هل يستحق الجادرجي أرفع جائزة عربية؟

هل يستحق الجادرجي أرفع جائزة عربية؟

محمد عارف
«للقلب أسبابه التي لا يعرف العقل عنها شيئاً»، يقول ذلك عالم الرياضيات الفرنسي «بلاز باسكال». وقد ابتهج قلبي حين أخبرني راشد العريمي، الأمين العام لـ»جائزة الشيخ زايد للكتاب»، بفوز المهندس المعماري والمفكر العراقي رفعة الجادرجي بالجائزة الخاصة بالفنون. وقال العريمي إن هاتف الجادرجي المنزلي في لندن لا يرد،

 وسألني أين يمكن العثور عليه. وعندما عثرتُ على الجادرجي في منزله البحري في لبنان لم أهنئه بالفوز. لقد عجز عقلي عن إدراك أسباب قلبي المبتهج، واكتفيتُ بالقول إن مكالمة ستأتيه من أبوظبي!
وهذه ليست أول مرة يبتهج القلب بالجادرجي لأسباب لا يدركها العقل. ففي خضّم حرب الخليج عام 1991 دُعيت لحضور ندوة حول أعماله المعمارية. شارك في تنظيم الندوة قسم الفلسفة في «جامعة هارفارد» و»قسم العمارة» في معهد «ماساشوستس» للتكنولوجيا MIT في بوسطن. وناقش مؤرخون وفلاسفة أميركيون نظريات الجادرجي في العمارة، فيما كانت محطات التلفزيون حول العالم تنقل صور الدمار الذي أحدثه القصف الجوي بمركز الاتصالات الذي بناه في بغداد، والذي بدا كتمثال تجريدي متداع يتلاعب الهواء بأحشائه العارية.
لم يذكر الأكاديميون الأميركيون شيئاً عن ذلك، لكن قلبي لأسباب لا يدركها العقل، كان مبتهجاً وأنا أتابع نقاشهم حول نظرية الجادرجي التي تعتمد على تداخل علوم الأحياء والأنثربولوجيا واللغة والعلوم الهندسية الصرفة، مع الفلسفة والجمال. وتجنّب الجادرجي نفسه ذكر بنايته المدّمرة، مع أنها كانت تخيم على حديثه عن الشكل المعماري الذي «يتحرك ما أن يولد، ويخطو خطوة ذاتية حرة، وخطوة أو حركة غير مستندة إلى العوامل التي ولدت الشكل في الأساس». ويصبح الشكل «عاملاً من عوامل تكوين تغيير المجتمع الذي ولده، بل يبدأ يؤثر في مجتمعات أخرى بعيدة عنه تاريخياً وجغرافياً»!
هل تعود بهجة القلب إلى يأس مطبق يقول عنه الأديب الروسي دوستويفسكي إنه «يثير لذة شديدة، خصوصاً عندما يكون الشخص مدركاً بشكل حاد لوضعه الميؤوس منه»؟ وهل دفع الوضع الميؤوس منه الجادرجي إلى أن يصمّم في السنة الثانية للاحتلال، علماً عراقياً أثار الاستياء العام في الداخل والخارج؟ وهل هناك وضع ميؤوس منه أكثر من مساومة المجتمع العربي والدولي مع محتلين انتهكوا شرعة الأمم المتحدة واتفاقات الاحتلال الدولية؟ ورغم معرفتي بذلك، شاركتُ في الهجوم بقسوة شديدة على الجادرجي في مقالة منشورة هنا في الخامس من يونيو عام 2004، لأنني أؤمن بأن «الحقيقة ضد العالم»، كما يقول المعماري الأميركي «فرانك لويد رايت». وهذا الأخير واحد من أهم ثلاثة معماريين في القرن العشرين زاروا العراق ووضعوا له تصاميم معمارية، وتركوا بصماتهم في ذهن المهندسين العراقيين. بين هؤلاء المعماريين الألماني «والتر غروبيوس» الذي يقول: «ليس سوى العمل الذي ينبثق عن قوة داخلية لا تقاوم، يمكن أن يكون له معنى روحي». وأتمنى أن يملك هذا المعنى كتاب الجادرجي «في سببية وجدلية العمارة» الذي اختير من بين 15 مشاركة في فرع الفنون، وذكر بيان فوزه أنه «جمع فيه بين حس الفنان وتأمل المفكر، وقدّم فيه منظوراً جديداً لمحددات فن العمارة... ليخلص إلى بلورة رؤية جدلية للمعاصرة مشبعة بالقيم الجمالية ومنخرطة في الكونية في آن واحد».
وحظ الجادرجي مع العمارة والكتب كحظه مع الحياة، يراوح ما بين السجن والقصر. ففي عام 1977 اعتقل وحكم عليه بالسجن المؤبد، بتهمة تقاضي عمولة عن مشروع تقيمه في العراق شركة «ويمبي» البريطانية. وبعد نحو سنتين في السجن، قضى منها شهرين في زنزانة الإعدام، نقل مباشرة، وهو بملابس السجن، إلى القصر الجمهوري، وطلب منه الرئيس الراحل صدّام حسين الإشراف على خطة معمارية كبرى لإعمار بغداد! وكان الجادرجي قد وضع في السجن كتابه الجميل عن العمارة العراقية «الأخيضر والقصر البلوري» الذي ستتوارثه أجيال الباحثين وطلبة الهندسة المعمارية. يقع الكتاب في 550 صفحة، وهو موسوعة فريدة تضم معلومات وصوراَ فوتوغرافية وتخطيطات هندسية تحكي قصة تطور العمارة العراقية منذ عصور السومريين والبابليين، عبر عصور النهضة الإسلامية، وحتى نهاية القرن العشرين. وكمعظم إبداعات العراقيين في أعقاب حرب الخليج عام 1991، لم يُحتف بذلك الكتاب ولم تصدر منه لحد الآن طبعة جديدة.
والجادرجي الذي يبلغ هذا العام الثانية والثمانين من العمر، مثال حي على أن «الثقافة تجعل الحياة تستحق أن تُعاش»، حسب الشاعر الإنجليزي «إليوت». ولا أعتقد أن هناك زوجين في العالم يعيشان حياة ثقافية أكثر غنىً من حياة الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة، وهي باحثة سابقة في جامعة هارفارد في موضوع «انثروبولوجيا الطعام العربية». ولا أستبعد أنهما خطّطا منذ الآن لعيد الجادرجي التسعيني! ففي السبعين لم يبدأ الجادرجي خريف العمر بل ربيع الحياة، والذي استّهله بإلقاء محاضرات في ندوات حول العالم، وشرع بتطوير نظرية علمية يتضمنها كتابه الفائز بجائزة «الشيخ زايد للكتاب» والتي تعادل قيمتها أكثر من مائتي ألف دولار.
وإذا كان «الأذكياء»، وفق تصور السياسي البريطاني «ونستن تشرشل»، يبدؤون حياتهم يساريين وينهونها يمينيين، فالجادرجي بقي مخلصاً لأفكار «عمارة الحداثة» التي تؤمن بأن التقدم التكنولوجي يوفر الإمكانات لإقامة مساكن مضيئة ونظيفة وإنسانية لجميع البشر. ورغم انهيار أحلام القرن العشرين الإنسانية، واصل الجادرجي الدفاع عنها، وفضح عمليات تلويث البيئة «بسبب تصنيع طائش يلهث وراء الربح السريع من دون وجود فكر سياسي أو ديني واع، أو مهتم يوقفه عند حده». وانتقد بالأسماء نجوم العمارة العالمية الجديدة الذين «انشغلوا بشكلية الشكل بعيداً عن مواجهة إشكالات التلوث البيئي والسكاني والذوقي... وانقادوا وراء الربح السريع المتصاعد والسريع.. وفقد المعمار إنسانيته بقدر ما عجز عن التجاوب مع واقعية متطلبات المجتمع، وفقد المجتمع إنسانيته وتبلّد بالقدر الذي أصبح فيه يتعامل مع عمارة بليدة».
وفي سن السبعين، اكتشف الجادرجي أن «المرأة البدوية آخر المعماريين الأصليين في العالم، وأن العمارة سقطت عندما ظهر المهندسون المعماريون إلى الوجود»! فالمرأة البدوية هي التي «تصمّم الخيمة في ذهنها وتغزل الصوف لها وتحيكها وتنصبها وتفككها وتحملها على الدابة... وللمرأة في مجتمعات البداوة موقع مهم، حيث تنساب المعرفة بشكل متكامل بين مختلف مراحل الإنتاج، والكل متساوون غير متفاضلين، والمعماري هو الفرد الماهر بين الجماعة من دون تمييز».
ويبقى السؤال يطرح نفسه في كل عام، ومع كل فائزين جدد: من يستحق أرفع جائزة ثقافية عربية؟ ولن يكون العثور على الجواب سهلاً بالنسبة لممثلي جيل جديد من مثقفين عرب يديرون «جائزة الشيخ زايد للكتاب». ذلك لأن «الحياة لن تتوقف قط»، كما يقول أهم معماريي القرن العشرين، وهو السويسري الفرنسي «لي كوربوزيه» الذي صمّم ملعب كرة القدم في العراق: «وستبقى معاناة الناس أبدية، ما لم تعتبر وظيفة الإبداع، والعمل، والتغيير، والعيش المترع، كل يوم متعة دائمة».
عن جريدة الاتحاد الاماراتية
- هذه المقالة نشرت بعد حصول الجادرجي على جائزة الشيخ زايد للكتاب