ثم اخذتني معها الى حجرة استقبال فخمة، وقدمت الى عصمتها المقعد الخاص بمكتبها الصغير فسرني ذلك كثيرا.. ان اضع يدي على المكتب الذي تصبح عليه النداءات المؤثرة.
ولما تحدثت عن السياسة المصرية اتقدت حماسة، والتهبت في قلبها نار الوطنية الصادقة ثم قالت:
 - لقد مضى على زواجنا ستة وعشرين عاما ونحن متفقان متحابان ولم يحدث خلالها بيني وبينه اي خلاف عكر صفونا.. انه كل شيء بالنسبة الي.. هو زوجي وابي وشقيقي.
وسألتها:
- هل انت مشوقة لرؤية زوجك المنفى؟
- نعم، انني جد مشوقة الى رؤيته انه متقدم في السن، ولم تعد صحته تساعده على تحمل آلام النفي، وهو يشكو منذ سبعة عشر عاما من داء السكر والسعال المزمن وضيق التنفس.
- هل يكتب اليك؟
- لقد ارسل الي من عدن خمسة او ستة خطابات، ولم يصلني من سيشل الا خطاب واحد، وتصلني منه برقيات كثيرة ينبئني فيها عن احواله.
- ما رأيك في المطالبة باطلاق سراحه او نقله الى منفى آخر؟
- طبيعي ان تطالب مصر بعودة زعيمها اليها، واني لواثقة من ان النصر النهائي سيكون حليفها.
- هل تتوقعين اطلاق سراحه قريباً؟
- من يدري؟ انني ادعو الله ان اراه ثانية.
- كيف تم نفيه؟ وماذا قلت له وقال: لك قبل نفيه مباشرة؟
- لقد جاءه انذار في منتصف الساعة العاشرة مساء طلب اليه ان يكف عن الاشتغال بالسياسة وان يقيم في العزبة تحت مراقبة المدير، وفي الساعة الثانية رد زوجي على هذا الانذار بالرفض، وفي الساعة الثالثة تجمع الطلاب وغيرهم تحت نوافذ المنزل، وفي الساعة الرابعة وصلت القوات العسكرية، واطلقت النيران على المتظاهرين، وكان المتظاهرون مجردين من السلاح، ووقعت حوادث قتل واصابات للمتظاهرين.. وقع كل هذا امام عيني اذ حمل المصابون والجرحى الى المنزل، وظل الحال على هذا الحال حتى ساعة متأخرة من الليل، وفي الساعة الحادية عشرة خطب زوجي في المتظاهرين ينصحهم بالهدوء ويطلب اليهم الانصراف الى منازلهم فاطاعوه.
ولم يغمض لي جفن طوال هذه الليلة وانا اسمع اصوات مرور الدوريات العسكرية والمتاريس الحديدية التي يقيمونها على منافذ الطرق، وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي دخلت عليّ ابنة شقيقتي حرم طاهر اللوزي بك وكانت قد قضت الليل كله معنا وقالت لي بكل بساطة.
- لقد حضر الزائرون الذين تترقبهم.
فابصرت خمسة عشر جنديا بريطانيا بحديقة المنزل، وكان زوجي ما يزال مستريحا في فراشه فاعدت عليه الكلمات التي سمعتها من ابنة شقيقتي وشرعت في ارتداء ثيابي واخبرت الضباط انني على استعداد لمرافقة زوجي، ولكن الضابط رفض طلبي، ثم عاد وطلب زوجي بشدة فقلت له:
- انه يرتدي ملابسه وسيحضر حالما ينتهي من ارتدائها، وان سعد زغلول ليس جبانا حتى يفكر في الفرار، وانه يستطيع ان يصعد الى حجرته ليطمئن على حقيقة قولي ففعل.
وقد الححت في طلبي مرافقة زوجي ولكن الضابط رفض بشدة فرافقته الى ابعد مدى وانا ممسكة بيده ثم قلت له:
- استودعك الله.
ولم استطع ان اسمع جوابه على ذلك، واركبوه في سيارة ولم يسمحوا له حتى بحقيبة صغيرة، وفي اليوم التالي اخذوا امتعته وسمحوا لخدمه بمرافقته.
- لماذا لم تحصلي على تصريح بمرافقته؟
- لقد طلب بعض افراد اسرتي من السلطة البريطانية التصريح لي بالسفر وكنت مرتدية ملابسي طوال اليوم في انتظار السماح لي بالرحل اذ كنت على تمام الاستعداد للسفر.
وكنت اشعر بضرورة البقاء في مصر وكان هاتف يؤكد في قلبي "الاتيرجي" مصر فان واجبك الاول هو البقاء للنضال في سبيل الاستقلال لزوجك" – ما هو رأيك في الحالة السياسية.
انني لا افهم معنى لما يسمونه الاستقلال وهو الذي يضع الوطن في القيود والاغلال ويجعله تحت السيطرة الاجنبية فحرية الصحافة لا وجود لها اذ قيدت الصحافة وكممت وفرضت الرقابة الشديدة عليها ومنعت من الاشارة الى البرقيات والنداءات الصادرة من الامة والتي تطالب بعودة سعد من منفاه.
- وما رأيك في وضع الدستور؟
- انني ارى كما ترى مصر وهو ان الدستور يجب ان تضعه جمعية وطنية تحوز ثقة مصر كلها لا بواسطة الحكومة الحالية.
- وما رأيك في ثروت باشا؟
- لقد فشلت سياسته في الحصول على تأييد الامة وثقتها وعطفها.
- هل  وجهت نداء الى امريكا؟
- كلا.. اظن ان صحفيا امريكيا تحدث مع سيدتين او ثلاث سيدات مصريات من اعضاء لجنة الوفد للسيدات ولم اقابله، واعتقد ان امريكا تتمتع باخلاق شريفة وتحمل لواء الحرية والعدالة والمساواة، وهي تعمل على ان تعم هذه المبادئ الدنيا كلها وكلا تمكنت اية امة مغلوبة من التحرر من عبوديتها كان في ذلك انتصار للمبادئ الشريفة التي تجاهد امريكا في سبيلها.

الاثنين والدنيا/ أيار- 1944