الفحولة المقدسة.. قراءة في رواية (بهجة الأفاعي) ليحيى الشيخ

الفحولة المقدسة.. قراءة في رواية (بهجة الأفاعي) ليحيى الشيخ

أمير ناصر
(... طحنتُ عظام هداهد وكلمات،
خبزتُ الريح،
كتبتُ طلاسمَ لأرواح تائهة،
لنساء لم يذقن غير الحلم،
وأخريات شبقات،

لرجال جف في عروقهم الماء.
كتبتُ بدماء
الأرانب الولودة والغربان السود،
بماء (العفص) والزعفران،
دجّنتُ تنانينَ عيونهم تحت أجنحتهم،
وكلاباً بسبع رؤوس،
داويتُ رجالا عقيمين،
ونساءً يابسات...) قصيدة المشعوذ ــــــــ يحيى الشيخ
      يتخلق(1) بطل رواية (بهجة الأفاعي) للكاتب يحيى الشيخ، في كنف (مكان)  صغير، أشبة بقرية حسب ما ورد في النص من وصف (... في بقعة صغيرة من العالم، يعزلها نهر يلتف حولها مثل أفعوان جبار، تطوقها بساتين النخيل، خلف سور عال متوّج بشظايا الزجاج...)، ولكن سرعان ما يمتد هذا المكان ليتحول إلى (قصور، تمثال رودان، الطب العدلي، ملاعب كرة قدم) وهذه كلها إشارات تُخرج هذا المكان من دلالته الأولى والمباشرة -أي (القرية)- الى مكان واسع يقترب إلى أن يكون مدينة، حيث أن تلك الإشارات جزء من التأثيث المكاني للمدن، فهل ممكن أن تستوعب القرية بصورتها التقليدية (تمثال رودان) مثلا، أو (دائرة الطب العدلي)، لا اعتقد ذلك، ولم يقدم النص تبريرا لهذا التنوع، لكنه استمد(شحنات لغته) منه
   يولد هذا البطل(الفحل) وهو محاط بشكوك كثيرة منها ما عرف بـ(الرقود) وهو رقود الجنين في بطن أمه لفترة أطول من فترة الحمل المعتادة بحسب الاعتقاد السائد، أو(الاختلاط) أي اختلاطه بالآخر كما يلمح السارد (... قالت: انها شاهدتها وهي تستحم في العراء أمام أبيها..) ص8. وهي (الإشارات) تقود القارئ الى أن المولود (لقيط) أو (نغل) أي المولود عن زنى.
  وعلى الرغم من قوة هذه الشخصية (الفحل)، وهيمنتها على النص، إلا أن الكاتب  اغفل جانبا مهما في بنائها، وهو الحوار، اذ إنها لم تنطق بحرف واحد على امتداد النص، وربما ان الكاتب قد تعمد ذلك ليعطي هذه الشخصية زخما من الغموض، ليزيد من تأثيرها، او تأثير السحر الذي امتهنته، لذلك قرن صمت الشخصية بصمت تلك الطقوس وسريتها، حيث ان النص قد نهض بعملية متوالية بين الفعل وصورته، إذ انه قد استخدم طلاسم تحيل لذلك الفعل السحري، والتي يمكن وبصورة وبأخرى عدها رديفا، أو معوضا صوريا لذلك الحوار، المضمن من خلال دائرة يكون قطباها الابن(الفحل) وأبوه الذي أورثه هذه الطلاسم، لكنه تخلى عن هذه المتوالية، وهذا المتن المضاف لمتن السرد(2)، ما قلل من أهمية تلك الطلاسم بعد ان كانت مهيمنة، ومتفاعلة مع دلالات النص وبناه، وهذا ربما كان نتيجة إهمال قوة السحر داخل النص، وإغفالها باعتبارها مصدرا لتكون ثيمة النص وتناميها، فمثلا لو جاء الإخصاب لإناث القرية التي تعاني من العقم؛ بفعل السحر وليس بفعل الاتصال الطبيعي  المباشر، لحافظ النص على إيقاعه الذي بني على تلك القوة الكامنة والغامضة بالرجل الفحل الاستثنائي والمغاير، فولادته بوجهين(جميل وقبيح)، كان محفزا لاظهار  قوة السحر، بعد ان خضع السوي والطبيعي- اي رجال القرية- الى العقم.
   برأي لا يمكن تجاهل قوة السحر والطاقة الدفينة للحروف والطلاسم (3)، كدلالات مهمة تنهض بالنص وتشكل دواله، والتي تحيلنا الى انها احد المهيمنات التي اعتمدت عليها الخليقة لفترة طويلة جدا من الزمن، في تفسير الظواهر الغامضة، او وسيلة لحل المشاكل التي لاينفع معها المنطق والعلم والدين الذي هو الابن الشرعي للسحر.

(1)البطل هنا مخلوق،  تماما مثل فرانكشتاين في رواية ماري شيلي (Mary Shelley) 1818 أو رواية المسخ لكافكا 1915 وهي ليست قضية لسانية , حسب تودوروف. ولا  كائن من الورق على حد تعبير رولان بارت. الملاحظ هنا أن كتاب بهجة الأفاعي هو الكتاب السردي الثالث ليحيى الشيخ (بعد سيرة الرماد و ساعة الحائط) كل هذه السرود تتحدث (أظنها) عن بقعة واحدة ومن ذاكرة واحدة وهي أشبه بــ (كَشّاف) ضوء مسلط على أرض الطفولة والصبا للكاتب، والمسجلة بعينيّ صقر لاتخطئ هدفها.
(2) هناك إخفاء قصد أو انكار القيمة الحقيقية للسحر عبر تاريخه الطويل الذي اعتمدته البشرية، واعتباره ضربا من الخيال والشعوذة والإقلال من قيمته، واعتماد الجانب العلمي.
(3) تبدأ الطلاسم ـــــ والتي تعد ضمن مساحة (السواد) مُشكّلة متنا قرائيا لا يمكن اغفالة أو تجاهله ــــــــــ من صفحة الغلاف الداخلي.....
ـــــــــ رسمة أولى..... الملك قرقاش.... الشروع، البداية، الجلوس (على البيض) (الفكرة) الولادة.
ــــــــ الرسمة الثانية (ص17) الرقعة، المُوَجه، (المشخص)، حاملة الاسم، (طلسم خذوني اليه).
ـــــــــ الرسمة الثالثة (ص20) سكب المحتوى، طبخة حجاب الشهوة (معلوم) = الى بنت رضية.
ـــــــــ الرسمة الرابعة (ص22) تدريب البصيرة والفراسة يقرأ عموديا، الكحل ـــــــ العين اليقظة ــــ عطر الآس.
ــــــــــ الرسمة الخامسة (ص23) (حجاب عرسون لكل مجنون ـــــــ التسلح، الهيمنة، وتذليل الصعاب، وتسخير الآخر.
ـــــــــ الرسمة السادسة (ص24) الأكتمال، امتطاء الفحولة، الامساك بزمام الأمور
ــــــــ الرسمة السابعة (ص25) (حجاب كوهيل لكل من صاح الويل) أبخرة الفحولة، والثقة بالنفس
ـــــــــ وهكذا تتوالى الطلاسم (الرسوم) حتى تبلغ الذروة في الصفحة (54) حيث تتجلى الفحولة وتكتمل، وتُتَبَل هذه الشخصية الأسطورية لتزج في صلب الرواية. محروسة و(مكفولة) بعناية السحر وقوته.