التكرلي: الإخلاص للطبائع والغرائز

التكرلي: الإخلاص للطبائع والغرائز

د.عبدالله إبراهيم
أسهم شيخ الروائيين العراقيين فؤاد التكرلي في صوغ وجه الرواية العراقية طوال نصف قرن، وترك جملة من المؤلفات مثل» الوجه الآخر» و» الرجع البعيد» و» خاتم الرمل» والمسرات والأوجاع» و «اللاسؤال واللاجواب» وغيرها.

وتبوأ موقعا رائدا ضمن الطليعة الأساسية من الروائيين الذين رسخوا هذا الفن في الأدب العراقي الحديث، وعرف عنه دأبه المتواصل، والمتأني، في الكتابة. ولعل أهم ما يلاحظ في مجمل آثاره الروائية عنايته المفرطة بالطبائع الموروثة لشخصياته، والاحتفاء بغرائزها، ويكاد يكون ذلك ثابتا من ثوابت العوالم السردية-الدلالية في رواياته، فقد ظهر بوضوح في «الرجع البعيد» وتبلور بوصفه مرجعية في «خاتم الرمل»، وثم تكرس في «المسرات والأوجاع».
نريد تحليل هذه الحافزية السردية في الرواية الأخيرة، لأنها تمثل الخلاصة التي بها كان التكرلي يدفع شخصياته إلى مصائرها الأخيرة، فهو يعنى بكشف التاريخ الأسري الموجّه لسلوك الشخصية الرئيسة فيها «توفيق سور الدين» واستجلاء الأبعاد الداخلية السلوكية والغريزية، وتتكشف الخلاصة النهائية لهذه الفكرة المحورية من خلال إضاءة الخلفيات الوراثية للشخصية، وهي خلفيات تنتهي إلى أصول طوطمية غامضة تتصل بالقرود إلى درجة ينظر فيها إلى عشيرة «آل عبد المولى» بوصفها سلالة قردية، فالحارة المغلقة التي يعيشون فيها، ويتوالدون دون ضوابط معروفة، تسمّى بحارة القرود(=دربونة الشوادي) والجدّ الأكبر للسلالة «كان معروفا بجسده القصير المتين، وبخلقته الغريبة، فهو أقرب إلى القرد منه إلى الإنسان». هذا الانتساب الطوطمي الوراثي يجد صداه بوضوح في نسله» كان أبناؤه من بعده وأبناء أبنائه صورا مشوهة أو محسنة قليلا من هذا النموذج الباهر».
بقي توفيق سور الدين أسير الطبع الذي ورثته عن السلالة الطوطمية، فحياته إلى النهاية تجليات رمزية للطبع الغريزي لسلالة، تماثل القرود، في اشتباكها العنيف بالجنس الذي أخذ مظاهر شبقية حادة لا يقصد منها الإثارة، إنما الوفاء للطبع، فلعنة السلالة المنكفئة على ذاتها، تلحق أولئك الذين اختاروا التمرّد عليها، لعنة تتضمن وجهين؛ أولهما الانهماك بلذة غير ممتعة كتعبير عن ذلك الطبع الغريزي في عالم بدأ يكيّف الغرائز، ويحوّل مسارها، ويقمعها ضمن سلالم متدرجة من الأخلاقيات والقيم، وفي هذه الحالة سيظهر الانهماك بوصفه شذوذا عن قاعدة، إذ ليس ثمة أمل في العودة إلى طبيعة الأشياء بفعل الأنساق الثقافية التي جرى قبولها والتواطؤ عليها.
نتيجة لكل ذلك يظهر توفيق معذّبا ومنشطرا على نفسه، لأنه ينتمي في آن واحد إلى نسقين متعارضين: أولهما الطبيعة ممثلة بالسلالة، والثقافة ممثلة بالميول الفردية. وثانيهما الضياع والضلال والتشرّد، فمن يجرؤ على انتهاك عالم السلالة، بالخروج عليها، لا يتم فقط إبعاده والتخلي عنه، وتركه وحيدا يواجه عالما مغايرا، إنما معاقبته والاقتصاص منه؛ فتوفيق لم يجر الاستغناء عنه فقط، بوصفه فردا تمرّد على السلالة، من خلال العمل والعلاقات الاجتماعية الأخرى، إنما جرت معاقبته بعنف وقسوة بالغين، دون أن تتكشّف الأسباب الكامنة وراء ذلك، وعلى هذا، فكأن ثمة مخططا قدريا غامضا يحكم علاقات الشخصيات فيما بينها وفيما بينها والعالم الخارجي. وطبقا لمنظور توفيق- وهو المنظور الذي من خلاله يتشكّل العالم التخيلي للرواية- فنزوع سلالته غامض، وشبه بدائي، فلا تمايز بين مكوناته، وهو مخلص للطبع والغريزة.
يعني خروج توفيق من عالم السلالة خرقا للانتماء الطبيعي. والصراع المباشر بينه وبين أطراف السلالة، وهو يأخذ وجوها عدة كالنبذ، والإقصاء، والاستبعاد، والاحتيال، والاستيلاء على الإرث، ثم التهديد، والضرب، والتجويع، إنما هو تعبير عن رغبات متضادة ومصالح متعارضة، فانتقال توفيق إلى عالم «الثقافة» يعتبر خيانة لـ»عالم الطبيعة» ورفضا له، وتشويها لعلاقاته السرية، ولهذا تبدو محاولة توفيق يائسة ومنقطعة عن سياقها، ولا تنطوي على قدرة وفاعلية، فهو لا يفشل فقط في مهمته، إنما هو»عقيم» غير قادر على توريث وعيه ورغبته للآخرين، كما هو الأمر بالنسبة لأفراد السلالة الذين يتناسلون، ويتزاوجون، ويتضامنون في عالم يصعب اختراقه. حينما تنحبس السلالات في عالمها الضيق والرتيب، تصطنع سلطة تحول دون اختراقها.
يكشف التمثيل السردي مأزق الازدواج الداخلي لتوفيق، فقراءاته، وتأملاته، تجعله ينتمي إلى عالم، وسلوكه وممارساته تدرجه في الانتماء إلى عالم آخر، ولم يستطع أبدا أن «يوفّق» بين العالمين، ويحلّ التعارض القائم بينهما، ولهذا عاشهما معا، فهو مخلص لطبائعه وغرائزه، ما دامت تُشبع، وبذلك يتصل بسلالته، دون أن يكتشف سرّ التمايز والاختلاف بين النساء اللواتي يشبعن رغبته، وهن جميعا لا ينتمين إلى سلالته، وجميعهن يُصبن أو يتعرضن لأضرار يتصل جانب منها به، فهو كراغب مدفوع بغريزة الطبع الموروث من سلالته يجد نفسه معهن جميعا دون أن يكون قادرا على اكتشافهن، فلذته تنبثق من الطبع وليس المشاركة. المرأة بالنسبة إليه كانت موضوعا للرغبة، ولم تفلح ثقافته في تحويلها إلى آخَر مشارك. هو من هذه الناحية أكثر قوة في انتمائه إلى سلالته من انتمائه إلى النساء اللواتي ارتبط بهنّ.