من اجل استعادة  محمود احمد السيد

من اجل استعادة محمود احمد السيد

باسم عبد الحميد حمودي
ان نفحة خضراء وخيط شعاع رهيف واستعراضا لحياة الاديب الرائد محمود السيد لتوضح بثقة ان الرجل قد وضع اسس مدرسة قصصية عراقية المعالم من ناحية المضمون وان اختلفت بناء، انها المدرسة العراقية الاولى، مدرسة القصة الكلاسيكية المعتمدة على السرد بناء بوجه عام وعلى الرومانسية الممتزجة بالواقع مضمونا..

 انها مدرسة عبدالمجيد لطفي وانور شاؤول وجعفر الخليلي وذي النون ايوب على اختلاف القيم والمثل، رائدها هذا الشاب البغدادي الخجول الموسوس الذي وضع لبنات طيبة لبناء رواية عراقية منذ مايقارب الاربعين عاما وترك الطريق ممهدا معبدا لمن بعده، كي يتموا البناء الذي مازل ينتظر.. وتنتظر معه جماهيره.. الى فتية البلاد المستعدة للجهاد في سبيل الحق والحرية، مثلها الاعلى يحدوها الامل الذي لاتقوى على تحطيمه قوة في الارض.. بهذه الكلمات قدم لنا محمود السيد مجموعة اقاصيصه الخامسة (الطلائع) التي صدرت عام 1929، وقد كان للظروف التاريخية الحاسمة التي يمر بها العراق في تلك الفترة اثرها الحاسم في تصميم هذه الكلمات المؤمنة بالشعب الذي كان يقاسي عسف الاستعمار وسيطرته التي تخفت بداية تحت ستار الانتداب ثم برقعت عملية استغلالها البشعة لشعب ثورة العشرين ببرقع الاستقلال المزيف الذي ابقى المواد المحروقة السود في داخل المدخنة واكتفى بترميم وتبييض مظهرها الخارجي، لقد كانت (الاحوال) غير مستقرة وكان لهذه اثرها البالغ في تحديد مهمة السيد الادبية. ولد السيد في عام 1901 وكانت الأعوام الستة والثلاثين التي قضاها متمشية بنسبة طردية مع نتاجه الذي لم ير النور منه الا ست مجموعات، الثلاث الاولى منها عالج فيها فن الرواية متأثرا بالمرحوم سليمان فيضي (خصوصا في قصة النكبات) مؤلف الرواية الايقاظية سنة 1919 التي يبدو فيها عامل الوعظ واضحا ومثيرا للاعصاب.. ولكنها على كل حال انطلاقة. كانت اولى اعمال السيد (في سبيل الزواج) التي طبعها في مصر سنة 1921 واصفا اياها بأنها (مسرحية شرقية هندية) وقبل ان استعرض بايجاز احداث القصة اوّد ان اقارن بين سبب اختيار السيد للهند في هذه المسرحية ميدانا لمسرحيته وبين اختيارها من قبل ذي النون ايوب ميدانا لمجموعته القصصية (العقل في محنته) فسبب السيد اجتماعي اما دافع ايوب فهو سياسي ولست ادري ما الذي جعل الميدان.. عند الاثنين.. الهند بالذات، الاّ انه يمكن تعليل ذلك بالنسبة لايوب، بسبب قراءاته الواسعة المتنوعة وعدم ملاءمة الظروف السياسية وقتذاك له ليكتب عن العراق، اما السيد فان زيارته للهند هي التي ربطت احداث مسرحيته بمكانها. ومجمل المسرحية: تنافس اثنان على حب فتاة وكان احدهما رئيس عصابة في جبل ما، مرهوب الجانب يخافه الناس، والثاني شاب مقدام لايخيفه هذا الشخص بل يحفزه جبروته ومنافسته في الرجوع الى حبيبته حيث يراها ماتت حزنا عليه. كان عمر السيد آنذاك لايزيد على الحادي والعشرين عاما، ورغم سذاجة الفكرة فان هذه الرواية – ومن بعدها مصير الضعفاء والنكبات- قد حضيت بالانتشار السريع والنفاد المطلق في اسواق عراق تلك الايام والسبب في ذلك راجع الى ندرة النتاج الروائي والقصصي مما شجع السيد على مواصلة النتاج حيث نشر مجموعتيه الاخريين في سنة واحدة (1922) اي بعد سنة واحدة فقط من صدور مجموعته الاولى، وبالرغم من ابتعاد (في سبيل الزواج) عن واقع العراق في ذلك الحين فاننا نجد في (مصير الضعفاء) استجابة واضحة لذلك الواقع، فهي تعطينا فكرة لابأس بها عن ظلم الاتراك وطغيانهم. العثمانيون الذين ذاق العراق المزيد من العسف على ايديهم قبل مجيء الانكليز الى العراق عام 1914 حيث زادوا في الطين بلة كما يقال. وبالرغم من الفجوات الكثيرة من ناحية السبك الروائي فاننا نعدها تجاوبا فعليا مع واقع عراقنا حينذاك.
نضرب هذه الامثلة  لبعض اعمال محمود احمد السيد الذي تمر ذكرى رحيله  ال 80  حيث أعتقد أن إحياء ذكرى رائد القصة العراقية الحديثة   أمر ينبغي ألا يمر سريعا بل أن نستعد له منذ اليوم عبر عدة قنوات مدنية وثقافية متعددة , ذلك أن المزمع الاحتفاء بذكراه يعد مؤسساً لتجربة ثقافية أساسية ومكتشفاً  لأهمية أن يكون المرء مع التجديد في مجتمع متخلف تسود الأمية فيه.  والقنوات المدعوة للاحتفاء  بذكرى الرائد الكبير كثيرة أولها اتحاد الأدباء الذي ينبغي أن يعد له أسبوعا ثقافيا حاشدا، وثانيها وزارة الثقافة التي عليها واجب الاحتفاء بذكرى مؤسسي الثقافة الحديثة والسيد في طليعتهم،وثالثها الحزب الشيوعي العراقي،والسيد كان مبشرا بالأفكار الاشتراكية وصديقا مقربا لنماذج من الانتلنجسيا الثقافية اليسارية أمثال: حسين الرحال وعوني بكر صدقي  وسواهما من رجالات الثقافة في العقود الأولى من القرن العشرين, ورابعها وزارة النقل لتهيئة طوابع تذكارية خاصة، وخامسها أمانة بغداد للكشف على دار السيد في منطقة باب الشيخ ومحاولة ترميمها إن لم يطلها الهدم والتغيير وتسمية  شارع باسمه حتى إن كان صغيرا وعقد حلقة دراسية عن بغداد في أعمال السيد.. سادس هذه الجهات بيت الحكمة لدراسة أفكار السيد وتأثيرات الثقافات الهندية والفلسفة الفابية عليه، إضافة لأطروحاته  السياسية والتربوية.  سابع  هذه الجهات مجلس النواب، فقد كان السيد سكرتيرا مؤتمنا لمجلس الأمة العراقي لسنوات، واستطاع بصبره وعمق ثقافته أن يضبط محاضر الجلسات في زمنه في وقت لم تعرف فيه أجهزة التسجيل. ثامن هذه الجهات محافظة الديوانية وجامعة الديوانية،إذ كان السيد قد عمل مديرا للتحرير في المحافظة  ومشرفا على شؤون المتصرف الإدارية ومراقبا لتنفيذ القائممقاميات لأوامر المتصرف ووزارة الداخلية وهو عمل عاناه السيد  رغم أنه أحب تلك المدينة الفراتية الوادعة, وكانت علاقة  محمود السيد بمكتبة الديوانية وثيقة طيلة وجوده فيها.ع تاسع  هذه الجهات مؤسسات المجتمع المدني الثقافية في العراق، فقد كان السيد مثقفا عراقيا مرموقا له تأثيره على حركة الثقافة العراقية.الجهة العاشرة  هي أقسام الأدب والاجتماع والفلسفة في الجامعات العراقية.الجهة ا الحادية عشر  هي دار الشؤون الثقافية العامة لإعادة طبع مؤلفاته وبعض الكتب الصادرة عنه  وكذلك دار الفنون لعمل بوستر  خاص بالراحل الكبير، وبالإمكان أن يقوم تلفزيون بغداد بإنتاج عمل عن حياته الحافلة وأن  تتبارى القنوات الفضائية العراقية في هذا الشأن, ومن الممكن أيضا أن يشارك منتدى المسرح بعمل مستوحى من قصصه أو رواياته،فللرجل خزين واسع من التجارب الإنسانية.بذلك يكون الاحتفاء بذكرى السيد متكاملاً،كما نرجو ونأمل ويرجو ويأمل كل مثقف عراقي.