قابلت  موسوليني  مرتين

قابلت موسوليني مرتين

قابلت موسوليني مرتين اثنتين الاولى سنة 1925، وقد كانت هذه الزيارة وانا وزير للداخلية، وكنت في طريقي للاصطياف، وكان وزير ايطاليا المفوض في مصر قد افضى الي قبل سفري بان رئيس حكومته يريد ان يتحدث الي، وكانت مقابلتي له هذه المرة غير رسمية.
ولقد كان موسوليني وقتئذ في اول عهده بالرعاية، ولكنه كان قد بدأ في تطبيق طرائفه في الحكم، وكان الناس يتحدثون عن إصلاحاته الكبرى.

واذكر انني حينما دخلت عليه اقبل علي، واستقبلني من اول الفرقة التي اتخذها مكتباً له، وكانت غرفة كبيرة جدا في وزارة الخارجية الايطاليةن لا في قصر فيليسيا الذي كان مقره بعد ذلك. وقد جلسنا معا على مقعدين بجانب المكتب. وكان وقتئذ نحيفا، وكان يقال عنه إنه مريض  بقرحة في المعدة، ولم يكن كما رأيته مرة اخرى بعد سبع سنوات.
واخذ موسوليني يتحدث معي، ولا اذكر حديثه، ولكني اشعر بان الرجل كان شديد المقت للنظم النيابية التي تحول دون رقي البلاد بسبب ما ينجم عنها من خلافات شخصية بين المشتغلين بالسياسة.
وكنا نحن في مصر قد حصلنا على الدستور، فكان وضعي مربكا بعض الشيء، واذكر انه كلمني في مسألة تعيين الحدود بين طرابلس ومصر مما كان موضوع حديثي الآخر معه عند إجراء الاتفاق.
والذي كان يلفت نظري في كله عيناه اللتان يصعد منهما بريق، وتكاد نظرتهما تخترق الحجب، وهنا استميح صديقي الدكتور حافظ عفيفي باشا في مخالفته فيما ذهب اليه في مقال له من ان هذه النظرة كادت تجعله يغرق في الضحك..! فالذي كنت اشعر به هو عكس ذلك، هو شعور الاحترام خصوصاً حينما كان الرجل يذكر الاصلاحات التي كان يقوم بها في ذلك الحين.
واما المرة الثانية التي زرته فيها، فقد كانت زيارة رسمية في قصر البندقية، ولم تكن المقابلة تختلف عن الاولى إلا انه في هذه المرة قدم لي باسم ملك ايطاليا اربع وسام بيده.
وقد بادلني الزيارة ودعوته في المفوضية المصرية وتكلمنا طويلا في المعاهدة المصرية الخاصة بالحدود. وقد قيل الشيء الكثير فيها وكل ما قيل في الطعن عليها لا يتفق مع الواقع.
واني بهذه المناسبة اقول باختصار ان هذه المعاهدة تتلخص في كلمتين اننا اعطينا جغبوب لايطاليا في مقابل 12 كيلو مترا على الشاطيء غربي السلوم اخذتها مصر. وهذه المساحة توصل السلوم ببئر للمياه العذبة. والذي حدا بالحكومة المصرية في ذلك الحين الى قبول هذا الاتفاق شيئان: الاول ان جغبوب وهي واحة تبلغ مساحتها عشرة افدنة فيها نخيل، وضريح للسنوسيين، وليست لهذه الواحة اية قيمة حربية. والوصول منها الى البلاد المصرية لا يتاح إلا باجتياز جبل شاهق يفصل بينها وبين واحة سبوه مضيق صغير من السهل الدفاع عنه بينما المنطقة التي اخذتها مصر هي ربوة عالية تحكم السلوم والخليج الواقعة عليه. ومن السهل ان تدرك ذلك إذا ما تذكرت ان دخول الغزاة في الحرب الحاضرة لم يكن من جغبوب بل عن طريق السلوم.
ثم إنه بينما الثابت قطعا ان منطقة السلوم لم تكن من املاك مصر إذ توجد فيها حتى الان مخافر من آثار الدولة العثمانية، فانه لا نزاع ايضا في ان جغبوب هي ايضا من اعمال الدولة العلية، وغريب ان الايطاليين عندما قدموا مستنداتهم اتوا بتقرير للمرحوم مصطفى ماهر بك (باشا بعد ذلك) الذي كان مديرا للبحيرة وطلب منه قمع الثورة التي قامت في واحة سيوة وقد قال في هذا التقرير ان هناك الى الغرب من سبوة واحة صغيرة تدعى جغبوب من املاك الدولة العلية. واتوا ايضا يكتب الجغرافية التي تولت طبعها وزارة المعارف المصرية. وفيها ان حدود مصر تسير بين واحة سيوة وواحة جغبوب، وانا لا استطيع ان ازيد على ذلك لان الظرف لا يسمح.
واعود الى موسوليني وحديثه معي في المرة الثانية، فقد استمر طويلا يحادثني. واذكر ان اشتغال الرجل بالاصلاح كان شديدا الى درجة انه سألني عن الطريق الذي سرت فيه بين نابلي ورومة وهل كان حسنا، فاخبرته انه عظيم عدا المكان الذي ينتهي من نابلي فانه يشعر بقلق بسيط، فاجاب انعشم ان تعود في اصطيافك من نفس الطريق، فتجده معبداً، وقد كان.
وهنا كلمني عن تقدم إيطاليا وقوتها، والرقى في كافة نواحي الحياة السياسية والقومية، فقلت له:
- ولكن هل استطعت ان ترقى باخلاق الايطاليين الى ما تتوق انت اليه؟
فقال لي:
- إني اعني بتربية الشبيبة، وهي التي ستكون ايطاليا الجديدة، واني اعتقد ان الشبيبة الايطالية الان لا تقل في قوة الاخلاق، وفي العلم عن الشبيبة الالمانية.
ولكن موسوليني على ما ظهر كان واهما حينما قال لي هذا الكلام ولم يقدر استعداد اهل بلده للرقى الاخلاقي حق قدره.
وهذا هو سر الانقلاب وسر الفشل الذريع في مشروعاته السياسية والحربية.

الأثنين والدنيا / شباط- 1945