مذكرات فاطمة رشدي

مذكرات فاطمة رشدي

* انا..
* زوجي.. كمال سليم. المخرج
* والفنان الكبير.. عزيز عيد..
* والكاميرا...
واراد كما سليم ان يحط من شخصية عزيز عيد، لانه يغار منه.. فاسند اليه دورا لا يزيد عن خمس دقائق..

ومع ذلك.. فقد قبله عزيز عيد بروح الفنان الكبير.
ولكن النار المتأججة في نفس كمال لم تكن لتهدأ بمجرد محاولة عزيز عيد تسيير الامور.. فقد طلب من زوجي ان يعيد المشهد اكثر من مرة واعاده عزيز عيد راضيا..
واذا بكمال يطلب منه تعديل بعض النواحي مرة ثالثة..
وهتفت انا في وجهه:
- كمال.. كيف تجرؤ على الكلام الى عزيز عيد بهذه اللهجة.. ده استاذ كبير.
وضحك كمال سليم وهو يقول:
- استاذ كبير، لكن بره الكادر!..
وتركت المكان..
عدت الى البيت على الفور.. لكي آخذ ملابسي وغادر كمال سليم نهائيا وكانت العادة ان اغادر الاستديو انا وكما معا.. وبحث عني كمال حين انتهى العمل فلم يجدني فعرف اني عدت الى المنزل.. اضطرب وسارع الى الحضور وحالما رآني التقط انفاسه وسألني عن السبب: لقد ظلمت عزيز.. وعزيز استاذ، واذا كنت تعد نفسك استاذا في السينما، فعززي هو استاذ الفن كله.. فرد كمال قائلا:
انتم لا تفهمون السينما
فرددت عليه: انت وامثالك بتنكروا فضل الاساتذة وتحاولون بكل طريقة طمس كل نور وقتل كل عبقرية لانكم اقزام..

فرد علي: المسرح شيء والسينما شيء آخر فرددت عليه في ثورة: هذا ادعاء كاذب لتخفي جهلكم.. منذا الذي انجح العزيمة.. فاطمة رشدي – عباس فارس – مختار عثمان – عبد العزيز خليل – انور وجدي – ماري منيبب – حسين صدقي وغيرهم وكل هؤلاء ابطال المسرح وكل هؤلاء تلامذة عزيز عيد وفعلا عندما نجح فيلم العزيمة احسست ان القدر شاء ان اخدم السينما كما خدمت المسرح، فنظرت الى رفاقي في الفيلم وفي حملة افلام اخرى: فردوس محمد – حسن فائق – حسين رياض – فؤاد شفيق – محمود المليجي – بشارة واكيم – يوسف وهبي – زوزو حمدي الحكيم – نجمة ابراهيم.. فادركت ان ابطال المسرح هم الذين رفعوا لواء السينما.. انا خلاص حسيبك حاتركك يا كمال.. وعلشان مين.. علشان عزيز عيد الكهل؟
- انا شاب من الجيل الحديث الذي يفكر بعقلية جديدة، وله نظريات ومبادئ حديثة تتمشى مع الفن الحديث.. اما عزيز عيد.. فراجل عجوز وافكاره عتيقة.
فرددت عليه: عزيز عيد عبقري، والعبقرية دائما سباقة وخلاقة حتى ان ما تنتجه يبقى حيا مدى الاجيال، وان من شكسبير وجوته وراسيين ومايكل انجلو وغيرهم من العباقرة ما زال حيا واقول عصريا حتى يومنا هذا، اما الشباب فكثيرون والبلد مليانه منهم زي الهم على القلب..
اما العبقرية فنادرة حتى في العالم كله.
وعرفت ان الحديث لن ينتهي.. فرحت اجمع حاجاتي...
وسأل كمال مرة اخرى: على فين..
قلت: ماشيه..
- تتركيني.. وعلشان مين.. علشانه؟.. علشان عزيز.. لا انا اعرفك كويس، وتظني اسيبك تتركيني.. دنا كنت اقتلك.. لا.. لا... مش انا اللي يستسلم لرغباتك بسهولة واتركك كما ترغبين كما فعلوا غيري واستسلموا لفضائك القاسي ولم يقتصوا منك، انا شاب لكني مجرب.. وعيني مفتحة.. انا عارف من انت.. اسمعي يا فاطمة ما تفتكريش اني جاهل ماضيك وعلاقتك بالناس.. كنت عارف كويس كل مغامراتك..
- واخذتني ليه..
- لاني حبيتك وعمري ما حبيت قبلك وكنت مغلوب على امري..
- وكلهم زيك مغلوبين على امرهم.. انا ذنبي ايه؟
- حانشوف مين اللي حيخدمك.. يا منقلبه يا جحودة..
- اتكلم.. فضفض.. قلو اللي في نفسك
- طبعا ما فيش حاجة مش عارفها عنك..
حبي لك دفعني اعرف كل حاجة عنك.. حكايتك مع اللي ادعى الصحافة لاجل عيونك.. وخناقتك وضربك له في الشارع لغاية ما وصلت للمحاكم
- فيها ايه يخجلني؟.. واحد حبني وعمل المستحيل عشان يوصل لي ولما يئس ولم يجد فائدة هاجمني في الجرائد.. واتقصدني بالكتابة ضدي واول ما شفته هاجمته وضربته.
- لكن ماضربتيش لا عبد المجيد حلمي اللي كانت مجلة المسرح اللي هو صاحبها كلها كانت مدح فيكي وابراهيم المصري وغيرهم وما فيش داعي لذكر الاسماء.
- دول كانوا ناس مهذبين معاا وبيعجبوا بغني احبوا في الفنانة مش المرأة زي ما حضرتك بتفتكر وراح كما يضحك:
- ها. ها.. ها... الفنانة... مافيش راجل بيبص للمرأة على انها فنانة.. مش ده الاعتبار الاول عند اي راجل بالنسبة لأي امرأة
- وانت بصيت لمين؟.. لما ابتديت غرامياتك معاي.. الانثى فاطمة.. ولا الفنانة فاطمة رشدي؟ فاكره كويس انك اول ما كلمتني.. كلمتني عن تقديرك واعجابك بفني ما كلمتنيش عن سحر عيوني ولا حلاوة شفايفي..
- فاطمة.. لازم تفهمي انت كنت مين بالنسبة للناس كلها ومين بالنسبة لي.. اما انت بالنسبة لي كل حاجة ويا للاسف.. فاكره انك خلاص وصلتي للقمة في السينما.. خلاص وصلتي.. ازاي عملاقة المسرح الى آخره.. الى آخره تعيش في شقة متواضعة؟.. اما حكاية عزيز ماظنتش.. وعلى فرض انه علشان عزيز اللي قلت له انت بعيد عن الكادر؟ مش باين في الصورة.. خدمك في ايه عزيز؟ ولا حاجة.. فين عماراتك؟ فين اطيانك.. مافيش.. يبقى التياترو ما خدمكيش ولا الاغنياء ولا الثوار.. ولا الشعراء ولا اصحاب الفرق ولا الموسيقيون اللي باشفهم ليل نهار وراك وانت عارفة كويس انا بتكلم عن مين، انت اللي خدمتي التياترو.. خدمتي الموسيقى. التجارة.. وانا عارف كل دهك ويس ولا واحد من دون خدمك.. كمال سليم لوحده بس هو اللي حيخدمك.. السينما بتاعة كمال سليم هي اللي حتخدمك..
- يا سلام.. شيء عظيم خالص.. شوف يا استاذ يا مخرج.. كل العظمة اللي راكبا كدي عشان عملت فيلم"العزيمة"الفيلم ده عملته عشان كان معاك فاطمة رشدي!
وارتفعت يده بشدة وهوت على وجهي صفعة! وكانت هذه اول صفعة في حياتي.  ولكنها بقدر ما دوختن لحظات.. بقدر ماراحت تعيد ذاكرتي صورة الانسان الكبير الذي ارتبطت به..

اشباح تتحرك على المسرح
اذا رجعنا الى اوائل هذا القرن كنا لا نجد الا اشباحا تتحرك دون ان تعي شيئا عن فن التمثيل ثم جاء عزيز عيد وجعل من هذه الاشباح اشخاصا تدب فيها الحياة.. تتكلم وتتحرك بطريقة طبيعية دون تكلف او عويل.. دون صراخ وتهريع وخطابة في التمثيل، بل انه اوجد سحرا وجمالا في الفن يأخذ بمجامع القلوب.. كان يحارب الجهل بالفن في كل ميادينه وفي كل فرقة تكونت في مصر.
كان احيانا فظا في ملاحظاته عندما يغضب ويثور ولكنه مع ذلك كان مؤدبا.. وكان في الطبيعية دمت الاخلاق ولم يكن عزيز يلجأ الى النوع السهل او التقليد، بل كان مدرسة قائما بذاتها.. وكان يستعين بالروايات العالمية كي تكون نموذجا حيا من انواع الفن العصري والقديم حتى يعمل بذلك الى خلق جيل جديد من الادباء والمؤلفين والمترجمين والرسامين، لقد اخرج روايات من كل الانواع.. وعمل في اكثر من فرقة.. والف الكثير من الفرق التمثيلية ومثل في عدة مسارح ورحل الى جميع الاقطار العربية ونشر الثقافة الفنية في هذه البلاد وتتلمذ على يديه كثير من فطاحل الممثلين. نذكر منهم نجيب الريحاني وامين صدقي وحسين رياض وفؤاد شفيق وبشارة واكيم واستيفان روستي واحمد علام ومحمود المليجي وفؤاد سليم وعبد العزيز احمد وعباس فارس ومختار عثمان وصادق المفرطم وتوفيق صادق.. وهو بحق الرائد الذي قام بمجهوده الفردي لتدعيم اسس المسرح الحقيقي اثناء حياته التي اضناها الجهاد المتواصل وكان نتيجة هذا حافزا لدفع الجهات الرسمية الى التفكير في تأسيس معهد لتعليم التمثيل والالقاء على الطريقة التي طالما نادى بها عزيز عيد وعهد بذلك الى الاستاذ زكي طليعات.. وتكونت الفرقة القومية التي اشترك فيها عزيز..

اللقاء الاول
اتذكر لقائي الاول مع عزيز عيد وكاننا نلتقي الان للمرة الاولى، حدث ذلك ذات ليلة من سنين وكنت اغني بعض مقطوعات غنائية في ملاهي روض الفرج، وانهيت قطعتي الغنائية بسرعة لكي اسرع واقابل الفنانين في قهوة في عماد الدين تسمى قهوة راديو غير ملتفتة الى المعجبين من الشيوخ والطلبة والشبان الاثرياء وذلك لاني كنت اجلس في القهوة وسط عدد كبير من كبار الفنانين.. مثل امين صدقي.. نجيب الريحاني.. ورمزي نظيم الذي كان اول من كتب عني زجلا.. والاديب ابراهيم المصري وفنان آخر لم اكن اعرف اسمه حتى ليلتها.. ولكني كنت الاحظ ان الجميع يحترمونه احتراما خاصا. واهم من هذا كنت على موعد مع صديقي الكاتب الكبير محمد بك تيمور الذي كان يغمرني بانواع جيدة من الشيكولاتة.. وليلتها فاجاني الاستاذ تيمور بقوله لي"تعالي يا فاطمة اما اعرفك بالاستاذ عزيز عيد"ونبهتني زنة الاحترام والتقدير في صوت ابن الذوات العظيم والكاتب القدير لهذا الفنان، واخذت انامله وانا اصافحه، وصوت تيمور وهو يرن في اذني قائلا:"بطاطه دي يا استاذ عزيز عليويه خالص.. لكن فيها روح الفنانة الطموح وبيجي منها"!!
وتأملته جيدا.. كان رجلا قصيرا.. راسه كبير اصلع، ذو انف كبير مقوس الى الامام ولكن لمعان عينيه العجيب،وهدوءه الغريب وصوته. كانت قطع صورته في الذهن من اللحظة الاولى بحيث لا تمحى الصورة ابدا، لان شكله كان كشكل العظماء من الرجال، امثال نابليون ولينين، كما اراهم في المجلات والجرائد..
وقال لي عزيز كلماته الاولى وهو شارد ولكن نظره في وجهي:
- بقى حضرتك فنانة؟
- ايوه يا استاذ..
- وبتعملي ايه يا شاطرة؟
- بغني..
- ماشاء الله.. وبتمثلي؟
- لا، انا حألف رواية زي الاستاذ تيمور ما بيألف...
- لازم بتعرفي تقري وتكتبي كويس؟
- لا. ما اعرفشي اقرأ ولا اكتب لكن حا الف انا عندي افكار..
- لكن ضروري عشان تبقي مؤلفة لازم تتعلمي الكتابة والقراءة.
- اتعلم.. انا؟
وتدخل محمد بك في الحديث وقال له:
- ايه رأيك في بطاطه؟
- انا مبسطو خالص منها.. دي حاجة لطيفة.. وانت تعرف اني اقدر اكتشف المادة الخام من اول وهلة واصقلها حتى تصبح ذهبا لامعا براقا.. انت قدمت لي تحفة، وقدمتها لي في الوقت المناسب.. انا حاديها دور في مسرحية"القرية الحمراء"دور،"عين ابوها"!
وصرخت انا:
- انا حمثل.. امثل؟
ثم سكت لحظة وعدت اسأل:
- ايه حكاية المسرحية دي كلمني عنها
- الحكاية لما جيت القهوة الليلة دي ما كانتش معاي فلوس.. ولا كان عندي نية اظهار المسرحية لكن لما حصل التمويل..
وهنا تدخل الاستاذ محمد تيمور قائلا:
- تمويل ايه يا استاذ عزيز دي الحكاية كلها خمسة جنيهات..
- كفاية كده.. حاجر مسرح برنتانيا بالمناظر وانا وفاطمة وشوية ممثلين كفاية خالص لتكوين فرقة لتقديم رواية"القرية الحمراء"وستظهر بشكل بشرف..
وانصرف عزيز عيد، وهنأني تيمور بك لاني كسبت رضى الاستاذ عزيز عيد.. استاذ المسرح في البلد..
وقال لي تيمور بك..
- لو اجتهدت وثابرت مع الاستاذ عزيز لاصبحت نجمة مسرحية كبيرة، لانه الرجل الذي يصنع النجوم من النساء والرجال على السواء وقلت، وكانني لم انس كلماته:
- ولكني بنت صغيرة غير متعلمة؟
- والبنات ايضا بيعلمهم.
ثم حضرت شلة من الرجال الكبار في السن ومن المعجبين بي فانصرفت معهم الى عملي في روض الفرج.. وكانت ملاهي روض الفرج في ذلك العهد تقدم للجماهير تمثيليات كوميدية واستعراضات غنائية وفردية من الحان مشاهير الملحنين.. ابراهيم فوزي وسيد درويش وداود حسني وكامل الخلص وغيرهم.
وبعد يومين بدأت جلسات عزيز معي اليدربني على الدور وانا في حالة من السرور والارتباك والخوف من الاقدام على شيء جديد، وكان الدور يناسبني.. كان دور فتاة صغيرة يريد العمدة اغتصابها.. فتتذمر وتحاول الهرب منه.

المغتصب!..
وجاءت ليلة الحفلة على مسرح برنتانيا..!! وكانت والدتي تصاحبني في اغلب الاوقات عند ذهابي للعمل والرجوع معها آخر الليل.. بعد انتهاء العمل، فجاءت معي ووقفت بين كواليس المسرح للتفرج على ابنتها وهي تمثل لأول مرة.
ورفع الستار وبدا التمثيل، ولما جاء دوري واخذ عزيز عيد يمثل معي دور المغتصب اخذت بطبيعة تمثيلة ونسيت اننا نمثل على مسرح، وذعرت ذعراً شديدا وصرخت في رعب وتصورت انه يريد اغتصابي فعلا، صرخت مستنجدة بامي قائلة امي.. ماما.. وخرجت جريا من المسرح وانا اقول الحقيني يا امي، وحصل هرج ومرج وانزل الستار، وصرخت امي في عزيز قائلة:انت اتجننت يا راجل، تخوف البنت.. انت عايز من البنت ايه يا ادلعدي.. مش عيب.. دي ما تجيش قد ركبتك.
وراح عزيز عيد يهدئ من روعها وهو يدرك مدى سذاجتها:
- يا ست يده تمثيل..
ولكن امي لم تتوقف..
- تمثيل ايه وهباب ايه.. ما تخافيش يا ضني امك.. ياللا بينا..
وكان هذا المشهد المفاجئ كافيا لكي يثير الجمهور واسدل الستار!
**
وفي اليوم التالي قابلني في قهوتي المفضلة راديو.. هاشا وضاحكا كان لم يحدث بالامس شيء وبدأ يحدثني ويتلطف في حديثه معي، واكتشفت في عزيز عيد انه متحدث بارع، صريح جدا، كبير القلب وصوته مليء بالود والحنان، حتى انني اخذت اتبين انني افضل الجلوس والحديث معه على التحدث مع الكثيرين من الشيوخ وكبار السن من المعجبين من الشبان ايضا الذين كانوا يلاحقونني باعجابهم والهدايا التي تمثل درجة اعجابهم من شيكولاته وحلوى وبعض الهدايا من ماسية وذهبية!.
آخر ساعة / نيســان-1967