التربية العاطفية: رواية الآمال المجهضة

التربية العاطفية: رواية الآمال المجهضة

محمد عمر
عندما كتب الروائي الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير روايته الثانية “التربية العاطفية”، عام 1869، لقيت انتقادات كثيرة وفشلًا كبيرًا في حينها على عكس روايته الأولى “مدام بوفاري”. لكن الرواية سوف تعتبر لاحقًا من بين أفضل وأهم الأعمال الخالدة، وسيعتبرها فرانز كافكا أحب الروايات إليه، وسيقول عنها الناقد والفليسوف المجري جورج لوكاش إنها رواية “خيبة الأمل”. أما الناقد الإيرلندي جون بانفيل فسيقول إن الرواية المعاصرة ولدت من رحم “التربية العاطفية”.

الرواية تصف حياة الجيل الفرنسي الشاب الذي عاش وقائع ثورة 1848، ونشوء الإمبراطورية الفرنسية الثانية. كتب فلوبير عن روايته قائلًا: “أردت أن أكتب رواية أخلاقية عن جيلي، أو، بشكل أدق، رواية عن مشاعرهم. إنه كتاب عن الحب، عن الشغف، لكنه شغف، مثل الذي نعيشه اليوم، معطَّل”.

ولاحقًا عندما سيشاهد فلوبير الأهوال والكوارث التي لحقت بباريس خلال انتفاضة “كومونة باريس”. سيكتب فلوبير قائلا: “لو إن الفرنسيين قرأوا بعمق ما كتبته في التربية العاطفية لما حدث كل هذا الخراب”.

على رغم من أن فلوبير بقي بعيدًا عن السياسة، أو عن التحزب بالأحرى، إلا أن روايته هذه ستوثق مقدمات وأحداث ثورة 1848 الفرنسية أفضل توثيق، وهي بهذا المعنى تعتبر رواية تاريخية، تتناول انعكاس هذه الثورة المجهضة، ولاحقًا انقلاب لويس بونابرت على الثورة وقيام الإمبراطورية الثانية، وعودة الرجعية، على الفرنسيين وعلى الثقافة والآداب والفن، وهي لهذا سيعتبرها لوكاش رواية “الآمال المجهضة”، كما سيعتبرها فلوبير نفسه رواية “الشغف المُعَطَل”.

“التربية العاطفية” يمكن وصفها ببساطة بأنها قصة حياة شاب هدر كل الفرص التي منحتها له الحياة، ففقد كل شيء، مثله مثل كل شخصيات الرواية، فالكل في “التربية العاطفية” خاسر: من أراد الحب، أو المال، أو السلطة أو الشهرة خسرها، وهي لذلك رواية “الفقد”.

الكل في “التربية العاطفية” خاسر: من أراد الحب، أو المال، أو السلطة أو الشهرة خسرها، وهي لذلك رواية “الفقد”.
عمد فلوبير  إلى تقسيم روايته على ثلاثة أقسام: في القسم الأولى سنرى بطل الرواية الشاب فردريك مورو يصل إلى باريس ممتلئا بالأحلام النبيلة، التي لن يتحقق منها شيء في النهاية. وسيشارك هذه الأحلام مع صديقه ديلورييه، ابن صاحب حانة، يحلم بأن يصبح له مستقبل سياسي كبير. أثناء الطريق إلى باريس يتعرف فردريك إلى مدام أرنو، امراة جميلة متزوجة تكبره سنًا، فيقع في غرامها من النظرة الأولى، وسيصبح محور حياته العمل على التقرب منها، لذلك تعرف بزوجها، السيد أرنو صاحب محل بيع لوحات وتحف، وستتوثق علاقته بعائلة السيد أرنو، وكذلك بمحبوبته، لكنه في كل مرة سوف يخطئ تفسير علاقة الصداقة هذه وإشارات مدام أرنو العادية، معتبرًا بأنها إشارات عشق منها.

في القسم الثاني ستظهر جوانب أخرى من شخصية فردريك، البراءة التي تصل حد الحماقة. يطلب فردريك مساعدة مالية من والدته، التي لا تقل كآبة عن بقية الشخصيات، بعد فشله في امتحان كلية الحقوق. لكنها ستعود به إلى الريف حيث الحياة مملة على عكس حياة الصخب الباريسية. في الريف يتعرف على لويس، امراة صغيرة، تكاد تكون طفلة، ابنة رجل يسرق والديه باستمرار. بسبب تدهور وضعه الاقتصادي يتخلى فردريك عن أحلامه ويجمدها. لكن الحياة ستعطيه فرصة أخرى عندما يرث مبلغًا كبيًرا من عمه. فيعود  إلى باريس، لكن أقل مسؤولية، وتدور أحداث كثيرة منها تعرفه على روزليت العشيقة السرية للسيد أرنو، وسيتنافس معه على كسب ودها، لتبدأ أكثر الأحزان سخافة في الرواية.

في القسم الثالث، حيث نقرأ خاتمة جميلة جدًا للرواية، يحكم فلوبير إغلاق دائرة حياة فردريك، إذ بعد دورات الإخفاق والفشل التي شهدتها حياته، كما حياة صديقه ديلورييه، وبقية شخوص الرواية، نرى الصديقين ينتهيان معا يتحدثان عن الحياة التي لم تكن ولن تكون.

على أية حال، أغلب وقائع الرواية استمدها فلوبير من حياته نفسها، ففردريك يكاد يكون نسخة عنه: عشقه لامرأة متزوجة تكبره سنًا، فشله في اجتياز امتحان كلية الحقوق، عودته للريف وحياته مع والدته ثم اصابته بمرض الصرع ورحلاته إلى إيطاليا وفلسطين ومصر كنوع من العلاج.
لكن فلوبير، وكما قال عن روايته أراد أن يكتب قصه مشاعر جيله المعطلة، أحلامهم وآمالهم المجهضة، لكن كل ذلك كان على خلفية وبسبب ثورة 1848 المجهضة بانقلاب لويس نابليون بونابرت.

يريد فلوبير في روايته أن يبرز الطابع المتناقض للواقع، وقد عكس ذلك في مصائر شخصياته الفردية كما في الفشل السياسي، والعجز عن استثمار الواقع، أو قراءة هذا الواقع. ثورة 1848 كانت خطوة للخلف، تراجع وانحدار عكسي لثورة 1789، الثورة الفرنسية. سينيكال الثوري يخون الثورة ليصبح مخبرًا للشرطة، وبيليرن الفنان يتحول إلى مصور، وتتحلل مثلهم أيضًا، والنتيجة تواطوء مع الوضع الجديد. خائن الثورة مثل الفنان تراجع وانحدار، فشل السياسة وفشل الفن، وتعطل الإحساس والمشاعر، والنهاية: خيبة أمل.

فلوبير الذي قال إن الفرنسيين لم يقرأوا بعمق التربية العاطفية عندما شاهد كارثة “كومونة باريس”، لخص بعمق خيبة أمله إزاء أحداث هذه الثورة، وما تركته على جيله: “إننا ندفع ثمن كذبنا الطويل الذي كنا نحيا، لأن كل شي كان خطأ: جيش خطأ، سياسة خطأ، أدب خطأ، ثقة خطأ، وحتى عواهر خطأ، أن تقول الحقيقة، كان عملًا لا أخلاقيًا”.

وفلوبير، الذي لم تخلو روايته الحزينة هذه من السخرية المرة كانعكاس لوقائع ثورة 1848، لا يختلف كثيرًا عن التحليل الذي قدمه كارل ماركس للثورة في كتابة “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، حيث اعتبرها تراجعًا وخطوة عكسية لثورة 1789، عندما قال في أول سطر من كتابه العبارة المشهورة، والمبتذلة لكثرة التكرار: “يقول هيغل في مكان ما أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة. كوسيديير مكان دانتون، لويس بلان مكان روبسير”.

لكن ألسنا هنا في العالم العربي نعيش هذا الواقع ونحتاج روائيًا بمقدرة فلوبير ليكتب لنا عن “مشاعرنا المعطلة” وأحلامنا المجهضة، والحب المفقود، والكراهية المبذولة؟ أن يكتب لنا رواية “خيبة الامل”، على رأي لوكاش، بعد “إجهاض الربيع العربي”؟