ثلاثة أيام ليست من حياتي

ثلاثة أيام ليست من حياتي

بقلم كلارك جابل
كان ذلك في عام 1939 وكنت حينذاك اشتغل بالتمثيل في احد مسارح نيويورك وكانت الرواية التي نقوم بعمل "بروفاتها" تدور حوادثها حول سجين يريد الفرار من سجنه، وقد عهدوا الى في تمثيل دور هذا السجين. وأحسست بانقباض غريب في نفسي، وضيق شديد في صدري، وخيل إلي إني سجين حقاً، وان لابد لي من الفرار من ذلك الجو الذي اعيش فيه وانتهزت فترة الاستراحة، فخرجت من المسرح كالمجنون،

 وما كدت أجد نفسي في عرض الطريق حتى أصبت فجأة بفقدان ذاكرتي، ولم اعد ادري عن نفسي شيئا وانقضت ثلاثة أيام وانا لا اعرف لي اسما ولا منزلا.. وكل ما اذكره ان هذه الحالة الغريبة انتابتني في يوم الجمعة، وظللت أهيم في واد من التيه والغيب دون ان ادري عن حقيقة نفسي شيئاً حتى يوم الاثنين، إذ تنبهت الى اني جالس فوق مقعد في حديقة باتري بنيويورك، وانا ارتدي ثيابا غير ثيابي التي خرجت بها من المسرح، ومرت أثناء ذلك فتاة جميلة هيفاء، فخيل الي اني اعرفها، ونهضت اريد اللحاق بها، وفي هذه اللحظة فقط عادت الي ذاكرتي المفقودة، وأخذت استعيد ما حدث لي في الأيام الثلاثة الماضية كما يستعيد المرء حلما رهيبا غريباً.
تذكرت اني عقب خروجي من المسرح في يوم الجمعة سرت في الطريق على غير هدي حتى وصلت الى شاطئ البحر، فأحسست بشعور غريب يدفعني الى ان القي بنفسي في الماء، وبينما انا أهم بتنفيذ ذلك قابلني رجل رث الثياب، كثيف شعر اللحية، تبدو على سيماته إمارات الشر والإجرام فسألني أين اقصد، فأخبرته، باني أريد ان انزل الى الماء. وعندئذ انفرجت شفتاه عن أسنان قذرة ولمعت عيناه ببريق غريب وقال لي: "خسارة يا عزيزي ان تنزل الماء بهذه الملابس النظيفة، هاتها واستبدل بها ملابسي".
ومن غير ان ابدي اية معارضة استبدلت ملابسي النظيفة بملابس اللص القذرة وأعطيته كيس نقودي الذي كان يحتوي على ثلاثين ريالا وسار اللص في طريقه.. وسرت في طريقي نحو الماء. وبينما انا أوشك ان القي بنفسي اليه امسك بي رجل عجوز قد ابيض شعر رأسه ورسمت الأعوام والخطوب على وجهه غضونها وتجاعيدها.
قال بصوت جميل حنون: "أية فعلة شنيعة تريد الإقدام عليها يا بني؟ لماذا تريد ان تموت غريقا؟ هل ضقت ذرعا بالحياة؟ الم تفكر في انك بعملك هذا انما تغضب الله تعالى.. اخبرني ما اسمك ومن أين جئت" ولما اخبرته باني لا اعرف لي اسما ولا منزلا هز رأسه، وربت بيده على كتفي وقال: "لا عليك يا بني" هيا معي الى منزلي لنتناول فنجانا من الشاي ولتستريح قليلا".
سرت مع الرجل العجوز كما يسير الطفل مع أبيه راضيا صاغرا، وأخذنا نخترق شوارع ضيقة ودروبا قذرة حتى وصلنا الى زقاق صغير فطرق باب منزله، ففتحت لنا تلك الفتاة الجميلة الهيفاء التي اعادت لي رؤيتها في "حديقة باتري" ذاكرتي المفقودة..!
استقبلتنا بابتسامة بريئة فاتنة، ولم تظهر اية دهشة او استغراب لرؤيتي، كما لو كانت متعودة زيارة الغرباء امثالي وكان المنزل يحتوي على غرفتين كبيرتين يدل اثاثهما على الفقر والعوز، ولكنهما كانتا نظيفتين قد احسن ترتيبهما وجلست في كرسي كبير، واسرعت الفتاة فاحضرت لي قهوة وطعاما، وانا لا اذكر تماما اني رأيت طول حياتي وجها اجمل واطهر من وجه هذه الفتاة.
وبعد ان اكملت وشربت القهوة جلست الفتاة الى جانبي تخيط بعض الثياب، وجلس الرجل العجوز امامي يحدثني عن نفسه.
قال: انه كانت له زوجة جميلة يحبها الى حد العبادة والتقديس وان هذا الحب كان سببا في نجاحه في حياته فحصل على ما كان يبغي من مال وشهرة، وبينما هو في اوج مجده وشهرته اكتشف ان زوجته تخونه مع رجل آخر،ّ واكتشف ان أصدقاءه يصادقونه ريثما يسلفهم نقودا وينفق عليهم بسخاء.. وعندئذ ثار على الدنيا وعلى اللئام الذين يملأونها فطلق شهرته وتخلى عن ثروته وسحق قلبه حتى قضى على حبه وترك زوجته واصدقاءه واخوانه واقام مع ابنته الوحيدة في ذلك المنزل الصغير في عزلة عن الناس!
وصعدت النظر في وجه الرجل وابنته فوجدت على وجهيهما إمارات السعادة الحق والهدوء والاطمئنان.
وكانت الفتاة خلال حديث أبيها تهز رأسها مبتسمة ما بين حين وآخر، كأنها تؤكد على قوله وتوافقه على آرائه.
ونمت في هذه الليلة نوما عميقا، ولم استيقظ الا في ظهر اليوم التالي واذكر اني افتتنت بتلك الفتاة وازددت شغفا بها، حتى اني عندما نهضت لآوي الى فراشي في الليلة الثانية تقدمت اليها وطلبت منها ان تقبلني قبلة المساء!
لم أتعود مثل ذلك من قبل، ولكني كنت حينذاك شخصا آخر ولم تتردد الفتاة في إجابة طلبي، فنهضت وطبعت على جبيني قبلة طاهرة.. وشعرت في تلك الليلة بان لي جناحين، واني اطير بهما في جو كله هدوء ونور وسعادة ولست ادري ما حدث بعد ذلك، ولكن الذي اذكره اني وجدت نفسي قبل ظهر يوم الاثنين جالسا على مقعد في حديقة "باتري"، وان ذاكرتي عادت الي على اثر وقوع نظري على فتاة تشبه تلك التي آواني أبوها عندها فلما هممت باللحاق بها فقدتها وسط الجماهير!
اما من هو ذلك الرجل العجوز الحكيم، ومن هي فتاته، وفي اي زقاق او شارع يسكنان، فهذا ما حاولت معرفته عبثا، كان ذلك في عام 1939.
ولكن يخيل إلي انه حدث في الأمس فقط..

كلارك جابل
الاثنين- الفكاهة والكواكب
 أيلول- 1934