أيما بوفاري هي أنا غوستاف فلوبير

أيما بوفاري هي أنا غوستاف فلوبير

علي حسين
في الثامنة من عمره بدأ يكتب عن الموت الذي يُطارده، وهو يتجول بين أروقة المستشفى الذي يملكه والده الجراح الشهير، كان أول ما تفتحت عليه عيناه هو صراع الناس مع وحش خفي اسمه الموت، " كان مدرج المستشفى يشرف على حديقتنا، وكم مرة تلصصت عبر الأبواب لكي أرى الجثث المددة على الأسِرَّة ". أراد أن يرسم منظراً أدبياً لهذه الجثث،

 فكتب أولى قصصه التي سخر منها والدهُ، فمزقها وجعلها طعاماً لنار مدفأة غرفة مكتبه مؤنِّباً إياه." الكتابة مهنة الضعفاء والمجانين، انت خُلقت لتمسك المشرط، لا القلم". بعد سنوات يكتب الى عشيقته لويزا كوليه:  " كنت ذلك الإنسان الذي بلا هويّة، ويريد الآخرون ان يشكلوا له حياته "هذه الحياة التي تأرحجت بين جديّة الأب وقسوته، وعطف الأم التي كانت تعشق القراءة، كان سريرها مزدحماً بالروايات والقصص الخيالية، ثمة كتب في كل مكان. في المساء كانت تنتابني رغبتان، حضن أمي وكتبها التي تتحدث عن العشق".

في العاشرة من عمره حاول ان يقلّد كاتبه المفضل فكتور هيجو فكتب رواية قصيرة متأثراً برواية هوجو الشهيرة "أحدب نوتردام"، وحين قُدِّر له  بعد سنوات ان يزور صاحب "البؤساء" في بيته كتب لوالدته فرحاً " أخيراً استمتعت برؤيته عن قرب، فحدَّقت به مشدوهاً، كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة، متأملاً كل صغيرة وكبيرة تصدر عن هذا الرجل الذي جلس بجواري على مقعد صغير، مدققاً النظر في يده اليمنى التي كتبت كل تلك الروائع الجميلة قائلاً لنفسي:  هذا هو الرجل الذي جعل قلبي ينبض أشد نبض عرفته منذ ولدت، والذي أحببته أكثر من جميع من لم أعرف. 
في الخامسة عشرة من عمره يلتقي بالمرأة التي سيحبها طوال حياته، وقد خلّدها في روايته "التربية العاطفية"، كانت تكبره بثلاثة عشر عاماً، زوجة أحد كبار رجال الأعمال، حين كانت تنظر إليه، يصاب بالتعرق والارتباك،  ويخبرنا سارتر في كتابه "أبله العائلة"، ان فلوبير كان يرى فيها بعضاً من ملامح أمه التي عشقها منذ الصغر، ونراه يكتب في  "يوميات مجنون" انه لم يحب في حياته سوى أمه وهذه المرأة التي تدعى "ماري شيزنجر". 
يعود الى المنزل مسرعاً، يخرج الأوراق فيكتب كتابه الأول " يوميات مجنون": في ذلك اليوم رأيت على الشاطئ برنساً أحمر جميلاً، مزيّناً بخطوط سوداء، كان المدّ عالياً والشاطئ مزركشاً بالزَّبد، علا الموج وتدفق مبللاً حواشي ذلك البرنس الحريرية، انتشلته لأضعه بعيداً، فألفيت نسيجه ناعماً رقيقاً، لابد أنه برنس امرأة، ويبدو أن أحداً ما رآني لأني في اليوم نفسه وفي قاعة الاستراحة سمعت أحدهم يقول لي:
-أشكرك جداً على لطفك. 
استدرت، رأيت امرأة شابة جالسة مع زوجها على الطاولة المجاورة. سألتها باضطراب:
تشكرينني على ماذا؟
- على أنك لممت برنسي، ألم تكن أنت؟
أجبتها مرتبكاً:
 نعم ياسيدتي.
نظرت الي، فخفضت بصري، وتورد وجهي خجلاً، يالسحر نظراتها،  ما أجملها هذه المرأة، أصبحت شخصاً غريباً عن نفسي، انبعث صوت جديد في روحي، كل مافي هذه المرأة يحدث تأثيراً خارقاً في نفسي، ثنية فستانها، ابتسامة ثغرها، قدمها، أقل كلمة تافهة تقولها. "
بعد عام يكتب لأحد أصدقائه: "لا تتوهم أني حائر ومتردد فيما يخص اختيار مهنتي في المستقبل..في الواقع أنه لن تكون لي أية مهنة! إني عاجز عن العمل. وذلك لأني أحتقر البشر إلى درجة أني لا أستطيع أن أفعل لهم خيراً أو شراً. وعلى أية حال فسوف أدرس في كلية الحقوق وأتخرج كمحام. ولكني لن أشتغل في مهنة المحاماة إلا إذا طلبوا مني الدفاع عن مجرم كبير. وأما في ما يخص الكتابة، فإني أراهنك على أني لن أصبح كاتباً ولن أطبع حرفاً واحداً".
لم تكن الوظيفة تشغله ولا المستقبل، فقد كان مشغولاً بتتبع حكايات النساء، يتخيل صديقات والدته، ويسرح في صور النساء اللواتي شاهدهن في الشارع، الى ان يعثر على لويز كوليه وكانت مغرمة بالأدباء، حتى ان حكايتها مع فكتور هيجو كانت حديث الصالونات الأدبية، ويبدو ان فلوبير البالغ من العمر الآن خمسة وعشرين عاماً قد أحبها بإفراط، فلم تمض على لقائهما سوى ساعات قليلة حتى كتب لها خطاباً نارياً: " إنكِ المرأة الوحيدة التي أحببتها باستثناء امرأتين، الأولى أمي والثانية كنت عشقتها قبل عشرة أعوام، من دون ان أفاتحها او ألمسها، لكنكِ الوحيدة التي أحيت في قلبي الأمل في أن أحظى بإعجابها، بل لعلك الوحيدة التي حظيت بإعجابها فعلا ".
وقد سخر فلوبير فيما بعد من هذه العبارات التي كتبها، وسرعان ما بدأت قصة الحب تفقد بريقها تدريجياً حتى كتب لها ذات يوم  " يبدو أنك لا تفهمينني على حقيقتي، فأنت أحياناً ترفعينني الى مرتبة أسمى مني، وأحياناً اخرى تهبطين بي إلى درك أدنى مما استحق، وهذا هو داء النساء منذ القدم، فهن لا يعرفن الاعتدال، ولا يردن ان يفهمن المخلوقات المعقدة  التي هي الغالبية العظمى بين البشر، ولقد تبيّنت منذ زمن أنّ من يريد أن يعيش حياة هادئة لابد أن يعيش وحيداً ويحكم إغلاق نوافذه لئلا يتسرب اليه هواء المجتمع، وهذا هو السبب في أني عشت سنوات عديدة أتجنب رفقة النساء ".
وتصف لويزا، فلوبير بأنه كان قاسياً سريع الغضب فريسة للانفعالات والتقلبات العاطفية فتكتب بعد وفاته:  " كان شخصية وحشية دائمة السخط"
على أن لويزا كان لها تأثير آخرعلى فلوبير غير قصة الحب العاصفة التي عاشها، فقد استمد منها ملامح بطلة روايته الشهيرة "مدام بوفاري" التي تفرغ لها منذ ان كان في الثلاثين حتى السنوات الأخيرة من عمره.
************
بعد أن اشترى والده قصراً كبيراً يطلُّ على نهر السين، قرر الابن فلوبير ان يتخذ منه مسكناً، كان يكتب طوال ست ساعات في اليوم، لكنه يمزق ما كتبه في اليوم التالي، في ذلك الوقت يلتقي بالشاعرة لويز كوليت، التي سرعان ما أصبحت عشيقته، حدثها عن حيرته في الكتابة، كان قد قرأ عليها قصة بعنوان "البائسون" وما ان انتهى  من القراءة حتى قذف بالأوراق من النافذة وصاح: -هراء.. كل ما أكتبه هراء، متى تبدأ يافلوبير بدايتك الحقيقية؟.
قالت له كوليت: يجب ان تعدل تماماً عن كتابة موضوعات غامضة، خذ موضوعاً من الواقع، ألم تقرأ في الصحف عن حكاية مدام دلفين ديلمار، انها تستحق عملاً ممتازاً بشرط ان لا تقول لي أنك كنت أحد عشاقها.
- للأسف لم أكن في قائمتها.
 حسناً اكتب عنها إذن، لو كنت أمتلك موهبتك لما ضيّعت هذه الفرصة.
- وماذا لو تعرضت لمضايقة عشاقها، هل تريدينني ان أقضي بقية عمري بالسجن بتهمة التشهير بمواطنين شرفاء؟
ضحكت كوليت على عبارة المواطنين الشرفاء، وكانت تدرك في قرارة نفسها ان الموضوع استهوى فلوبير وسيكتب عنه.
أخذ فلوبير يبحث عن حكاية المدام ديلمار فماذا وجد؟
كان الزوج يوجين ديلمار، طالبَ طب يدرس الجراحة على يد والد فلوبير وكان طالباً عادياً فشل في العديد من الاختبارات الجامعية، ولم يستطع نيل دبلوم الطب فأصبح مأموراً في إحدى دوائر الصحة.  في ذلك الوقت تزوج من أرملة تكبره بالعمر لكنها توفيت بعد سنوات، فأصبح وحيداً، وراح يبحث عن رفيقة لحياته، عندئذ قابل فتاة في السابعة عشرة من عمرها، جميلة ذات شعر أشقر وجسد متناسق كانت ابنة لواحد من مرضى ديلمار، تعلمت في دير وقد امتلأ رأسها بالأحلام التي تثيرها قراءة الروايات الرومانسية، في البدء كانت تعتقد انها تزوجت من فارس أحلامها، لكنها سرعات ما اكتشفت ان ديلمار انسان فاشل وثقيل الظل ولايملك الطموح، كانت تحلم برجل مندفع مثير، لكنها بدلاً من ذلك تزوجت بإنسان غبي يصفه فلوبير بدقة:" كان حديثه مسطحاً مثل رصيف الشارع، انه لايستطيع السباحة، لايستطيع المبارزة والإمساك بسلاح ناري، مشاعره عادية، يعانقها في أوقات محددة، وأصبح الجلوس معه غير محتمل، يحلو له ان يلتهم  الطعام الذي أمامه بشراهة  ثم يذهب الى الفراش ليستلقي على ظهرة ويشخر".
ونجدها كثيراً ما تردد حين تكون لوحدها: "يا إلهي لماذا تزوجت"، وتحاول ان تتخيل ذلك الزوج الذي لم تعرف، رجلاً وسيماً وفطناً ومتميزاً وجذاباً، وتسأل نفسها ما العمل؟ هل سيدوم هذا البؤس للأبد، كانت تتوق الى الحياة الصاخبة، تبحث عن الحب، عن رجل يختطفها ويطير بها بعيدا، لقد قررت ان تفتح الباب المظلم، ففي مقابل احتقارها لزوجها وللحياة السخيفة التي تعيشها معه، نظرت في المرآة الى جمالها  وأيقنت ان بإمكانها ان تحوِّل أحلام اليقظة الى واقع، قررت ان تكتشف عالماً اكثر إثارة يحقق لها وجودها. بدأت تبالغ في إنفاق الأموال على الألبسة  والحفلات دون ان يعلم زوجها، وسرعان ما تراكمت عليها الديون، وبعد ان  تفقد الرغبة في الملابس والحفلات، تقرر ان تغوي الرجال. في البداية كان العشيق جاراً لها يدعى لويس كامبيون، ثم عامل المزرعة، ثم كاتب العدل، ثم العديد من الموظفين الشباب. ويكتب فلوبير في الرواية:" لقد بدأت تعيد الى ذهنها بطلات الروايات التي قرأتها، وبدأ هذا الفيلق من النساء العاشقات يغرد في رأسها".
أهملت زوجها وابنتها الصغيرة وأقاربها وجيرانها، لكنها في النهاية بدأت تشعر بالملل، كل هؤلاء العشاق الذين مارست الجنس معهم مخيبون للآمال، وأخيراً في فجر السادس من اذار عام 1848  بدأت المشاكل تحاصرها: زوجها أفلس، العشاق تبخروا، تقرر ان تتناول جرعة مميتة من الزرنيخ  لنتهي حياة بلا طعم ولا أمل.
كان فلوبير مقتنعاً بأن قصة ديلمار هي وسيلته الوحيدة لإثبات موهبته الأدبية، ولإسكات الأصوات التي كانت تقول ان هذا الشاب الذي دخل عامه الثلاثين سيظل مجرد مراهق أبله  طائش يزحف وراء رائحة النساء. ألا ان هناك مشكلة يجب ان يجد لها حلا، فالقصة سوقيّة ونشرتها معظم الصحف، لكنه لم يستطع مقاومة سحر السيدة ديلمار وإصرارها على ان تتمتع بكل ذرة من جسدها، بقيت مشكلة مستعصية هي    رفض أمه القاطع،  ان يكتب عن موضوع هذه السيدة خوفاً من مقاضاته، وأيضا لأن الموضوع مبتذل، لكنه في النهاية استطاع إقناعها، بعد أن قرر تغيير أسماء الشخصيات لتتحول السيدة ديلمارالى "مدام بوفاري".
سارت الرواية ببطء شديد، ست صفحات في الأسبوع، قال لأمه: " يالها من مهنة صعبة مهنة الكتابة، القلم أشبه بمجذاف ثقيل "، ظل يعمل سبع ساعات في اليوم على مدى اكثر من خمس سنوات، درس خلالها كل ما يتعلق بالروايات الرومانسية التي ربما قرأتها السيدة ديلمار او مدام بوفاري، وحاول دراسة تأثير مادة الزرنيخ على وظائف الجسم، ومن حين لآخر كانت الكتابة تصيبه بالمرض:"عندما كنت أصف تسمم إيما بوفاري كنت أحس بطعم الزرنيخ في فمي، وقد عرّضني ذلك الى آلام في المعدة وسوء في الهضم رافقني طوال حياتي. ويكتب الى صديقة: " لقد توقفت عن الكتابة  لا أستطيع مغالبة دموعي"، ولم يكتف بشهادات الجيران ومعارف السيدة ديلمار،  بل ذهب الى القرية يستطلع مجريات الاحداث التي تتعلق بتفاصيل حياة البطلة، وفي الدوائر الرسمية ومراكز الشرطة اطلع على التقرير التالي: " يوم السادس من اذار 1848 انتحرت في قرية ري نورمانديا، سيدة في السادسة والعشرين من عمرها بتعاطي كمية كبيرة من الزرنيخ ". في النهاية  يجد نفسه قد كتب أكثر من 1800صفحة من القطع الكبير.
************
لم يحاول فلوبير أن يقرأ الرواية على المقربين منه ويكتب الى أمه: " أشعر بأنني كتبت عملاً كبيراً، لا أريد أن أعرضه على هواة تحطيم الأدباء وحفاري قبور الأعمال الفنية، سأذهب بالمخطوطة الى الناشر".
لكنه ما أن يسلّم هذه الحزمة الكبيرة من الأوراق الى أحد الناشرين المعروفين الذي وجد صعوبة في قراءة خطه الرديء، وايضا لم يستهوهه الاسم، من يشتري رواية اسمها مدام بوفاري، كما ان الرواية تحتاج الى تعديلات سيقوم بها الناشر نفسه بدأ من الاسم الذي سيتغير الى " قلوب في العاصفة "  وانتهاء بمشهد الموت حيث اقترح الناشر ان تقتل على يد زوجها بعد ان يضبطها متلبسة بالخيانة
لم يرد ان يصفع الناشر، لكنه طلب منه بكل هدوء أن يعيد إليه  المخطوطة.
ذهب بروايته الى صديقه مكسيم دو كامب الذي نشرها في مجلة الـ " ريفيو دو باريس " على ستة اقسام، وقد اثار نشر الاجزاء الاولى عاصفة، فما ان ظهرت الرواية حتى ثار المشتركون في المجلة، وصاحوا غضبا:" ان المجلة تنشر قصصا فضائحية  ولا اخلاقية " كتبوا رسائل يهددون الناشر لان الرواية تسيء لسمعة فرنسا، هل ثمة امثال تلك المراة، نساء يخدعن ازواجهن، ويقابلن عشاقهن في الفنادق وبيت الزوجية؟.
ويحاول الناشر ان يهدا غضب القراء بان يطلب من المؤلف ان يجري تعديلات على الاحداث
- اسف لن أعدل حرفاً، اجاب فلوبير
• انت لاتعرف حرج موقفي، قال الناشر، وهو يخرج خطاباً من سكرتير القصر الامبراطوري، يقول فيه ان نابليون الثالث مزق العدد الذي نُشرت فيه اول حلقة وقذف به في وجه السكرتير
وما ان تمضي المجلة بنشر الحلقات الاخرى، حتى تقوم نقابة الاطباء باقامة دعوى تطالب فيه المؤلف والناشر بتعويض مالي كبير لانه اساء لسمعة الطب، بعدها يتقدم عدد من المواطنين بدعوى جديدة الى المحكمة بتهمة نشر عمل أباحي يسيء الى الدين، ويقف امام القضاء مدافعا عن وليده:" ايما بوفاري من ابتكارات خيالي ونتاج عبقريتي الفنية، إيما بوفاري هي أنا "  فتقرر المحكمة  تبرئته من التهم الموجهة اليه.
واخيراً اصبحت مدام بوفاري حرة، واقترح احد الاصدقاء،  نشر الرواية كاملة في مجلدين،  وخلال عام 1857 صدر الجزء الاول الذي بيع منه خلال شهر واحد اكثر من خمسين الف نسخة، وارسل فكتور هيجو تهانيه الحاره، واعجابه الشديد بالرواية التي قال عن مؤلفها ان له اسلوبا خاصا.