رواية الرجع البعيد: امكانيات البقاء والتجديد

رواية الرجع البعيد: امكانيات البقاء والتجديد

كاثرين كوبهام
ترجمة: زيد العامري الرفاعي
ترتبط  الاحداث  في حياة الشخصيات الرئيسية (الخيالية) عند فؤاد التكرلي  في رواية الرجع البعيد (1980) وكذلك في روايته الاخيرة المسرات والاوجاع (1998)  ارتباطا خاصا - احيانا تلميحا واخرى تصريحا - باحداث معينة في تاريخ العراق الحديث. فمثلا تدور احداث  رواية الرجع البعيد في العراق في الفترة مابين عامي 1962 و 1963

حيث الانقلاب على عبد الكريم قاسم الذي نفذته  مجموعة  ضباط بعثيين وناصريين وقوميين. وفي مشهد رئيسي للرواية يغتصب عدنان منيرة: والنقاد مجمعون على ان منيرة تمثل وترمز للعراق او حتى لثورة 1958 التي اجهضت واختطفت  في عام 1963.1 غير انهم لم يتفقوا، في الاقل في ماهو مطبوع ومنشور، الى ماذا يمثل  عدنان على المستوى الرمزي، مع ان كثيرا من القراء يرونه انه يمثل حزب البعث، وقد طلبت الرقابة العراقية من المؤلف حذف شخصية عدنان باعتبارها حشو زائد لامبرر له والتي اصبح الكتاب بسببها طويلا (ولهذا طبع الكتاب في بيروت بدلا من بغداد.)

ولربما يعين  التمعن العميق، بطريقة تقديم شخصية عدنان وكذلك لمشهد الاغتصاب وتاثيراته على مجمل شبكة العلاقات في الرواية، في فهم اهمية هذا التفسير الرمزي. وترتبط قضية بكارة المراة وشرفها ارتباطا وثيقا بمشهد الاغتصاب. وقضية البكارة  موضوع مطروق كثيرا  في القصة العربية، غير ان الكاتب تناولها في هذه الرواية في سياق تصوير عميق لنقاط القوة والضعف الغامضتين في ثقافة  العراقيين وموروثهم الاجتماعي، ولعل صداها  الرمزي في الرواية  يفوق  ما لشخصيتي عدنان ومنيرة من رمزية. ان اضفاء الطابع الدرامي على  الاحداث السياسية من خلال استخدام الرموز، بمعنى ما، يخالف مخالفة تامة لاستخدامها  في الادب الدعائي. ولكن  اذا ما استخدمت هذه الرموز بشكل تبسيطي او اذا فسرت تفسيرا  سطحيا  جدا - كما يحدث في احايين كثيرة-  فستفقد حينئذ تاثيرها المنشود.
ويشير عنوان الرواية الى الاية الثالثة من سورة قاف(واذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد)  حيث يشكك المشركون  بيوم البعث والقيامة،  والرواية ملانة بايماءات الرجوع  للماضي، واستعادته، وانطلاقه من جديد وكذلك تشير الى  انقاذه واعادة بناءه عبر التذكر والذكريات. وبخصوص مسالة فقدان منيرة لبكارتها،  فقد تناولتها الرواية  في اطار كونها حادثة  يجب مساءلة وتفهم عواقبها الاجتماعية والنفسية والاخلاقية  الصارمة فضلا عن الاعتراض عليها، ولو بمضاضة وشدة، وعلى المدى القصير بلا نتيجة ايجابية.
ونجد ان الزمان والمكان في الرواية واضح  ومبين على وجه دقيق. وفي وصفه لكيفية شروعه لكتابة الرواية عام 1966 في باريس يقول التكرلي « كان هذا..... نصا اسثنائيا جدا موجه اساسا للعراقيين. ولاقول الحقيقة لم اكن معنيا بالعرب عموما في ذلك الوقت». وانصب تركيز  العمل اساسا على بيت قديم في باب الشيخ ببغداد (حيث ولد المؤلف عام 1927)؛ والذي كانت تعيش فيه  اربعة اجيال من نفس الاسرة. وفناء (حوش) البيت لاسقف له، وفي الطابق الارضي يشرف على هذا الفناء  دهليز   تنفتح عليه  غرف كل افراد الاسرة مثلما  ينفتح عليه الايوان ايضا  الذي تجتمع  فيه  الاسرة عند تناول الطعام وشرب الشاي. يقع باب الشيخ حول جامع عبد القادر الكيلاني  المتميز بقببه  ومنائره الكبيره ودقات ساعته. ويحيط بالحي الذي تسكن فيه الاسرة مقهيان، احدهما يؤدي الى  شارع الكيلاني  والاخر قريب من حي الاكراد الذي كان انذاك  منطقة فقيرة في شمال غرب بغداد اغلبية ساكنيه من الاكراد ومن الشيعة. ولا يوجد اي شي اخر في الرواية يرمز به  للعراق. كتب التكرلي  جزء من الرواية في باريس مثلما  كتب روايتيه الاخريتين  كاملة خارج العراق، غير انه يرى في كتابته وسيلة  للرجوع  للعراق ولم يكتب حول المنفى  على خلاف كثير من الكتاب العراقيين  في مقامه ممن يمثل لهم المنفى  الاستعارة الاساسية للحداثة.
تبدأ الرواية برجوع ام مدحت (نورية) وحفيدتها الصغيرة سناء،عند الغروب من السوق،  تاركتين وراءهما ضجيج شارع الكيلاني وهما  يسارعان الخطى في الطريق المترب الخافت الاضاءة المؤدي  للبيت ليدخلانه عبر بابه  الوحيدة الخارجية الثقيلة  التي تنفتح على مجاز مظلم  ينتهي بباحة (حوش) البيت.
ومع ان الفصل  بين عالم الداخل وبين عالم الخارج واضح المعالم منذ البداية، لكن  علاقتهما  مغلفة بالدراما باستمرار وبشتى الطرق. وحتى قبل ان تصل ام مدحت وحفيدتها  للبيت، تلاحظ ام مدحت   امامهما  في الزاوية  صورة شخص مالوف لديها: والذي يتبين انه حسين  ابو سناء وزوج  بنتها  مديحة التي هجرها. ان رجوع  حسين من بعيد (من الكويت حيث كان يعمل)، فضلا عن  اطلاق سلسلة من التلميحات  للعنوان-  والذي يكون قد مهد لتغيير مجرى الحديث في البداية بخصوص مغزى العنوان-  يقود الى تعرفه من جديد على نسيبه مدحت، الابن الاكبر للبيت، والى موت مدحت اخيرا.  والسبب الرئيسي لرجوع  حسين هو سبب سياسي؛ مثلما  تؤكد  زوجته   بانه شهد وراى  ذلك  منذ ان بدأ عبد الكريم قاسم يقول ان الكويت جزء من العراق، بدات الامور  هناك تسوء على العراقيين .
ونرى وجود علاقة  مختلفة  بين الداخل وبين الخارج مبنية بمهارة  يوضحها سلوك  كبار السن، اخت زوج ام مدحت وامه، ممن يحرصون على سماع مايدور في الخارج  والذين كانوا يرون  ان  مجتمعهم  ايام شبابهم   كان حقيقيا وواقعيا فعلا.4  وعلى مستوى عملي اكثر، فاليوم الذي اجبر فيه  الابن الصغير العصابي كريم نفسه للخروج من فراشه ليذهب للجامعة  كان يوما ميمونا بالنسبة لهم  اذ استطاع شراء  صنف  معجناتهم المفضلة  ليكمل ما اعتبروه اكلهم  المقيت في البيت.
وأتصفت طريقة حياة هذه الاسرة زمن وقوع احداث الرواية (1962- 1963) بالجمود وكانت في طريقها للزوال والاندثار، فضلا عن  ان بيوت مثل بيتهم كانت ايلة للهدم والزوال. ومع ذلك صورت الشخصيات بلغة شاعرية غنائية وبطريقة مثيرة في غاية التفصيل لتدل على مدى اندماجها وانشغالها  في حياة البيت. وربطتهم علاقة  حسية مباشرة بمحيطهم اكثر مما نراه في شخصيات روايته الحديثة جدا. وهذا مما يضفي  اهمية وقيمة لبعض مظاهر واوجه الحياة القديمة حتى بدون اعطاءها صبغة رومانسية. وكما يشير محسن جاسم الموسوي(1988)، ان هذه الصور الحية للشخصيات في اماكن  مختلفة من البيت ومن الازقة المحيطة به تشبه لقطات سينمائية ثابتة تسعى لايقاف الزمن او اعادة التقاط الزمن الضائع  وتقديم  لحظات مملوءة بالاشراق.
 بينما تبدء الرواية برجوع ام مدحت وسناء وقت الغروب الى  البيت، فانها تنتهي بموت مدحت وحيدا في الشارع  في  اجواء الظلمة والرطوبة في حي الاكراد. ومن السخرية ان نرى ان مدحت، مناصر الانانية الصحية ، الذي كان  فوق السياسة او بعيدا عنها، قد اصابته رصاصة قناص وهو يحاول العودة للبيت لزوجته الجديدة ولينقذ زواجه ونفسه،  معتقدا، اما بفعل غروره  وتبجحه او بفعل  سذاجته، انه يستطيع كسر الحصار.
ويحدث مشهد الاغتصاب، الذي سنتناوله لاحقا، في بعقوبة الى الشمال من بغداد. اذ تبدو هذه المدينة بالنسبة للعجائز في بيت الاسرة في بغداد  انها قمة  الحياة الريفية المليئة بالضجر، حيث يوجد فرع من الاسرة يعيش هناك.  اذ تزوجت بنت اخت ام مدحت،مليحة، رجلا عصاميا انجبت منه  ستة اولاد اكبرهم عدنان.
وتتغير صورة بعقوبة المخيفة التي ذكرت سابقا، الى صورة رائعة بفضل الجمال الريفي  للمكان حيث تقع اكثر احداث الرواية دموية وقسوة. وحتى عندما تغادر منيرة بعقوبة نهائيا، املة في الهروب من العار والذلة اللتين لحقتها من اغتصاب ابن اختها لها، الذي اعتقدت انه سلوى لها  في بيت اختها الخانق،  تشهد وتلاحظ النسيم البارد العطر القادم من البساتين وتشعر بلحظة حنين للاغاني والوجوه والهواء التي الفتها هناك.
ان عدم اندماج عدنان بمحيطه وبيئته وقلة اتصاله بهما،يشعره انه ليس بحاجة  للاخرين، ويجعل منه  كذلك  شخصية ضحلة  اما صدفة او عن قصد. والذي يراه الناقد صبري مسلم(1983)، وربما بلا انصاف، بانه يشبه شخصية النذل الخسيس في القصص الشعبية.6  وفي رواية  مشهورة بتقنية تعدد الاصوات فيها، لم تقدم لنا  الاحداث  من خلال رؤية  عدنان لها،  بل انها  قدمت لمحات  منحازة عنه  عبر  عيون ناس اخرين، بطريقة تجعله يبدو  احيانا  ليس اكثر من كونه صورة  كاريكاتيرية  لوغد من الاوغاد او من الرعاع  او، بصورة اقل سلبية، ممثلا لحداثة مليئة بالحيوية  لكنها  غامضة مشوشة  وبلا جذور.   ومع كونه  شاب وغير متعلم،  إلا أنه ييتوفر على سلطة وقوة غير متناسبة  والتي لم يفصح عن مصدرها. وبعض هذه القوة ناتج من  فقدان  الوازع الاخلاقي وانضباط النفس عنده، خاصة عندما يتعلق الامر باستخدام القوة الوحشية المفرطة،  وبعضها الاخر نتيجة   ارتباطاته بحزب سياسي غير معروف.
ويفرض عدنان نفسه اولا على الاحداث عندما ياتي لبيت  باب الشيخ  يبحث عن منيرة بعد ان غادرت بعقوبة. وبالرغم من ان القارئ لايعرف حتى هذه اللحظة  اي شي عن الاغتصاب، فظهور عدنان غير المتوقع يجبر منيرة ان تعيش حادث الاغتصاب في ذهنها. لااحد سوى منيرة يفهم لماذا جاء بطريقة فظة للباب يبحث عن خالته، بوجهه الغاضب، وقميصه غير المزرر،.....  حتى بدون القاء التحية، ويعزو الجيل القديم  هذا السلوك  لسوء اخلاق الشباب الحديثة، وفي حالته على وجه الخصوص،  يعزوه لابيه  الغني (الذي  يتصف  بكرش كبير لتظنه انه شيخ عرب) في طريقة تعامله معه  وتساهله في اسلوب حياته، لدرجة انه لايمانع  من قيادته   لسيارة بسرعة  بين بغداد وبعقوبة متى ما ركبه الطيش والغرور.
وحسين الذي يحتقر عدنان ويزدريه،  يخبر مدحت ان ابا عدنان رجل  امي ويرفض –اي حسين- عدنان نفسه باعتباره مراهق مدلل، نزق، وغير مهذب. لكن عندما يدخل عدنان الى بار  اوانيس، وهو مكان وجود حسين، يتم تصويره  على انه شخصية ذات كاريزما مريبة: طويل، بلا ربطة عنق.... شعره الاسود اللامع يتدلى بلا انتظام على جبهته.  ونقطة ضعفه هي خالته منيرة. وحسين مفتون لرؤيته  مرتبكا فقد اتزانه ويصبح  «اثول مثل النعجة»  حينما يذكر  مدحت اسم منيرة، لكن  عندما يتطرق الحديث في البار للامور السياسية،  يكون عدنان هو صاحب الشان، وفي حوزته سر ما. 7  يدعي ويزعم انه هو وشركاؤوه يعرفون اين  مكان الدب (يعني عبد الكريم قاسم)  وسيقتلونه، منتحلا دور ممثلي الشعب، المسؤول عن المطالبة بحقوقهم. ورواد البار هم ممن لايحبون الخوض  في حديث  السياسة، بينما عدنان متبجح وسريع الاستشاطة والامتعاض. اخيرا، يتحداه احد السكارى:
على اية حال، من انت؟
من نحن؟  تضيق عيناه وبدى كانه على وشك ان يشرع بخطاب. ثم  يرميه بنظرة احتقار واستهزاء  متحولا عنه، قائلا ستسمع منا عما  قريب جدا .
وعدنان هو الذي ياتي فيما بعد  بنبأ  وفاة مدحت. في السرد ياتي هذا الامر قبل ان  يعلم القارئ الاحداث الفعلية  التي تقود لوفاة مدحت، من وجهة نظر مدحت في الفصل الاخير. ونرى الاسرة  أنها معزولة الان في باب الشيخ تماما.لانهم تحيروا  بغياب مدحت ليلة زفافه (فلم تخبرهم  منيرة بالطبع انه تركها وغادر  في الساعات القليلة حين اكتشف  انها ليست  عذراء)، ويتخذ الوضع بعدا اخرا  في العنف الذي مهد للانقلاب على عبد الكريم قاسم وبعد الانقلاب واعدامه. من ناحية اخرى،   يشار للاحداث السياسية  تلميحا من خلال منظور كريم الذي يرى هذه الاحداث  انها قوة ضاغطة اضافية  تفاقم عنده حالة الشعور بالقدر الوشيك  الوقوع: تلك الظهيرة، اذ سقط المطر بعد اعلان اعدام عبد الكريم قاسم،تحسست حالة طعم غريب في فمي  وقلت لنفسي  عما قريب ساكون ميتا.  وهو يتحدث عن ابويه  اللذين يتوقعان الاسوأ حتى قبل التاكد من وفاة مدحت. وعلى خلاف عادتهم  المرحة في الاجزاء الاولية من الرواية،  فانهم يقضون معظم وقتهم داخل الغرفة:  قد يكونون ادركوا.... انه بمحض المصادفة المميتة  ان مصير مدحت وقدره مرهون بحالة  الاضطرابات في الخارج. وياتي عدنان، مصحوبا بحسين، بخبر وفاة مدحت. وحين يراهما كريم لاول وهلة، كان الاثنان جالسين على المصطبة الخشبية في الطابق الارضي ينفثون دخان سجائرهما  بقوة. ويلاحظ ان عدنان يرتدي الخاكي  ويبدو منفوخا بالغرور، و كريم  ممتعض من طريقة  مخاطبة امه لهما  بنغمة صوت خاضع متذلل. ثانية هناك عنصر كاريكاتيري في التصوير الساخر  لعدنان باعتباره عنصر  من الميليشيا  يستمتع   بموقع سلطته  القلق. ولكن هذه هي اللحظة الحاسمة حين تتاكد الاسرة الخائفة من المصيبة بانها  قد وقعت، وبسخرية كئيبة ان عدنان هو من يقدم لمنيرة التاكيد الرسمي لوفاة زوجها، مع انه يبدو  مرتبكا  وخجلا جدا.  متاسف خالة منيرة، لكنني اعتقد انه مدحت.... هذه بطاقة هويته الشخصية. اخذتها من المجموعة، اصدقائي. فلقد وجدوها في جيبه. انا متاسف. اقدم تعازي الحارة.
وفي الجزء المتعلق بمنيرة في الرواية (الفصل التاسع) نعلم ان فكرتها في البداية  عن عدنان كانت ايجابية اساسا  بسبب حماسه ونشاطه   وحديثه عن السياسة والافلام  واصطحابها خارج البيت بسيارته  للتفسح ولكي يهربوا من جو البيت الخانق في بعقوبة. وكانت منيرة  حريصة ومتشوقة لمعرفة سبب خوف ابويه وفزعهم منه وتتساءل على نحو غير مؤكد ان كان هذا بسبب ارتباطه بالحزب ام غضبه الجامح الذي يظهره احيانا. ويبدو انها في منأى  ومأمن من هذا الغضب ومن اي اعتداء جنسي،  لانها ساذجة او بريئة وثملة بجو الحرية والحداثة الذي  ينضحه هو.
 وغالبا مايرى النقاد منيره انها رمز  مدمر ومحطم للبراءة وللجمال، فضلا عن كونها  ايضا رمزا يشمل الامة، او الثورة  وقد خانتها  وشوهتها البرجوازية الخائفة (ممثلة بالاخوين مدحت وكريم في الرواية).
وتوحي بهذه الفكرة على مايبدو وبصورة جزئية، بنية تعدد الاصوات في الرواية، والتي فيها مقطع واحد فقط، مع انه بالغ الاهمية، منطلق من وجهة نظر منيرة. ولابد ان يكون السبب الرئيسي وراء ذلك هو طريقة رؤية  كل من مدحت وكريم  لمنيرة باعتبارها رؤية مسلطة من الخارج فضلا عن كونها رؤية القرابة  الحميمية، ويمكن اعتبارها ايضا زاوية ضوء وجمال  خارج الزمان والمكان. ورغم ان كلاهما وضعا امالهما فيها ولم يستطيعوا تحقيقها – مما جعلها تفكر في اوقات مختلفة انهما وسيلتها للنجاة والبقاء - ومن ثم بسسب انانيتهم  وجبنهم او عزلتهم التي فرضوها على انفسهم(برجوازية خائفة حقا!)، تركوها تتهاوى بقسوة وبشدة، ولايدين التكرلي فعل شخصياته التي ركزت احلامها على امراة. وحقا، فرواية المسرات والاوجاع تضع تركيزا اكثر على العلاقات بين  الرجل وبين المرأة وعلى الحد الذي يمكنهما من تجاوز وتخطي العوائق والمخاوف الخارجية.
والخاصية الاكثر اثارة في وصف منيرة هي الطريقة التي يضع بها المؤلف  صورة مزدوجة عنها، مؤخرا مقطعها الى نهاية الكتاب، لذلك قد يجد  القارئ للحظة  ان السطور الافتتاحية لاتنسجم مع  شخصيتها. يبدء قسمها (الفصل التاسع):
جالسة كنت، على سريري في غرفة العجائز نصف مضطجعة، اقرأ رواية. بدت ممتعة في البداية غير انني بدات افكر واعتقد ان الكاتب  ظل  طريقه حينما كلمتني. فهي لاتحب رؤيتي مستغرقة  في شي هي لاتفهمه.
ويلاحظ هنا ان  المفردات في النص اعلاه تميزت بالفجائية والمباغة.  منيرة تنتقد  سلوك امها، ان لم تكن متعجرفة معها:  كانت تدخن سيجارة طويلة وتمضع كلماتها مثلما تمضغ علكا. لطمت وجهها مرتين براحة يدها. وكرهت هذه الاشارة لانني لاول مرة اراها تفعل ذلك. ويظل  هذا التصور السلبي  عنها مستمرا الى بقية الرواية عندما يخفق كريم في الاستجابة لحبها  واحباطها، برغم حبه المعلن لها، ومدحت عاجز ان يقبل بحقيقة كونها غير عذراء عندما تزوجته  وانه اقل تحررا من التقاليد مما ظن سابقا.
اذا كان عدنان رمزا لحزب البعث- او في الاقل تمثيلا له-، فيجب ان تكون منيرة حقا بمعنى من المعاني  رمزا مجازيا عن العراق، ولكن لنرى كم ينفعنا هذا في تفسير شخصايتهم، علينا تناول مسالة الاغتصاب ببعض التفصيل. ان الجزء المتعلق بمنيرة هو احد الاجزاء القليلة المكتوبة بضمير الشخص الاول المتكلم، ثم نلحظ  تحول وانتقال سريع للسرد بصيغة الشخص الثالث  في وصف الاغتصاب، على رغم  ان نظرتنا  اليه تظل كلية من خلال منظورها هي له.  ولربما يكون هذا  هو الاسلوب المناسب الذي  يجعل منيرة تفكر في  طبيعة  الموضوع المحرم  تفكيرا دراميا، وهو الامر الذي لم  تطلع  عليه  ابدا اي شخص بل لم يسعها العثور على  وسيلة اخرى  تخبر بها  من سيتزوجها فيما بعد.