غوستاف فلوبير 1849…  أوروبيون أكثر شرقية من الشرقيين

غوستاف فلوبير 1849… أوروبيون أكثر شرقية من الشرقيين

رامي أبو شهاب
بينما نقرأ رسائل فلوبير إذ نعثر على رسالة موجهة لصديقه الدكتور جولي كلوكي، وفيها نقرأ تحليلاً عابراً  لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في مصر إبان الفترة التي شهدت رحلة فلوبير إلى الشرق 1849. تنطوي الرسالة على سياق محفوف بقراءة لمجريات الأمور، فيما كان يعرف بالشرق الأدنى.
يصرح فلوبير قائلاً: … يبدو من المستحيل لي تقريباً ألا تصبح إنكلترا في غضون وقت قصير سيدة مصر. عدن مملوءة بقواتها، وعبور السويس يجعل وصول المعاطف الحمراء (الجنود الإنكليز)

 إلى القاهرة في صباح يوم جميل في منتهى اليسر (ص95). ومع أن هذه الملحوظة جاءت من لدن أديب مغمور حينها، بيد أنها تحمل بين طياتها، وظيفة المُعاين والمشاهد لمصر وواقعها، ولاسيما هشاشتها حضارياً وسياسياً، ومن جهة أخرى هي تبصّر سياسي حول فضاء خالٍ، أو صالح للملء من قبل قوتين كبريين، هما فرنسا وبريطانيا.
يلاحظ فلوبير تمركز القوات الإنكليزية، وما يمكن أن يقوم به الإنكليز للسيطرة على مصر، التي تتحول في وعي فلوبير إلى «كعكة»، أو بعبارة أخرى ينظر لها بوصفها متاعاً سائباً، ومع ذلك، فإنها تعدّ شيئا ثميناً وسحرياً. ثمة إذن إحساس بالحسرة لأن هذا التكوين الأسطوري والسحري للشرق ممثلا بمصر، والأهم من كل ذلك قيمتها الاستراتيجية تبدو غائبة عن وعي فرنسا (ما بعد نابليون)، فالكعكة في الفرن جاهزة على حد تعبير فلوبير، فالسيطرة على مصر لا تحتاج لأكثر من عشرة آلاف جندي فرنسي، هذا يأتي بالتراصف مع قراءة المعطيات على الأرض، ومنها مواقف الموظفين الأوروبيين الذين سيسارعون إلى الانقلاب ضد الحكومة، ما يشي بالدور الاستخباراتي الذي يضطلع به هؤلاء الموظفون بوصفهم أدوات كونيالية، ولكن الجدير بالاهتمام، والأكثر وجاهة، ما يعكسه فلوبير من تصورات للتكوين العربي، أو للمحليين في مصر، حيث يرى بأنهم غير مبالين، أو معنيين بما ستؤول إليه الأمور في وطنهم، حيث يقول فلوبير في رسالته «سينقلب الموظفون الأوروبيون ضد الحكومة هنا، الأمر الذي يبغضونه، وينتهي كل شيء، أما بالنسبة لعامة العرب فلا فائدة من معرفة من سيتبعون، سيبقون دوماً على حالهم، مهما اختلفت الأسماء، ولن يجنوا شيئاً لأنهم لا يملكون ما يخسرونه، عباس باشا أهمس في أذنك مغفل، مريض عقلياً إلى حد ما، وغير قادر على فهم أي شيء، يحطم كل ما قام به محمد علي- والقليل الباقي لا يساوي شيئاً» (ص95). لا شك بأن هذه العبارات على قلة محمولاتها ومباشرتها، تنطوي على مضمر كولونيالي في المستوى الاستشراقي، ولاسيما القائم منه على وعي عميق، ومستتر أيضاً، وهنا تكمن انبثاقات هائلة لمعنى الوعي في الشرق، ولاسيما للعرب، وعدم قدرتهم على الفعل. هذه السلبية للفعل العربي، أو الشرق غالباً ما تحضر في كثير من الأدبيات الاستشراقية، الكولونيالية، وحتى في بعض الأفلام السينمائية.
ما من شك في أن رحلة فلوبير إلى الشرق، كانت أسيرة دوافع متعددة، منها ما يتصل بالذات الفلوبيرية، وما يكتنفها من استيهامات جنسية، وما يحاذيها من رغبة في المطابقة بين المتخيل النصي لأعمال أهمها «الشرقيون» لهوغو و»ألف ليلة وليلة»، و»إغواء القديس أنطونيوس»، وغيرها، وبين الواقع الحقيقي النابض والحي، ولكن هذا الوعي العميق، أو لنقل التصورات القائمة على طبقات من التكوين الاستيهامي، بأدبه وخياله، لم يكن جزءا محايداً، أو مفارقاً، إنما هو جزء من الذات الغربية (الأوروبية)، مع ما تنضح به من استنطاق لقيم لغوية نصية، أسطورية وجمالية وثقافية، إذ هي تبقى أسيرة ذلك الوعي بحدود الهيمنة والسيطرة، وكأنها ترفض إلا أن تستثمر حدود المعرفي في تكوين بنية «مصلحية»، خاصة من منطلق أن هذا الشرق لا يدرك حدود عبقريته، وفوضوية جماله، والمنفلت في الآن ذاته، والأهم أنه غير مستثمر. هذه الصورة نراها في عيون الغربيين حتى في أيامنا هذه، فالشرق لوحة من الجمال الفوضوي، والمقدّرات التي تحتاج إلى ذلك الوعي (الذكاء) الغربي لإعادة استنطاق الأمور، واستثمارها بالحدود القصوى. هنالك جانبان مهمان ينبغي التلفت لهما، بين سلبية الشرقيين، وعدم مبالاتهم تجاه فضائهم الجغرافي، والثقافي بوصفه حالة وجدانية لمعنى الوطن، وعجزهم عن إدارة هذا الفضاء بكامل معطياته.
ما من شك بأن هذه السلبية تبدو في بعض الأحيان حاملة لمقدار من الصدق، والدليل على ذلك أن جزءاً من العالم العربي، ما زال محتلاً لأكثر من ستة عقود في ظل عدم مبالاة عربية! هل هنا كان فلوبير واعياً من ناحية أنثروبولوجية ونفسية بشخصية العربي؟ ولهذا نعته بالخنوع (الدناءة والجين) التي تبعث على الغثيان. هذا البناء المعرفي يبدو متبصراً، وحاسماً إلى أبعد الحدود (فرضياً)، بيد أنه قد تغذّى على تراكمات قبلية، كقراءات، ومشاهدات وتصورات وتمثيلات في أغلب الأحيان مغلوطة، ومعاد إنتاجها في سياقات محددة. فلوبير كان يبحث عن حدود ذاته المنهكة في الشرق، ولكنه كان ينطلق من وعي عميق بذاته الأوروبية المتعالية، وحدود جبروتها على ما هو سائب، وغير مكتمل التنسيق، الشرق ما زال في أدبيات الكولونيالية – الكلاسيكية والمعاصرة على حد سواء – أشبه بحديقة منزلية رائعة الجمال، غير أنها تحتاج إلى الكثير من التنسيق، والشرق هنا لا يعني كياناً جيوسياسيا بمقدار ما يعني فضاء ثقافياً، على الرغم من وجود حيوات من البشر تصادف أنها عبرت تلك الأمكنة، بل إن هذه الحيوات تعد جزءاً من هذه الصورة البانورامية للشرق بغرابته، ودهشته، هي استمرارية لمعنى هذا الشرق المشرع أمام السيد الأبيض الذي نتوسله كي يعيد تنسيق حيواتنا وعقولنا، هي صورة مستكملة لرغبتنا بالغربي كي يعد استثمارنا، لأننا لا نعرف كيف نستثمر فضاءنا، وهذا يعني أن تلك الحدود للمعرفة الغربية تجاه ذواتنا، تبدو شديدة القبول في سياقات يومنا هذا.
إن معرفة الشرق ليست معرفة اعتباطية، إنما هي معرفة خاضعة لعملية معقدة وضخمة من اكتناه الخطابات، وكما يقول إدوارد سعيد، وتحديداً، حين يتأمل بتمعن عبارة فلوبير التي يصف فيها الشرق في إحدى الرسائل لوالدته: «تسألينني (والدة فلوبير) عما إذا كان الشرق يرقى إلى الصورة التي تخيلتها. نعم إنه لكذلك، بل أكثر من ذلك، فالشرق يتجاوز بكثير الفكرة الضيقة التي حملتها عنه (ص17).
هنا تتبدى تلك الحدود بين مظاهر المعرفة، ومستوياتها، ولكنها تبدو، وقد انطلقت من الصورة المتخيلة في ذهن فلوبير (التي هي في الأصل أصداء نصوص أخرى) تجاه مكان آخر، ربما هو العالم المعاين لتلك الحدود التي تمثلها الصورة، والمشاهدة الحية، والنابضة بالحياة نحو مستويات من الصورة المتجاورة لقيم الشذوذ والعبقرية على حد سواء، وهنا لا بد أن نقع على معنى المعرفة بحدودها الأولى على الرغم من كونها ضيقة، ومختزلة. ولكن هل أضافت رحلة فلوبير صورة أخرى للشرق؟ أم أتت استمراراً لتلك المحكيات والمرويات التي اختزلت الشرق ببعض القيم الشاذة، التي تجلّت بوصفها محفلاً لغويا، احتفى به فلوبير، ورفاقه.
إن المسلك ذاته حين يخرج من الشرق أو الشرقي يتحول إلى قيمة سلبية، وتمثيلا ً لدونية، أو فعل لمؤكد المتخيل، ولكن المسلك ذاته حين يكون نتاجاً غربياً فإنه يستثمر بوصفه أداة للاستثمار، القائم على المعرفة والقدرة على إدارة أي كان بصورة موفقة، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالغربي ليس على صواب دوماً، والتاريخ يحمل الكثير من الشواهد لسلبيات الغرب التي تكاد في مجملها تتجاوز ما حققه من خير لعموم البشر. إن مدى تطابق الشرق مع المروي المتخيل، أو مدى تحقق تلك المسلكيات النصية للأرض الشرقية، وأناسها في أذهان الآخر، ليست جديرة بالعناية، أو حتى ذات وجاهة كي نبحث عن مدى صدقها أو كذبها، أو إلى أي مدى نحتاج إلى أن نذهب لمقابلة تلك المتخيلات أو ننبذها، فهذا أيضا يبدو مما هو غير جدير بالالتفات له!
تكمن القيمة على الصراع في حدود المتخيل والمروي، أدواته، ومع أهمية هذا الجانب، بيد أنه يبقى مستوى هامشياً، ولكن ما يعنينا حقيقة، هو أن نخترع ذواتنا، أي نستثمر معرفتنا بذاتنا، وأن نعيد إنتاج المتخيل والمروي، أن نخلق كتابة لا ترتهن لحدود ما لدينا، وما لديهم، أو كيف نراهم، وكيف يروننا! لا بد أن ننسج كتابة ذاتنا في ضوء تكويننا الحالي (مخاضنا)، وهي كتابة تتخذ صورة المراجعة النقدية لأفعالنا. وأخيراً نتوقف لنتأمل من عبارة فلوبير في رسالته حيث يرى أن الدناءة ليست حكراً على الشرقيين أو العرب، إنما هي أيضا متوفرة لدى الأوربيين، حيث يقول: «الخنوع العام المهيمن هنا (الدناءة والجين) تبعث على الغثيان-وما دمنا بهذا الصدد، فإن كثيرا من الأوروبيين أكثر شرقية من الشرقيين (95)». تحمل هذه العبارة إدانة للغرب، ولكن عبر المقابلة أمام نموذج مكتمل، هو أشبه بقياس يعتمد الشرق بوصفه قيمة سلبية مطلقة.

عن الحوار المتمدن