فؤاد التكرلي والمثقف العراقي بين اللاسؤال واللاجواب

فؤاد التكرلي والمثقف العراقي بين اللاسؤال واللاجواب

عواد علي
قبل رحيله في شتاء عام 2008 بفترة قصيرة اعترف بأنه لا يستطيع التعبير عن فصول المأساة المستمرة في بلده العراق، فالوضع هناك يستعصي على أيّ روائي مهما كانت عبقريته، إنه غير معقول، ولا ينطبق عليه حتى وصف العبثية، وأفكار السرياليين تبدو ساذجة تجاه ما يجري.
اعترف بذلك وهو يجيب على سؤال عما إذا استطاعت روايته الأخيرة “اللاسؤال واللاجواب”

أن تعكس حال الإنسان العراقي في أقسى المراحل التي مر بها، ألا وهي مرحلة الحصار الظالم البشع، الذي لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل شمل الجانب العلمي والنفسي أيضا.

 

في مقهى حسن عجمي
في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات كنت أتردد أحيانا، خاصة أيام الجمعة، إلى مقهى “حسن عجمي” ببغداد، الذي كان يرتاده الأدباء وبعض الفنانين والإعلاميين، فأرى التكرلي جالسا إلى جانب صديقه الحميم القاص الراحل موسى كريدي، أسلّم عليهما بخجل شاب لا يزال يتلمس طريقه في عالم الكتابة، وأتذكر أنني تحدثت معه مرة واحدة مبديا إعجابي بروايته “الرجع البعيد” التي كانت قد صدرت حديثا، فابتسم لي وشكرني بتواضع شديد.
بعد 26 عاما التقيته في معرض عمّان الدولي للكتاب، وقدّمت نفسي له فإذا به يعرف اسمي جيدا. يومها كان يعاني من المرض الخبيث، فتحدثنا قليلا عن الرومانسية الناعمة في مجموعته القصصية الأخيرة “خزين اللامرئيات” ونزعة الغوص النفسي فيها كما يشير الناقد محسن جاسم الموسوي في تقديمه لها. وشكرني على مقالة نقدية قديمة كنت قد نشرتها في منتصف الثمانينات عن مسرحية عُرضت في بغداد مكيّفة عن إحدى قصصه.
لعل أفضل مَن رسم شخصية التكرلي هو الشاعر العراقي المغترب هاشم شفيق قائلا “كان التكرلي رجلا خلوقا، مهذبا، هادئا، عالي المقام والرتبة، بجلاء وعيه وندرة تفكيره النيّر ووضوح مراده ومسعاه الأدبي، حين تحاوره لا يرفع من طبقة صوته، فهو إن تحدث لا يتحدث إلا همسا، ولا تستطيع أن تمسك عبر سياق حديثه كلمة غير لائقة، تحاول أن تخرج عن السياق لتخدش طريقة الخطاب، لكن ذلك كله قد تجده في رواياته وقصصه ونثره المستنير والبرّاق، لم يكن غير لبق في الحديث، أو مشاكسا أو متهكما، ساخرا من هذا وذاك، كرفيق طفولته وشبابه الشاعر عبدالوهاب البياتي، إنه العكس تماما، كان مثل صديقه ونظيره الثاني والمنافس الأكبر له في أيام الخمسينات الرائد عبدالملك نوري، ويمكن إضافة غائب طعمة فرمان أيضا إلى الشلة…”.
ولد فؤاد التكرلي عام 1927 داخل أسرة عريقة ومثقفة ذات مكانة اجتماعيّة متميزة في محلة باب الشيخ (عبدالقادر الكيلاني) المعروفة ببغداد، وكان جدّه محمد سعيد التكرلي نقيبا لأشراف بغداد. تخرج في كلية الحقوق عام 1949، وعُيّن “كاتبا أول” في محكمة بداءة بعقوبة، ثم عمل محاميا، وتولى مناصب قضائية كثيرة في العاصمة حتى أصبح قاضيا في محكمة بداءة بغداد عام 1964، لكنه لم يلبث في هذا المنصب طويلا، إذ حصل على إجازة دراسية في فرنسا وعاد بعد سنتين ليعمل خبيرا قانونيا في وزارة العدل، واستمر في عمله إلى أن طلب إحالته على التقاعد عام 1983. وفي عام 1990 غادر إلى تونس ليستقر مع زوجته التونسية الكاتبة والمترجمة رشيدة التريكي.
أفضل من يرسم شخصية التكرلي هو الشاعر العراقي هاشم شفيق حين يقول «كان التكرلي رجلا خلوقا، مهذبا، هادئا، عالي المقام والرتبة، بجلاء وعيه وندرة تفكيره النير ووضوح مراده ومسعاه الأدبي، حين تحاوره لا يرفع من طبقة صوته، فهو إن تحدث لا يتحدث إلا همسا»

عالمه القصصي والروائي
بدأ التكرلي بكتابة القصة القصيرة في سن مبكرة، لكنه نشر أول قصة له عام 1951 في مجلة الأديب البيروتية بعنوان “همس مبهم”، وأصدر ثلاثة مجاميع قصصية هي: “الوجه الآخر” (1960) “موعد النار” (1991) “خزين اللامرئيات” (2004).
يجد القارئ أن معظم قصص التكرلي يدور وسط أجواء تسودها الكآبة المظلمة: الشخصيات تعيش في ضياع كبير، وتعاني من الحيرة والقلق النفسي، وتتوق إلى الحرية، إلى الخروج من حرج اللحظة التي يكبّلها موقف اجتماعي أو سياسي.
في عام 1948 شرع بكتابة روايته الأولى “بصقة في وجه الحياة”، التي لم ينشرها إلاّ بعد نصف قرن، واصفا إياها في مقدمته بأنها “ثمرة فجة قُطفت قبل أوانها”. وعزا تأجيل نشرها إلى أنها تتحدى التابو الجنسي، وتتعاطى مع موضوعة “سفاح المحارم”، لذا لم يكن باستطاعته أن يغامر بنشرها في أواخر الأربعينات ويقضي على مستقبله، وهو لا يزال طالبا في الجامعة، فضلا عن وضعه العائلي الذي كان معقدا آنذاك. وحملت روايته الثانية عنوان “الرجع البعيد” (1980)، وقد استغرقت كتابتها أكثر من عشر سنوات، ثم أصدر ثلاث روايات هي: “خاتم الرمل” (1995)، “المسرات والأوجاع (1998)، “اللاسؤال واللاجواب” (2007)، إضافة إلى حواريات “الصخرة” (1986)، وحواريات “الكف” (1995)، وكتاب “حديث الأشجار” (2007)، وهو الكتاب الأخير ويضم ست قصص قصيرة وست حواريات ذات فصل واحد كتبها في السنوات الأخيرة من حياته.

تيار الواقعية التحديثي
كثيرا ما صنّف النقاد أعمال فؤاد التكرلي القصصية والروائية بأنها تمثل التيار الواقعي التجديدي أو التحديثي في الأدب العراقي أفضل تمثيل، وأنها تحرص على تقديم استقراء لتاريخ العراق المعاصر، خاصة في العقود الخمسة الأخيرة، وشخصياته كلها من الواقع الرافض كل قيد.
لكن التكرلي لم يرق له وصفه بأنه كاتب واقعي لأن في ذلك تحديدا وتضييقا لا فائدة منهما، وكان يرى أن الواقعية، بالنسبة إليه، ليست قانونا أو مذهبا ملزما، بل هي عملية تزوّده بالمادة الخام لأعماله القصصية والروائية. وبهذا المفهوم تبقى له حريته الداخلية لتشكيل الانسجام بين أفكاره وبين المادة التي يعثر عليها. أما صفة الحداثة والتجديد فكان يقر بها ويدافع عنها إلى درجة أنه نسبها إلى القصة القصيرة فقط دون الشعر، خاصة في العراق، ذاهبا إلى أن هذا النوع السردي كان يؤسس، في الخمسينات، موجة حداثة غير مسبوقة في العالم العربي، لكن قلّة من النقاد من التفت إليها لأن الثقافة العربية تحتفي بالشعر، رغم أن موجة الشعر الحر في العراق محض حركة مفتعلة، من وجهة نظره، ولم تأت بجديد، وكل ما أحرزته من تمجيد في العالم العربي سببه الدعاية فقط، وطريقة شعرائها (السياب، والملائكة، والبياتي) في الإعلان عن أنفسهم.
روايته الأولى «بصقة في وجه الحياة»، يؤجل التكرلي نشرها نصف قرن كاملا، واصفا إياها في مقدمته بأنها «ثمرة فجة قطفت قبل أوانها». ويعزو تأجيل نشرها إلى أنها تتحدى التابو الجنسي، لذا لم يكن باستطاعته أن يغامر بنشرها في أواخر الأربعينات ويقضي على مستقبله
تدور أحداث رواية “الرجع البعيد” في الأشهر الستة التي سبقت انقلاب 8 شباط 1963 في العراق، متوزعة بين مدينة بعقوبة وبغداد، وهي فترة حساسة أنتجها المخاض السياسي والتناقضات الاجتماعية والصراع الأيديولوجي، الذي لم يخل من العنف الدموي. ورغم أن الرواية تغوص في العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة وامتداداتها في القرابة والتزاوج، فإن شخصياتها، وهي كلها من الطبقة الوسطى (البغدادية) المتعلمة الفقيرة، والجاهلة الميسورة، ترمز إلى انتماءات أيديولوجية كانت سائدة في تلك المرحلة.
لقد دُرست هذه الرواية من منظورات مختلفة، وعدّها أحد النقاد “واحدة من أنجح الأمثلة العربية لما يسمى بالرواية متعددة الأصوات (البوليفونية)، مؤكدا أن مهارة التكرلي في السرد رفيع المستوى تستوعب الموضوعات الكبيرة (مثل: التغيرات الاجتماعية، ووضع المرأة في المجتمع التوليدي الذي يهيمن عليه الرجل) لتوليد تأويلات واقتراح استنتاجات مباشرة.
وتشكّل رواية التكرلي “خاتم الرمل” نموذجا للمآزق الوجوديّة التي يعيشها البطل المثقف هاشم، وهو هنا مهندس مرهف الحس، من أبناء الطبقة المتوسّطة، يعمل في بغداد، ويعشق الموسيقى، وينوء بأعباء غربة داخليّة نتجت عن تورّثه نوعا من القلق الذي صاحب نشأته، تضعه على مسافة طويلة من محيطه الاجتماعي، فيؤجّل زواجه من خطيبته إلى ما لا نهاية لأسباب نفسيّة محضة، ويعجز عن فسخ خطوبته في الوقت ذاته، ولذلك يتعرّض لحملات الكلام والتنديد، المبطّن تارة والسافر طورا، من شقيقة الفتاة المخطوبة وأسرتها وطبقتها. وتدفعه تلك الحملات، شيئا فشيئا، إلى الوقوع تحت حصار نفسي واجتماعي. ثم تتحول الحملة ضده إلى تهديدات متوالية ودعوات للإذعان والتخلّي عن المخطوبة مؤجّلة الزفاف، وفي النهاية يلقى مصرعه على يد واحد من الطامعين بالفتاة، وهو واحد من أصحاب النفوذ والهيمنة في المجتمع، وأحد أثرياء بغداد الجدد الذين يشكّل أغلبهم طبقة من الرعاع.

ورغم أن هذه الرواية ليست بضخامة “الرجع البعيد” و”المسرّات والأوجاع، وقد لا يكون لها الامتداد الروائيّ نفسه، فإنها تبدو دالّة على حالة أساسيّة هي أنها تتخذ، بكامل الوضوح في صفحاتها الختاميّة، بعدا احتجاجيّا لا غبار عليه. وهنا يكمن واحد من وجوه الرفض والتمرّد اللاصقة بكلّ عمل فنيّ أصيل، بمجرّد أنّ يترك المبدع المبادرة لعناصر عمله، تاركا إيّاها تحيا مأزقها العميق من دون توجيه قد تمليه رؤية أيديولوجيّة، قد ينبع من حذر شخصيّ، كما يقول كاظم جهاد.
صفة الحداثة والتجديد كان يقر بها ويدافع عنها إلى درجة أنه نسبها إلى القصة القصيرة فقط دون الشعر خاصة في العراق ذاهبا إلى أن هذا النوع السردي كان يؤسس في الخمسينات، موجة حداثة غير مسبوقة في العالم العربي،

المسرات والأوجاع
تمثل رواية “المسرات والأوجاع، التي وصفها صبري حافظ بأنها “رواية العصر الكبرى”، امتدادا لتوغل التكرلي في المزاوجة بين الهمّ الإنساني وبين المراحل التاريخية التي يتصدى لها، ويجعلها خلفية لأبطاله، والوقائع والأحداث التي يصورها. إنها تجسد مرحلة مهمة من تاريخ العراق، خاصة مرحلة الحرب العراقية الإيرانية التي ترصدها على نحو فيه الكثير من الدقة والرهافة. وقد تبدو متسعة في استشراف منحى زمني وتاريخي طويل ومتشابك لكنها ليست فضفاضة: فتوظيف الاستطراد، وأسلوب كتابة المذكرات، والانتقال من شخصية إلى شخصية ومن جيل إلى آخر، وتعددية الأمكنة، وتنوع جذور الصراع وموجهاتها بدت منسجمة تحيل بعضها إلى بعض ضمن بنية سردية هيمنت عليها تجليات الواقع. وقد تحولت هذه الرواية مؤخرا إلى فيلم سينمائي روائي أخرجه شيخ السينمائيين العراقيين محمد شكري جميل، وكتب له السناريو ثامر مهدي.

اللاسؤال واللاجواب
من مرحلة الحرب في “المسرات والأوجاع، ينتقل التكرلي في روايته الأخيرة “اللاسؤال واللاجواب” إلى مرحلة عصيبة من تاريخ العراق الحديث في منتصف التسعينات الماضية، مستعيدا الجرح الذي خلفه الحصار على الشعب، وراصدا فيها نصف سنة من حياة أسرة بغدادية، تعيش تحت خط الفقر، تتكون من أربعة أفراد هم المعلم وزوجته وابنتاهما، يقتسمون القليل من أرخص الطعام، والكثير من متاعب الحياة اليومية المحاصرة. ويضطر الأب إلى العمل سائق سيارة أجرة من السادسة مساء حتى منتصف الليل. ونكتشف من خلال هذه الأسرة تحولات العراق كله، فهي تعد نموذجا لأغلب الأسر العراقية التي عانت من صنوف القهر والحرمان نتيجة الممارسات السياسية الحمقاء للنظام، كما يلمّح التكرلي في أكثر من موقع. هذه التحولات الدراماتيكية أحدثت شرخا في بنية الأسرة العراقية، ثم جاء الحصار الجائر ليكمل فصول المأساة. ففي الوقت الذي لم يؤثر فيه هذا الحصار على النظام وأعوانه الذين كانوا “يرفلون في النعيم”، كان الأطفال العراقيون يسقطون مرضى الجوع ونقص التغذية، وكان الشعب يموت قهرا، فـ”العالم كله يجتمع ليقتل شعبا بأكمله، يقتله جوعا وحرمانا…”.
في ظل هذا الجور والظلم، يعثر بطل الرواية على كنز من المجوهرات في أثناء عمله الليلي على التاكسي، وبعد تردد وحيرة يحتفظ بها لنفسه كي يتغلب على قسوة الأيام وضنك العيش فيتبدل وضع الأسرة مسكنا ومعاشا إلى الأفضل، لكن الهواجس المقلقة تبقى ملازمة له، وفي النهاية يجد نفسه، في ضوء الفجر الكابي، متكوّما في إحدى زوايا الغرفة الواسعة ذات الأثاث الجديد، ملتمّا على نفسه كحشرة قبيحة في مصيدة، مثل غريغوري سامسا بطل رواية “المسخ” لكافكا، داخلا مرة أخرى في عالمه الثاني الذي لم يخرج منه.