عندما أصبح الجادرجي رئيسا لأول نقابة للصحفيين

عندما أصبح الجادرجي رئيسا لأول نقابة للصحفيين

سعاد محمد مرهج التميمي
لقد مثل عام 1931م منعطفا جديدا في حياة الجادرجي حيث شهد انتماءه إلى حزب الآخاء الوطني الذي كان يرأسه ياسين الهاشمي، إذ اختاره الاخير من بين الشباب ليكون عضوا في اللجنة العليا للحزب وأوعز له بتولي مسؤولية جريدة الآخاء الوطني  التي كان يصدرها الحزب لطرح أفكاره والتعبير عن مواقفه.

وظهر اسم كامل الجادرجي في العدد التاسع عشر الصادر يوم الاحد 23/آب/1931م بوصفه المدير المسؤول للجريدة، وكتب المقال الافتتاحي لذلك العدد بعنوان”عيد الجلوس الملكي عبر غالية”الذي سلط فيه الضوء على الذكرى العاشرة لارتقاء صاحب الجلالة الملك فيصل الاول عرش العراق في 23/آب/1921م، فقد كانت لهذه الذكرى صداها  في النفوس لان يومها ذو قيمة في تاريخ العراق الحديث جاء فيه”يتفانى الشعب في الاخلاص لمليكه اذ يرى في ذاته حاميا لدستوره ويصون بصدور ابناءه عرشه اذ يجد في العرش رمز جهاده وعنوان سعيه في الخلاص من السيطرة الغربية...".
لم يكتف الجادرجي بذلك، فقد حاول ان يعيد الذاكرة عندما توج الملك فيصل على عرش العراق وإثارته موضوعاً في غاية الأهمية تمثل في السيادة والحكم وعلاقة ذلك في العلاقات السياسية بين العراق وبين حليفته بريطانيا والتي يجب ان لا تتعدى صلات الدول المتحالفة المتحدة المصالح.

أراد الجادرجي ان يؤكد في مقاله ان الانتداب هو اللون الجديد من الاستعمار يتقمص ثوب معاهدة التحالف فظل الشعب من ذلك اليوم في نضال عنيف مع حليفته بريطانيا، ويتساءل هل  المصائب ان تعقد الوزارة السعيدية بعد ذلك النضال معاهدة 30 حزيران 1930 وترجع بها البلاد من الانتداب إلى الاحتلال وتحكم على العراق بأن يبقى راضخا لسيطرة اجنبية مثلوم السيادة ربع قرن؟.
بينّ كامل الجادرجي في مقال افتتاحي نشر على اربعة اعمدة وكانت الصفحة بأكملها بستة اعمدة فقط تحت عنوان”معنى السيادة في عصر الديمقراطية”دعا فيه إلى ضرورة مشاركة الشعب في ديمقراطية برلمانية صحيحة من اجل تحقيق التقدم.
اشار فيه إلى أنّ وضع الملك في الامم الديمقراطية دقيق للغاية لا يتم له الكيان الا عندما يتمتع الفرد بحقوقه كافة الاجتماعية والسياسية فالملك في الدولة الديمقراطية – ما عدا القيام بواجباته الدستورية – يجب ان يكون ممثلاً لروح العدل بكل ما تشتمل عليه الكلمة من معان دقيقة فيجب ان يحتفظ بحياده التام تجاه الأحزاب والكتل السياسية ويجب ان يراقب تطبيق القوانين بنظر حكيم وامعان تام ويجب ان يقر بالحق وينتصر له دون سواه، ويرأف بزيد كما يرأف بعمرو وبذلك دون سواه يستطيع القيام بواجبه تجاه الامة....
وبعد اندماج الحزبين [حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني العراقي] وإصدار وثيقة التآخي بينهما كتب كامل الجادرجي مقالا افتتاحيا تحت عنوان”احتجاج الحزبين حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني على تصرفات الوزارة من جمعية اصحاب الصنائع".
"يأسف الحزبان المتآخيان ان يصدفا من وقت لاخر حوادث مؤلمة تأتي بها الوزارة بصورة مخلة بحريات الأفراد المكفولة بالدستور مما تضطر إلى تكرار التصديع لجلالتكم بالاحتجاج عنها، إذ تأسست في هذه البلاد جمعية اصحاب الصنائع لتنظيم امور ارباب المهن وتهذيبهم والمدافعة عن مصالحهم... وذلك لما قامت به ضد هذه الجمعية من المأساة المحزنة منها القاء القبض على رئيس هذه الجمعية، ومنها تدخل الوزارة في شؤون هذه الجمعية".
طلت علينا جريدة الاخبار في العدد (80)، إذ حملت التسلسل نفسهُ لجريدة الآخاء الوطني أي كانت امتداداً لها ونشرت في ذلك مقالا افتتاحيا بعنوان:”عطلت جريدة الآخاء الوطني”وذلك بناءً على امر وكيل وزير الداخلية إذ لم يرق في نظر وزارة الداخلية ان تستمر جريدة المعارضة على معارضتها فرأت في مقالة”ومع ذلك يجتمعون"، تحديا لمجلسهم وذكرت الجريدة (نحن لم نصف هذا المجلس بأقل من حقيقته ولم نقل فيه أكثر من رأي الحزب الصريح، والغريب ان الوزارة القائمة لا تنفك في كل انذار توجهه بأنها تتهم الجريدة المعطلة بأنها تنشر مقالات واخبارا من شأنها اثارة الكراهية على الحكومة والاخلال بسلامة الدول إلى آخر ما هنالك من غرض واتجاهات)، فتم تعطيلها لمدة شهر واحد.
أول رئيس لجمعية الصحفيين :
لم تكن فكرة تأسيس نقابة للصحفيين امرا جديدا، فقد وجه مجلس الوزراء كتابا إلى وزارة الداخلية في 10/آب/1932م، حول تأليف نقابة للصحفيين، الا ان الموضوع ترك ولم يتم العودة اليه على الرغم من متابعة الديوان الملكي له.
سعى الجادرجي لتكوين جمعية الصحفيين اذ لم يقف النشاط الصحفي للجادرجي عندما تنشره جريدة الأهالي من الاهتمام بالتوعية السياسية والاجتماعية لابناء الشعب، بل سعى جاهدا لجمع شمل الصحفيين بجمعية من شأنها ان تكون منهم سدا منيعا ضد استبداد الحكم وطغيانهم ولفتح باب الحوار فيما بينهم للتداول في أمور أُمتهم المقدسة.
نظر الجادرجي إلى مسألة تجمع الصحفيين من الزاوية العريضة لمبدأ حرية الصحافة وهكذا عقد العزم منذ الأربعينيات لتكوين جمعية الصحفيين التي تولى رئاستها منذ تكوينها وظل فيها حتى عام 1951م.
تم اجتماع اصحاب الصحف في العاصمة بغداد بشأن النقابة والرقابة اذ اجتمع في ادارة جريدة صوت الأهالي كل من السادة رزوق غنام ومحمد مهدي الجواهري ويحيى قاسم ونور الدين داود وصدر الدين شرف الدين ورفائيل بطي والجادرجي في 12/كانون الاول/1944م وقرروا ما يلي:
أولا : الشروع بتأليف نقابة للصحفيين في بغداد وحمل الحكومة على إصدار النظام المتعلق بتأليف النقابة.
ثانيا : الاحتجاج على الحكومة على تجاوز سلطة الرقابة على الصحف حدود سلطتها القانونية وتقرر رفع مذكرة تفصيلية مع الاحتجاج بمدى هذا التجاوز.
ثالثا : تقرر ان يعقد الاجتماع الثاني للصحافيين في 17/كانون الأول/1944م في ادارة جريدة العراق.
نشرت جريدة صوت الأهالي مقالا تحت عنوان”احتجاج اصحاب الصحف”على اثر انعقاد الصحف اجتماعا لهم يوم 17/كانون الاول/1944م، جاء فيه :”ان الصحف التي عانت من الرقابة ما عانته من التصرفات الكيفية منذ مدة طويلة والتي لم ترفع صوتها الا على انفراد بالاحتجاج والاستياء، نجد الآن الحالة التي بلغت حداً لا تستطيع معه السكوت لاسيما بعد ان وجدت ان المساعي الانفرادية لم تثمر الثمرة المطلوبة لارجاع الرقابة إلى حدودها القانونية وإلى الحدود المعقولة التي تتناسب ومكانة الصحافة في النظام الديمقراطي". لذلك دعتها هذه الحال إلى الاحتجاج لرفع صوتها، وهي مغتبطة، إلى معاليكم مطالبة بحقوقها الطبيعية، وتتلخص هذه المطاليب:
أولا : الغاء ماله مساس بحرية النشر من هذه المراسيم المشار اليها.
ثانيا : وحتى يتيسر وضع التشريع اللازم لذلك، نطلب إصدار تعليمات صريحة بكيفية ممارسة الرقابة عملها ضمن احكام القوانين.
ثالثا: الغاء التعليمات الصادر سنة 1940م بموجب السيطرة على وسائل دفاع المملكة بمنع اصحاب الصحف من ابقاء بياض في محل ما تمنع الرقابة نشره.
واضاف ملاحظة : أن الرقابة حذفت اربعة اسطر من الاحتجاج.
نشرت مجلة الوطن كلمة حول جمعية الصحفيين، خلاصتها ان وقف حق الانتماء إلى هذه الجمعية على اصحاب الصحف السياسية وحده ليس له مبرر، وان الصحف سواء كانت سياسية او أدبية أو فنية وسائل ديمقراطية، وان التفريق بين هذه الصحف عمل رجعي مناقض للديمقراطية.
جاء إيضاح رئيس جمعية الصحفيين حول هذا الموضوع : عندما شعر الصحفيون بالحاجة الماسة إلى إيجاد رابطة تجمع بينهم كانت النية متجهة إلى تأليف نقابة لهم على غرار نقابة المحامين وغيرها، لكنهم وجدوا في أول اجتماع عقدوه لهذا الغرض ان هنالك مانعا قانونيا يحول دون تأليف النقابة، وبما أنهم كانوا يعتقدون بأن وضع مثل هذا التشريع يستغرق وقتا طويلا فقد وجدوا حلا مؤقتا لتأليف جمعية على ان يسعوا لقلبها إلى نقابة و أضاف إلى ان غاية الجمعية في هذا الصدد كما جاء في نظامها الأساس هي :
توحيد جهود الصحفيين لتأسيس نقابة لهم ورفع مستوى الصحافة وتحسين كفاءة المحررين والمخبرين وكل ما يساعد على تقدم الصحافة بصفة عامة من النواحي الأدبية والمادية، وهنا”أود ان أذكركم بان الجمعية لابد لها ان تضم عناصر من مختلف المبادئ فهي إذن ليست حزبا سياسيا ذا مبدأ معين يمكن ان ينطبق عليه نقاشكم".
أرسل الجادرجي بصفته رئيس جمعية الصحفيين كتابا إلى وزير الداخلية بشأن تعطيل جريدة الرأي العام في 4/آب/1945م جاء فيه :”ان جمعية الصحفيين تلقت باستغراب قرار معاليكم بتعطيل جريدة الرأي العام إلى اجل غير مسمى اعتبارا من 1/آب/1945م حسب منطوق مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة الدولة رقم 56 لسنة 1940م، ولما كان من جملة أهداف جمعيتنا بذل كل مجهود لتدعيم النظام الديمقراطي وتطبيقه بانسجام في العراق...".
وقد رفعت الجمعية مذكرة إلى رئيس الوزراء آنذاك حول حرية الصحافة ذكرت فيه”ان اسرة الصحافة العراقية، على اختلاف مبادئ أفرادها ونزعاتهم، ترى ان كل عمل إجرائي ضد الصحافة من دون ان يستند إلى دلائل مادية قاطعة تقع حصرا تحت طائفة القوانين العقابية يعتبر من التصرفات الكيفية التي لا يقرها الدستور العراقي، ويخلق بيئة سيئة لا تعرقل نمو حرية الصحافة في العراق فحسب، وانما تؤخر الصحافة العراقية الناشئة... وبذلك تحرم الدولة من ركن أساسي من أركان الديمقراطية".

المساجلة الصحفية بين جريدة صوت الأهالي وجريدة الساعة:

نشر كامل الجادرجي في جريدته صوت الأهالي يوم 16 كانون الاول 1946 بيانات الحزب الوطني الديمقراطي الموجهة إلى لجان أعضاء الحزب عن الموقف السياسي الراهن مسألةالانتخابات.
فذكر الجادرجي أنّ محادثات قد جرت بينه وبين رئيس الوزراء نوري السعيد حول قضايا عامة وكانت مرضية إلى حد ما – على حد تعبيره- وقد حاول تطمينه بأنه مهتم بمسألة حق الأحزاب بفتح فروع لها، وقد شدد على حرية الانتخابات، ولكن سرعان ما ظهر بعدئذ ان فخامته قرر اتباع طريقة غريبة في اجازة فروع الأحزاب، وهي عدم السماح لأي حزب بفتح فروع له في أي لواء ما لم تحصل موافقة متصرف اللواء والنظر فيما اذا كان فتح ذلك الفرع يخل بالأمن في اللواء ام لا، وبذلك يكون فتح أي فرع لأي حزب رهن لارادة المتصرف أي تكون القضية كيفية يسمح او لا يسمح.
ان الجادرجي عدّ تدخل متصرف اللواء في أمر الأحزاب أمراً غريباً، لذا وجه الحزب كتاباإلى رئيس الوزراء اعلمه بأن هذا الحل غير صحيح وغير قانوني، لأن قانون الجمعيات حدد الجهة التي تصدر اجازة الأحزاب وهي وزارة الداخلية. وقد حاول رئيس الوزراء ان يظهر نواياه الحسنة، ولكن كان على ما يبدو”مضغوطا عليه الآخرين، سواء كان حزب او فئة او جماعة او طائفة او كتلة، وان هذه الفئة تضغط على الحكومة الحاضرة وعلى رئيس الوزراء، وتظهر في المداخلات الكثيرة التي تقوم بها والمشكلة... هي صعوبة مجادلتنا لها بنفس الأسلوب الذي تجادل فيه".
وبالمقابل رد وزير المعارف صادق البصام على ما كتبه الجادرجي اذ اكد في مقالته المعنونه”نظرات صاحب المعالي البصام في بيانات الحزب الوطني الديمقراطي". اكد فيها”اذا لم يشأ كامل ان يحترم رئيس الوزراء فان اللياقات تفرض عليه ان يحتفظ بكرامة ممثل حزبه التابع لفخامة الرئيس، فلو سلمنا جدلا ان لصفتنا الوزارية تأثيرا على نفوذنا الانتخابي فما يمنع زملاءنا الحزبين من استعمال هذه الصفة".
رد الجادرجي في مقالة بعنوان”الكتلة في الميزان".
جاء فيها”لقد تصفحنا بيانات البصام فلم نر فيها ردا واحدا معقولا على ما جاء من حقائق في بيانات رئيس الحزب الوطني الديمقراطي، حول تدخل الوزراء من الكتلة المزعومة في الانتخابات تدخلا يمس الاساس الذي قامت عليه الوزارة الحاضرة، بل جاءت هذه الردود، مليئة بالمغالطات، مشحونة بالتمويهات والعبارات جزافا، لكوننا نحرص على نجاح الديمقراطية، والديمقراطية تستلزم، تجنب التهويش والمغالطة، سلاح الضعيف الذي لا يستطيع ان يستند إلى الحقائق، فيلجأ اليه لستر ضعفه"، فكأنه يريد ان يقول لنا”نحن نتدخل، فتدخلوا انتم ايضا".
وبالمقابل، ردت جريدة الساعة على ما اوضحه الجادرجي، بمقال تجاوزت فيه حدود الأخلاق المهنية إذا جاز التعبير، اذ كتبت الجريدة المذكورة مقالا بعنوان”انه لن يكون كاملا بطلا للحرية، بل كان من عصابة سنة 1936م"، فيذكر فيها اشتراك كامل الجادرجي في انقلاب بكر صدقي في29 تشرين الثاني 1936م لقاء وزارة تمتعه بلقب المعالي، اتصال هذا الحادث في”وضع الجسر لتلك الثورات والانقلابات التي نشأت بعدئذ ومنها فتنة رشيد عالي الكيلاني وبعض الضباط".
من جهته كذب الجادرجي المقالة المنشورة في جريدة الساعة عندما ذكر لا نريد ان نرد عليه بفقراته، فهو مجموعة من المغالطات والأكاذيب والمفتريات... فكتب مقالاً افتتاحياً تحت عنوان”ليحذر العراقيون دس الساعة"، ردا على ما ذكرته الجريدة الأخيرة عن اشتراك كامل الجادرجي في انقلاب 1936م،”ان الانقلاب لم يكن ليستهدف اقامة دكتاتورية عسكرية، وإنما كان يرمي إلى إزاحة حكم دكتاتوري ضجت منه البلاد يومذاك من أقصاها إلى اقصاها".
وذكر الجادرجي في مقالة أُخرى تحت عنوان”معركة الحرية..”إذ يقول ليس هذا الخصام القائم اليوم، والذي كان قائما بالأمس، خصاما بين جريدة صوت الأهالي وجريدة الساعة وهو ليس خصاما وجدلا بين الحزب الوطني الديمقراطي وبين من اسموا انفسهم الكتلة بل هو في الحقيقة جدل بين الحرية وخصومها، بين من يريد للشعب ان يتمتع بحقوقه في السيادة، وبين خصوم الشعب ومستغليه.
فأثارت جريدة الساعة في مقال آخر لها تحت عنوان”ألوان كامل الجادرجي”لتثير نقطة كررتها سابقا في مقالاتها السابقة ألا وهي انقلاب بكر صدقي فتقول الجريدة”لم يكن استغراب الناس واندهاشهم بحديث الانقلاب يعني انقلاب بكر صدقي – بهذه السرعة وهذه الصورة المحكمة الصنع والمتقنة التدبير بأقل من استغرابهم واندهاشهم لاستيزار الجادرجي".وكان الجادرجي قد أوضح هذه النقطة في مقالة سبقت هذه في أعداد سابقة وتطرق إلى استيزاره وعن طريقة استقالته مع وزراء آخرين، لأن هذه الوزارة لم تلبِ طموح الجادرجي في الحرية والديمقراطية.


عن رسالة (كامل الجادرجي واسهاماته الصحفية)