الرواية الأولى لزوسكيند: عطر يدين الزيف والنفاق والفساد..

الرواية الأولى لزوسكيند: عطر يدين الزيف والنفاق والفساد..

رواية العطر للألماني باتريك زوسكيند, ليست رواية أسرية, مثل مئة عام من العزلة لماركيز أو بيت الأرواح لايزابيل الليندي مثلا, وليست من الروايات النفسية التي سادت أوروبا في السبعينيات, أو حتى الرواية الاجتماعية التي تلتها, وليست رواية مكان كما أبدعه الراحل العربي الكبير نجيب محفوظ , لكنها رواية تكتسب خصوصيتها من موضوعها الجديد,

 ومن القيم الإنسانية المطلقة التي حملتها , فالنصف الأول من هذا النص السردي الخلاق , كان رائعا بروحه الفنية والموضوعية الثرية, و لغته الو صفية العالية, لقد حمل هذا الجزء لحظات أدبية غاية في الفن الإنساني الرائع والخلاق فعلا, والمحرض على ارتكاب فعل الفن. بينما النصف الثاني من الرواية, كان فيه كثير من التكرار, و كثير من الأجواء البوليسية المملة, وتجلى ذلك في حياة البطل بالجبل, على سبيل المثال.

للرواية بطل واحد هو المحرك الرئيس للأحداث, يشاركه الكثير من الشخوص أثناء مسيرة الرواية حتى يلاقي حتفه, هو عامل بسيط جدا, يسكن أحد أحياء باريس الفقيرة, بشع الشكل ومكروه ومحتقر وفقير, غر نوي الذي ترك العمل في مدابغ الجلود, و اشتعل في محل للعطارة, بدأت موهبته في القدرة القوية على الشم, تفتح له أبوابا رحبة حين قام بخلطات سحرية وعبقرية للعطور, أذهلت تجار العطور في باريس, كان هذا في القرن الثاني عشر الميلادي, ثم تطورت موهبته لما هو أكثر خطورة فأصبح في ما بعد عبقريا في شم الروائح عن بعد, واستحضار أفضل العطور منها, ثم موهبته التالية في تخزين أرواح الفتيات الصغيرات في رأسه, لكي تظل رحيقا يعب منه ساعة يشاء, أصبح مريضا بأرواح الفتيات الصغيرات, ويستطيع من على بعد عدة أميال أن يتلمس ذلك العبق الآسر في روح وجسد فتاة بعيدة, فيذهب لها قاطعا مئات الأميال, تخفق روحه لرائحتها ولروحها العذبة, وها هو يصل إليها بعد أن تدله حاسة الشم الخارقة على ذلك المكان القصي من باريس القديمة, فينشب مخلب حاسة الشم في جسدها الصغير لتهلك فورا, فيقبض على ما يشبه روحها, يخزن هذه الرائحة في رأسه, ثم يركض لمعمله فيحيلها إلى عطر عبقري عظيم الأثر.
اللحظات الأخيرة من الرواية, ومن حياة البطل الذي أصبح محكوما بالإعدام, كان فيها أمام جموع البشر مبتسما مع الشعور بأنه مطارد, وقد وقعوا في فخ رائحته الآسرة التي أخذها من روح وجسد فتاة صغيرة وعبأها في قارورة رأسه, غرنوي الناشئ من القمامة والعفن, والذي تربى دون حب, وعاش دون روح, وبلا قيم إنسانية, غرنوي الضئيل الأحدب والأعرج البشع, والعامل البسيط, هكذا جعل من نفسه محبوبا من الناس بثورة العطر المميز, لكن بعد أن قتل أكثر من عشرين فتاة من فتيات المدينة فصدر بحقه حكم الإعدام, لكنه لازال متخفيا كأنه روح, إذ أخذ يشيع روائح الفتيات الرائعات من جسده, الذي تحول إلى كائن جاذب لكل من يمر أمامه, لكنه ألان أمام لحظة إعدامه.
في هذه اللحظات, خرج إلى الساحة ليبث من روحه أفضل عطر في العالم, فأحبه كل من في الساحة وهاموا بروحه وجسده, نساء ورجال وأطفال, حتى رجال الشرطة, وأيضا الرجل المكلف بقتله, وهو ألان أمام هذه اللحظة التي تشبه فخا للرائحة العظيمة, كان يود التأكيد أنهم يعبرون له عن حب وتبجيل غبي, لأنه قبل أن يمتلك هذه الرائحة كان محتقرا كشيء ضئيل, عامل تافه لا قيمة له, لكن الكره الذي أحس به تجاه البشر ظل دون صدى فكلما ازداد كرهه لهم في هذه اللحظة, كلما عبدوه, وكان أكثر ما يريده ألان هو أن يمحوهم جميعا من على وجه البسيطة, هؤلاء البشر الأغبياء والمستثارين جنسيا كما يرى غرنوي.

هناك في ذلك العالم المليء بالروائح, مابين سطور الروائح, هناك روائح أخرى, لم يصنعها بطل الرواية, إنها روائح الزيف والنفاق والدجل والفساد التي نشأ وسطها هذا الطفل الفقير, وهي التي جعلته بهذا الشكل فاقدا للروح والمعنى, حتى استطاع أن يرد اعتباره أمام هذا المجتمع المريض بالزيف والنفاق والفساد, التي كشف عنها هذا الطفل البشع والفقير والمحتقر من مجتمع لا يقيم اعتبارا للمشاعر الإنسانية, وربما هنا جوهر القيمة الحقيقية لهذه الرواية الجميلة.
وبرغم جمال رواية العطر وخصوصيتها وروائحها العبقرية, إلا أننا بحاجة ربما لبعض النقاط الانطباعية حول النص ومنها: موت صاحب محل الجلود غريمال بعد خروج غرنوي من محله مباشرة حيث شرب كثيرا فسقط في النهر, وموت بالديني أيضا بعدما ترك غرنوي العمل لديه مباشرة, إذ سقط منزله فضاعت ستمائة وصفة عطر مميزة في النهر, موت الطبيب أيضا بعد هروب غر نوي, حين صعد جبل الثلج, بمعنى أن كل من عمل لديه البطل ثم تركه, يموت فورا.

من لحظة خروج غرنوي من بيت بالديني مكث سبع سنوات في مغارة جبل فكانت صفحات مملة في الرواية مع تكرر عبارة (طوال سبع سنوات)عدة مرات, وعند وصول البطل إلى غراس, عمل عند أرملة عبد لقاء أجر متواضع وظروف سكن رديئة جدا, وكان بامكانه أن يعبِّر عن مواهبه في الشم واستحضار العطور ليعيش أفضل).

(بعد منتصف الليل كان حفا روا القبور قد غادروا, فدبت الحياة في المكان, ظهر السفلة بكافة أنواعهم و اللصوص والقتلة وضاربو السكاكين والعاهرات, والفارون من الجيش, والشباب الجانحون, فأوقدوا نارا صغيرة كي يطبخوا عليها طعامهم ويطردوا الروائح الكريهة, عندما ظهر غر نوي فجأة, من تحت الأقواس واختلط بينهم, لم ينتبهوا لوجوده في البداية مطلقا, فكان بوسعه أن يقترب من نارهم, وكأنه واحد منهم, وقد أكد هذا فيما بعد فكرتهم عن انه كان شبحا أو ملاكا, أو شيئا طبيعيا من هذا القبيل, فحساسيتهم في العادة كانت عالية جد, ا عند اقتراب أي غريب منهم, إلا أن هذا الرجل الضئيل ذا البزة الزرقاء, كان موجودا هناك فجأة وببساطة وكأنه قد نبت من الأرض, وكانت بيده زجاجة صغيرة رفع غطاءها, كان هذا أول ما تذكروه جميعا, وجود شخص يرفع غطاء زجاجة صغيرة, ثم اخذ يرش على نفسه من محتوى الزجاجة هنا وهناك, وفجأة انسكب عليه الجمال كنار متأججة).
في نهاية الرواية, تراجع السفلة, نتيجة الدهشة الهائلة, وكان تراجعا يقدم للهجوم, انجذبوا لهذا الرجل الملاك, شكلوا حلقة حوله, تضيق شيئا فشيئا, بدأوا يضغطون ويتزاحمون, ثم هجموا على الملاك المجرم, الذي سبق أن صدر بحقه حكم بالإعدام, انقضوا عليه ورموه أرضا مزقوا ثيابه ثم شعره وجلده, ثم... أكلوه, كالضباع الجائعة, فتبخرت روائح العطر العبقري ولم يتبخر النص من ذاكرتي.
لكن في روايته الثانية, الحمامة, الوضع مختلف كثيرا, هناك عزلة, وحمامة, وخوف يتطور, بشكل مؤثر وعميق, ربما هي ليست أجمل من العطر لكنها أكثر تكثيفا وعمقا.

عن موقع الروائي