رفعت الجادرجي... المهندس يتغلّب على الأديب

رفعت الجادرجي... المهندس يتغلّب على الأديب

زينب عساف
لم يكن تصميمه للعلم العراقي الجديد بعد سقوط النظام سبب شهرته الوحيد، فالمعماري رفعت الجادرجي معروف في العراق بالمهندس الذي صمم أول نصب للجندي المجهول في بغداد، أيام عبد الكريم قاسم، وكذلك النصب التذكاري لثورة 14تموز إضافة إلى منجزات وطنية أخرى. إلا أن تصميمه لهذا العلم أثار الكثير من ردود الفعل،

 ولاسيما حين شبّهه البعض بالعلم الإسرائيلي. الجادرجي الفائز بجائزة الفنون لهذه السنة أكثر من مجرّد مصمم لعلم ٍلم يتمّ اعتماده، إنه أحد أشهر المعماريين العراقيين الذين ارتفعوا بالعمارة التقليدية إلى مستوى الشكل التجريدي.
«جدار بين ظلمتين»، يستحق كتاب مماثل جائزة أدبية لما يرصد له من معاناة زوجين، أحدهما خلف الجدار والآخر أمامه. لكن... كلاهما في سجن. إلا أن رفعت الجادرجي، الذي ألّف هذا الكتاب مع زوجته، لم ينل جائزة الشيخ زايد الأدبية بل... الفنية. الرجل الذي كان حكم عليه وعلى عقيلته بلقيس بالسجن المؤبد أمضيا منها سنتين في عهد أحمد حسن البكر، ثم خرجا لينشرا كتابهما الشهير. يعتبر رفعت من خيرة المهندسين المعماريين الذين قدموا للعراق أهم الإنجازات وأجمل الأبنية.
ولد المعماري والفنان التشكيلي في العام 1926 في مدينة بغداد، حصل على جائزة أغاخان للعمارة في العام 1986. وهو أحد الشركاء في مكتب الاستشاري العراقي الشهير في بغداد. من أعماله مبنى وزارة الصناعة ومبنى نقابة العمال والبدالة الرئيسية في السنك والبرلمان العراقي. وله أعمال فنية أخرى، فهو المصمم للقاعدة التي علق عليها الفنان جواد سليم نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد، كما أنه قام بتصميم نصب الجندي المجهول الأول في الستينيات من القرن العشرين في ساحة الفردوس.
تأثرت أعمال الجادرجي المعمارية بحركة الحداثة في العمارة، ولكنه حاول أيضا أن يضيف إليها نكهة عراقية إسلامية. لذلك جاءت معظم واجهات المباني التي صممها مغلفة بالطابوق الطيني العراقي وعليها أشكال تجريدية تشبه الشناشيل وغيرها من العناصر التقليدية.
وعليه وصل الجادرجي بالعمارة التقليدية إلى المستوى الشكلي التجريدي، فأصبح ينظر إليها كمنحوتة فنية لها خصائص تقليدية مجردة حسب مفهومه، لكنه لم يتعامل مع الفراغ المعماري بتلك النظرة التحدارية أو بتلك الخلفية التقليدية، فعندما نشاهد مساقطه الأفقية نجد أنها في كثير من الأحيان تكون مساقط أفقية مستوحاة من الحداثة. وللجادرجي، المقيم حالياً في لندن، العديد من الكتب حول العمارة، ومعظم كتاباته في التنظير المعماري، وقد حاول النظر إلى التركيبة الاجتماعية-العمرانية في العالم العربي. من كتبه «ص طه وهامر سيمث» و «الأخيضر والقصر البلوري».
يقول الجادرجي في لقاء أجرته معه إنعام كجه جي: «صدام حسين لديه حس غير مهذب للفن، لذا أدخل إلى العراق نوعاً من المعالم والتأثيث الذي كان السبب في تشويه العمارة في البلد»، ويضيف أنه ضد هدم سجن «أبو غريب» الذي كان يوماً نزيله، لأنه جزء من الذاكرة العراقية، وهو «سجن متميّز جداً من الناحية المعمارية، رغم الأحداث المؤسفة التي وقعت فيه في الماضي والحاضر».
الجادرجي يعلن في المقابلة نفسها بأسى: «لم تبقَ للمجتمع العراقي أبنية كثيرة جميلة ومهمة تاريخياً، لكنني أقول إنني أتعاطف مع كل بناء جميل، سواء كان من تصميمي أم من تصميم غيري، فالعمارات جزء من ذاكرتي ومن إحساسي بالوجود