في تذكر روائي (مسراتنا والأوجاع) فؤاد التكرلي

في تذكر روائي (مسراتنا والأوجاع) فؤاد التكرلي

نجم والي
الحديث عن التكرلي وأدبه، وتأثيره على جيل من الروائيين اللاحقين طويل، خاصة روايته «الرجع البعيد»، التي تظل إحدى الكنوز الأدبية في تاريخ الرواية العراقية، والتي يجب الاحتفاء بصدورها ودراستها كل عام. شخصياً أنا مدين لهذا الرجل، فهو قدم لي الدرس الأول، معنى أن يكون المثقف مستقلاً، ومعنى أن كل ما يكتبه المرء بصدق، لابد وأن يجد مكانته ذات يوم. المفارقة هو أنني لم أر التكرلي شخصياً إلا مرتين، مرة وقفت على بعد أسمع ما يقول،

 وفي المرة الثانية التقيت به شخصياً وتحاورت معه على مدى أيام، أما روايته «الرجع البعيد»، فلم أقرأها للأسف إلا في وقت متاخر، في أواخر التسعينات، وهي من الروايات العراقية التي هزتني وجعلتني أحسد كاتبها على كتابتها.

أنها مناسبة ذكرى ميلاده التي مرت، التي حملتني على تذكره، ومنحتني فرصة أن أروي لكم حكايتي معه، وتحكموا معي بإخلاص هذا الرجل للأدب: في ربيع 1978 كتبت آخر قصة قصيرة لي وأنا في العراق بعنوان «طقوس مسائية» أو «الحاجة إلى النوم» (موجودة في مجموعتي القصصية ليلة ماري لأخيرة)، كنت حينها مازلت شاباً صغيراً، في السنة الرابعة كلية الآداب قسم اللغات الأوروبية في جامعة بغداد، صحيح أنني كنت حاضراً في جلسات اتحاد الأدباء، معروفاً بمشاكستي بين الأصدقاء، لكنني وحتى ذلك الحين لم أكن نشرت أكثر من ثلاث أو أربع قصص قصيرة، بقية القصص احتفظت بها عندي لأنني كنت أعرف أنها لن تنشر بسبب ما تناولته من تابوات (السلطة، الجيش، الجنس، الدين... ألخ)، لكن قصة «طقوس مسائية» كانت شخصية جداً وتتحدث عن مشكلات بنات الجنوب اللواتي يدرسن في الجامعة ويقمن في الأقسام الداخلية في بغداد، قصة فيها كسر لكل ما هو ممنوع: جنوب، شروكية، نساء، مقاومة للبعث، قتل حتى للكلاب السائبة، وتوابيت الجنود الجنوبيين القادمة من حرب الشمال (حرب الحكومة المرزية على الاكراد حتى اليوم)... كانت القصة تعبيراً عن حالة الرعب التي عشتها، كنت أعرف أنني سأبدأ في 1 آب بالخدمة العسكرية (21 شهراً بعد تخرجي من كلية الآداب)، والمخاطر التي سأتعرض لها، كان من الممكن أن أهرب، لكن حبي لإمرأة جعلني أبقى في العراق، كانت فترة اشتداد الملاحقات والقمع، رغم ذلك كنت حريصاً على نشر القصة، كانت القصة بمثابة وصيتي، كنت أتوقع اعتقالي في أية لحظة (أمر حصل بالفعل في شباط 1980)، إذا لم أكن توقعت الموت، سلمت القصة للصديق الرائع أحمد خلف، لنشرها في مجلة الأديب المعاصر الفصلية التي كانت تصدر عن أتحاد الأدباء. أحمد خلف الذي عرف بخطورة القصة، لم ينس أن يسألني، «هل أنت متأكد من رغبتك بنشرها؟»، قلت له، «نعم»، أحمد كان على علاقة مع هيئة تحرير الأديب المعاصر، يعرف أغلبهم شخصياً. هيئة التحرير هذه كانت تضم أدباء شيوعيين وبعثيين (أدباء الجبهة الوطنية السيئة الصيت)، بعضهم مات وبعضهم ما زال على قيد الحياة (وإن ظلوا كما هم أنفسهم دوغماتييين ختى اليوم لا يتغيرون!!!)، المستقل الوحيد فيهم كان فؤاد التكرلي. الآن أظن، أنكم تعرفون نتيجة القصة: كل هيئة التحرير «الجبهوية» وقفت ضد نشر القصة. وحده الجنتلمان الروائي الرائع، فؤاد التكرلي الذي أصر على نشر القصة. لم نكن نعرف بعضنا. ما أزال أتذكر، كيف أن أحمد خلف استوقفه في حديقة اتحاد الأدباء وسأله عن القصة بعد أن تأخر نشرها، وبأذني سمعته يقول، «طقوس مسائية» هذه قصة قصيرة رائعة، لابد من نشرها. في النهاية وبتأثير التكرلي نُشرت القصة في خريف 1978 وأنا جندي. كان آخر عدد للمجلة الفصلية التي كان النشر فيها امتيازاً لا يفوقه امتياز(أنقطعت سنوات ثم عادت). وشكراً لفؤاد التكرلي صاحب الحدس العارف بما سيكون. رغم أنف الباقين الجبهويين الذين فعلوا كل ما في وسعهم لكي لا تُنشر القصة. قالوا أنها قصة سوداوية ووجودية، أبطالها سلبيون، التعليق أتركه لكم.
في القاهرة وبعد ثلاثين سنة، التقينا للمرة الأولى وجهاً لوجه. عندما رويت له، حضنني وقال، «كم أحسدك على ذاكرتك هذه»، ثم أضاف، «إذن لم يخطأ حدسي فيك»، اتفقنا على اللقاء ثانية، في المانيا أو في باريس، ولم أعلم أن المرض سيخطفه مني بعد شهور قليلة من لقائنا ذلك.
فؤاد التكرلي، يا لذكراه! كم نفتقد انساناً وروائياً مثله اليوم، في زمن أصبح فيه العثور على جنتلمان مثقف صادق هو أمر نادر بندرة العثور على لآليء روائية مدهشة في بلاد وادي الخرابين!