آفاق الريادة والتحديث في القصة العراقية

آفاق الريادة والتحديث في القصة العراقية

د. نجم عبدالله كاظم
مقدمة:
الحديث في التحديث والمغايرة والتجديد يأخذ هذه الأيام الكثير من اهتمام النقد والنقاد العرب، خاصة في ظل تعزّز العلاقات الدولية وازدياد الأخذ والعطاء بين الأمم وما استتبعه ولا يزال يستتبعه على المستوى الأدبي والفني بالضرورة من تأثير وتأثر وانتقال للتيارات والمدارس والمفاهيم والرؤى الأدبية والفنية والنقدية.

 إن هذا، إضافة إلى المتغيرات التي شهدها العرب ولا يزالون يشهدونها كل يوم، قد فرضت ولا تزال تفرض على أدبائهم ونقادهم المراجعة والتغيير في الكثير من ميادين الكتابة والإبداع استجابة لهذه المتغيرات وتعلّماً أو تأثراً بالغير، خاصة حين يكون هذا الغير متقدماً عليهم في تلك الميادين، ومنها كانت الفنون القصصية التي نعرف أن الغرب تحديداً تقدم على العرب فيها كما نعرفها حديثاً. وهكذا نرى اليوم التغير والتحديث والتجديد تترى في هذه الفنون عندنا، ومن هنا يأتي اهتمام النقد بها مبرراً. لكن الذي قد يفوت البعض هو أن مثل خطوات التحديث والمغايرة والتجديد هذه، التلقائية والمدروسة الواعية على حد سواء، كانت قد رافقت، في الواقع، مسيرة الفنون القصصية العربية عبر تاريخها غير القصير. ومن هنا تأتي ورقتنا لتحاول رصد آفاق التحديث والمغايرة والتجديد هذه، وأصحاب الفضل فيها في مسيرة القصة العراقية وتطورها.
وبداية لا نريد في هذه الورقة بالطبع أن نقدم تحليلاً تفصيلياً، ولا تتبعاً دقيقاً لمسيرة القصة العراقية، التي ستمتد عندنا من سنة 1919 إلى سنة 2003، كون ذلك قد توفرت عليه العديد من الكتب التي تناولت هذه القصة، بقدر ما نريد أن نقدم، وضمن إطار من اللمحات تاريخية لمسيرتها، أهم خطوات الريادة والتحديث والتجديد التي شهدتها عبر مراحلها المختلفة الرئيسة. كما أننا سنحاول، ومن خلال مواجهه نسعى إلى أن تكون صريحة للواقع المتحقق وليس المدَّعى به، أن نناقش مدى أحقية هذا الجيل أو ذاك في ادعائه أو في ادعائنا له بالريادة والتحديث، من خلال تعرضٍّ نزعم أنه سيكون حيادياً ولكنه نقدي، لما قدمته تلك الأجيال وهؤلاء الكتاب، ولمدى توفر هذا الذي قدموه على شروط الريادة، ولما حققه تجديداً وتحديثاً. وسيكون ذلك وفقاً لما نرى أنها قد شكلت الحلقات الرئيسة في هذه المسيرة، نعني ما صار يُعرف بالأجيال الأدبية، بدءاً بجيل التأسيس (جيل ما بين الحربين)، ومروراً بجيلي الخمسينات والستينات المهمين، وانتهاءً بجيل ما بعد الستينات.
**
مرحلة الريادة والتأسيس:
إذا كان محمود أحمد السيد الرائد الحقيقي والرسمي- إن صح التعبير- للقصة العراقية، فإن محاولات بدائية وربما تمهيدية كانت قد سبقته، ونجد من الموضوعية الإشارة إليها هنا. هذه المحاولات تشمل أولاً «مقامات الآلوسي»، وهي في الواقع كتابات، مع صحة ما يُحسب لها من إيجابيات من الناحية الأدبية، لا تمتلك فنياً ما يؤهلوها لدخول فن القصة الحديثة. ثاني الكتابات التي سبقت خطوة الريادة القصصية فهي «قصص الرؤيا»، وهي نمط خاص من الكتابة القصصية بمفهومها العام، مع أن معظم نماذجه قد حقق شيئاً من التطور الفني الذي لا بد للمؤرخ الأدبي أن يحسبه له، فإنه لم يصل بما اشتمل عليه من عناصر ما تجعل منه قصصاً فنية. أما ثالث هذه الكتابات فهي «الرواية الإيقاظية»، لسليمان فيضي، ومهما يقال عن هذا العمل الأخير ويُعبَّر عنها من آراء مختلفة يبقى صحيحاً، برأينا، قول الدكتور عبد الإله أحمد إن صاحبها كان «أول من حاول الكتابة في القصة الطويلة (الرواية) في الأدب العراقي الحديث»(1). لكن هذه المحاولة بما حققته فنياً بقيت ضمن المحاولات التي هيأت للإنجازات الفنية وليست من هذه الإنجازات، ويبدو واضحاً أن مؤلفها لم يكن يمتلك الوعي الكافي لاستيعاب متطلبات الفن القصصي الحديث لتحقيقها الأمر الذي أفقد العمل مقومات هذا الفن. وعموماً اكتسبت «الرواية الإيقاظية» ريادة في كونها مسعىً تجاوز، وإن كان ذلك بحدود، الموروث، بينما افتقدت مقومات ريادة التأسيس للقصة الفنية الحقيقية، خصوصاً أن التجربة قد جاءت فردية وغير مقرونة ولا موصولة بمحاولات أخرى مصاحبة أو تالية لها، ولا بتنظير نقدي مرافق لها لا من المؤلف ولا من غيره. وهكذا افتقد سليمان فيضي في عمله أحقية مشاركة محمود أحمد السيد ريادته الراسخة التي ستتحقق سريعاً(2).
حين ظهرت محاولة السيد الروائية «في سبيل الزواج»- 1921- سجّل كاتبها بحق ريادة لم ينافسه فيها أحد، مع تقبُّل القول بالمشاركة الجزئية له في الريادة القصصية العامة من الجيل الذي ينتمي إليه القاص نفسه. فلقد كانت هذه المحاولة عملياً هي الأقرب إلى الرواية من أية محاولات سبقتها، وهي على أية حال محاولات محدودة كما رأينا. ولعل أهم ما يمكن أن يقال عنها تعلقاً بالذي حققته فنياً لتحتل هذه المكانة هو أنها قد انفصلت كلياً عن الأشكال القصصية العربية الموروثة، وبتقديمها لشخصيات تتحرك على أرضية مرسومة لعالم يستوعبها وتتفاعل فيه مع العناصر القصصية الأخرى، ومع وعي واضح من صاحبها لما يقدمه أو يسعى لتقديمه من فن هو غير الفنون والأشكال الأدبية التي كانت معروفة من قبل. يضاف إلى ذلك أن السيد قد رسّخ مكانته رائداً في الفن القصصي الحديث حين نشر في السنة التالية- 1922- مجموعته القصصية الأولــى «النكبات» ومحاولته الروائية الثانية «مصير الضعفاء»، لتتوفر جهوده الريادية بذلك على شرطين نرى أنهما يجب أن يتوفرا لكي يكتسب أي جهد صفته الريادية. هذان الشرطان: هما البدء أو الجدة أو السبق التاريخي أولاً، ثم الاستمرارية وتعزيز المحاولة والبداية بالمواصلة، وبما يُخرج العمل أو المحاولة الأولى من أن تكون عملاً فردياً مقطوعاً لا ينم عن إدراك ووعي لدى كاتبها ثانياً. فكل ذلك إنما يؤكد في النهاية امتلاك هذه العمل وصاحبه الوعي بالجديد وبطبيعته، وبما يقدمه هذه الجديد، مما لا تكون الجهود السابقة عليه قد قدمته(3). الواقع أن مثل هذه الجهود غير العادية للسيد في الوقت الذي أثبتت فيه وعي كاتبها واستمراره فيها وفي تطويرها، فإنها قد أثمرت أيضاً استمرارية أخرى تمثلت في محاولات قصصية من كُتّاب آخرين، لم يعد معها من شك في أن اللبنات الأولى لمسيرة القصة العراقية قد ثبتت فعلاً، وان بناءً أخذ يعلو فوقها. إن هذه المسيرة عكست بشكل واضح تأثر أصحابها بما كان يصلهم من أعمال قصصية وروائية مترجمة وملخصة وموضوعة عربياً من مصر والشام، خاصة من خلال الصحف والمجلات العربية والعراقية. وهكذا تكون فترة العشرينيات قد شهدت الريادة الأولى في مسيرة القصة، كونها المرحلة التأسيسية التي انطلقت منها هذه القصة في العراق، الأمر الذي يستحق معه كتابها القلائل أن نصفهم رواداً، وأبرزهم محمود أحمد السيد وأنور شاؤل.
ومع بطء المسيرة التي شهدتها القصة العراقية في السنوات الأولى من مسيرتها، فإن السنوات التالية وتحديداً نهاية العشرينيات ودخولاً في الثلاثينيات قد شهدت خطوات لها أهميتها النسبية، فقد حقق محمود أحمد السيد أولاً تميزاً واضحاً آنذاك في تجربته الروائية الثالثة «جلال خالد»-1928- التي جاءت بعد فترة صمت وشبه انقطاع عن الكتابة بدا واضحاً أنها كانت، في الواقع، فترة تثقيف ذاتي ومراجعة ونقد لكتاباته في المرحلة الأولى من تجربته الإبداعية. وتأتي أهمية هذه المغامرة الجديدة من دورها في إغناء المحاولات الأولى، ومما عكسته من مراجعة واكتساب تجربة ثقافية وفنية وإطلاع على ما كان يُنشر ويتيسر له الإطلاع عليه من أعمال قصصية أجنبية، ثم وتعلقاً بذلك كله، مما عكسته من محاولة تحديث في الأسلوب والأدوات الفنية الخاصة بالفن القصصي الحديث. وربما لا نبالغ إذا ما قلنا، بناءً على ذلك كله، إن «جلال خالد» هي المختبر الأول لمحاولات التحديث الفني الواعي التي جرت على القصة العراقية، التي نسعى إلى رصدها في هذه الورقة، خصوصاً أن هذه الجهد الذي قام به السيد قد عززته جهوده الأخرى في كتابة القصة القصيرة التي جسدت فعلاً وعيه الفني المبكر، وتَمثَّله في مجموعتيه «الطلائع»-1929- و»في ساع من الزمن»- 1935(4). ومما عزز مكانة السيد الفنية التأسيسية وعيه وإسهامه النقديين كما يمكن أن نراها ضمناً وصراحة في كتاباته. لقد «استطاعت كتابات محمود أحمد السيد أن تضع الأساس الأول لتقليد نقدي يحق لنا أن نفخر به، فقد كان السيد حريصاً على أن يعرض مفهوماً للفن القصصي يراقب في ضوئه ما يكتب وما يقرأ من القصص»(5).

الهوامش:
(1) عبد الإله أحمد: نشأة القصة وتطورها في العراق 1908- 1939، مطبعة شفيق، بغداد، 1969، ص56.
(2) صدرت مقامات الآلوسي عن مطبعة حجرية في كربلاء، في سنة 1856؛ ونُشرت قصص الرؤيا، وأبرز كتّابها عطاء أمين، في صحف ومجلات مختلفة، في الأعوام 1909- 1921؛ أما الرواية الإيقاظية فصدرت عن مطبعة الحكومة في البصرة، في سنة 1919. انظر، حول هذه المحاولات، المصدر السابق، ص5-11، 34- 66، 327-359، 421، 438. وانظر د. نجم عبدالله كاظم: التجربة الروائية في العراق في نصف قرن، الموسوعة الصغيرة (263)، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986.
(3) لعل أوضح مثال يمكن أن يجسد هذا الافتراق بين المحاولة الفردية المقطوعة التي لا تستتبع أعمالاً أخرى، وبين المحاولة التي تؤسس أو تبنى وتستدعي المواصلة، ما حدث لمدرسة تيار الوعي في الرواية والكتابة القصصية العالمية عموماً. فمع ما يقال من «أن الفضل في ابتداع هذا المنهج في القصص يرجع إلى الكاتب الفرنسي إدوارد دي غاردان (1861-1949)»، فإن التأسيس الحقيقي له قد كان على يد جيمس جويس (1882-1941) الذي ارتبط به فعلياً فصار هو رائدها. ومن هنا لم تكن المحاولات التي سبقت محمود أحمد السيد وظهرت في الصحف، من أهمية بحدود تعلق الأمر بالتأسيس للفن القصصي في العراق.
(4) لعل هذا يوضح حجم الخسارة الكبيرة التي خسرتها القصة العراقية والأدب العراقي الحديث بشكل عام بموت الكاتب محمود أحمد السيد المبكر في سنة 1937، وقبل أن يكمل الخامسة والثلاثين من عمره.
(5) عبد الجبار عباس: النقد القصصي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980، ص270.