كهرباء بغداد وماؤها في الاربعينيات.. ودور امانة العاصمة فيهما

كهرباء بغداد وماؤها في الاربعينيات.. ودور امانة العاصمة فيهما

وهيب حسن العبودي
كانت المهمة الأساسية لأمانة العاصمة تقديم الخدمات للمواطنين الساكنين في العاصمة بصورة مرضية،لاسيما الاعتناء بالنظافة مثل رفع النفايات والتخلص من المخلفات لمنع حدوث أضرار جسيمة، وكذلك تنظيم الشوارع والأزقة بشكل منسق ليضفي صورة جميلة للعاصمة، واهتمت الأمانة براحة المواطنين من خلال تحسين المياه الصحية للمناطق السكنية والعناية بشوارع العاصمة والميادين وإيصال جزء من الكهرباء إلى المنازل بأسعار مناسبة بالإضافة إلى الخدمات الأخرى ومن هذه الخدمات:

الكهرباء:-
تعد خدمة الكهرباء من الخدمات الأساسية والمهمة التي كانت الحكومة العراقية عامة وأمانة العاصمة خاصة، تعمل على توفيرها للمواطنين، لما لها من أهمية كبرى تدخل في حياة هؤلاء المواطنين، ويرجع امتياز الكهرباء إلى سنة 1912، حينما منحت الحكومة (محمود جلبي الشابندر) امتيازاً لتوليد الكهرباء، ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 حال من دون تنفيذ المشروع، وبعد تأسيس الحكومة العراقية عاد الامتياز إلى صاحبه.حيث أقر مجلس النواب في جلسته المنعقدة في 27 تشرين الأول 1921 ما يلي أن الامتياز الممنوح للشركة المساهمة العثمانية للترامواي والتنوير الكهربائي قانوني، يبلغ ذلك إلى صاحب الامتياز، ثم أن وزارة التجارة لها الحق في درس واقتراح وتعديل مواد الامتياز المذكورة بصورة توافق المصلحة العامة.
 وتجدر الإشارة أنه خلال عام 1928 أبرمت اتفاقية جديدة، وكانت مدة الاتفاقية خمس سنوات من تاريخ صدورها، وعند انتهاء مدة الامتياز تصبح جميع المؤسسات والماكنات ملكاً للحكومة، وخلال الثلاثينيات وتحديداً عام 1933 وعند حصول الأزمة الاقتصادية العالمية استاء البغداديون من ارتفاع أسعار كهرباء شركة التوليد وثقل الأجور على المواطنين.
وبعد عقد اتفاقية 1928 باع محمود الجلبي الشابندر امتيازه إلى شركة مانشتر البريطانية (British Manchester Electric)، وبدورها أمانة العاصمة قامت بالتعاقد مع هذه الشركة، وعلى أثر ذلك أنيرت بغداد. وفي عام 1936 تم الاستغناء عن الفوانيس التي كانت تستخدمها أمانة العاصمة لإنارة بغداد وكان يؤدي العمل متعهد يعرف باللمبجي. وخلال عام 1943 أصدر وزير الداخلية (تحسين العسكري) آنذاك تعليمات رقم (15-ب)، لتعيين المبالغ التي يمكن للجان الماء والكهرباء صرفها، وذلك استناداً إلى قانون إدارة البلديات رقم (84) لسنة 1931 وتعديلاته، وقد أجازت هذه التعليمات. لأمين العاصمة صرف المبالغ التي لا تتجاوز الـ (40) دينار مع أعطاء المعلومات الإجمالية إلى لجنة الكهرباء، وبعد الصرف وعلى شرط وجود اعتماد في الميزانية. وذلك لحل مشاكل الكهرباء من خلال تجديد بعض الشبكات، علماً أن بعض المحطات تكون نفقاتها أكبر من وارداتها ومثال ذلك محطة كهرباء الاعظمية.
وكانت واردات مشروع كهرباء الاعظمية حتى نهاية شهر كانون الأول (16) دينار و998 فلساً والمصروفات كانت (1112 دينار). وهنا تجدر الإشارة إلى أن أمانة العاصمة قد عهدت بأمر تجميل المناطق المهمة في الشوارع الرئيسة في العاصمة بالضياء الكهربائي في 20 مكاناً بالكهرباء. ولابد من الإشارة إلى أن شكاوي أهالي بغداد من تصرفات شركة التنوير وضعف خدماتها وسوء تصرفاتها وضخامة الأجور التي كانت تستوفيها، فقرر مجلس الوزراء في 25 أيلول 1948 توجيه كتاب إلى وزارة الداخلية بهدف إنهاء الامتياز. واستناداً إلى المادة (98) من الاتفاقية المعقودة بين الحكومة العراقية وشركة التنوير والقوة الكهربائية المحدودة، والتي نصت على انتقال ملكية المؤسسات والمكائن جميعها إلى الحكومة العراقية بعد عشرين سنة من عقد الاتفاقية التي بدأت منذ عام 1928، فقررت الحكومة تأليف لجنة وزارية خاصة لمفاوضة الشركة، وكذلك نصت مادة (99) من الاتفاقية على أنه (يحق للحكومة أن تبتاع المشروع متى شاءت بعد انقضاء (20) سنة من تاريخ الاقتطاع الرسمي لأي قسم منه ويكون حق الاختيار في الابتياع عند انقضاء كل خمس سنوات.
ويعد عام 1955 نقطة انطلاق لعملية تأميم (شركة القوة والتنوير الكهربائية)، وذلك بعد أن ألفت لجنة وزارية للتفاوض مع مديرها البلجيكي بشأن ما تبقى لها من مدة الامتياز لقاء مبلغ قدره (2.400.000) دينار. وتم تأليف مجلس إدارة جديد برئاسة المدير البلجيكي. ويعتبر تأميم الامتياز خطوة جريئة. ولابد من الإشارة إلى أنه خلال عام 1955 صدر مرسوم ملكي وبموافقة مجلس الوزراء أسست بموجبه (مصلحة كهرباء بغداد)، ويكون مركزها بغداد وترتبط بوزارة المواصلات والأشغال، كما أن المصلحة ذات شخصية حكيمة لها حق التملك والتصرف بالأموال المنقولة والعقارات، كما وتختص المصلحة حق توليد وتوزيع وبيع القوة الكهربائية ضمن حدود أمانة العاصمة، ومع مراعاة أحكام المرسوم،تنتقل إلى المصلحة جميع حقوق شركة التنوير والقوة الكهربائية المحدودة لمدينة بغداد، وتحل المصلحة محل شركة التنوير والقوة الكهربائية المحدودة في مدينة بغداد، وكما حدد رأس مال المصلحة أربعة ملايين دينار. وتدار المصلحة من قبل المجلس إدارة مستقلة في شؤونها الإدارية والمالية على وفق أحكام هذا المرسوم ويتألف مجلس الإدارة من خمسة أعضاء يعينون في بغداد، من قبل مجلس الوزراء وإرادة ملكية بناء على ترشيح وزير المواصلات والأشغال لمدة أربع سنوات.
وخلال العام نفسه 1955 صدر نظام (مصلحة كهرباء بغداد) وتضمن أن يكون عضو مجلس الإدارة حسن السلوك والسمعة وغير محكوم عليه بتهمة جنائية أو الإفلاس، ولا يكون له أية منفعة مباشرة أو غير مباشرة، يمنح عضو مجلس الإدارة مخصصات سنوية يفرضها مجلس الوزراء ولا يجوز بيع أي مال يعود للمصلحة أو مادة من المواد، يدير مجلس الإدارة شؤون المصلحة، المدير العام للمصلحة مسؤول عن تنفيذ قرارات مجلس الإدارة وتطبيق سياسته العامة وعن تأمين سير أعمال المصلحة.
وقد تنوعت الشكاوى حول الكهرباء في بغداد وكانت تنشر في الصحف المحلية العديد من الشكاوى التي تتناول عمل شركة التنوير والقوة الكهربائية المحدودة من حيث تنوير الشوارع ومد الأسلاك وإيصالها إلى مناطق وترك أخر من دون كهرباء، وعلى سبيل المثال على هذه الشكاوى مثل، شكوى من سكنة الاعظمية حيث يطلب السكان من أمانة العاصمة إدارة هذه المؤسسة. وجاء في شكوى أخرى من سكنة شارع أبي تمام تلفت أنظار أمانة العاصمة إلى ضرورة زيادة الإضاءة في هذا الشارع. وهناك شكوى أيضاً من سكان الاعظمية يشكون فيها أن الكهرباء معرضة للقطع في كل حين لأسباب غير وجيهة، ويطلبون من أمانة العاصمة العمل على إعادة الكهرباء إلى هؤلاء الناس وبأسرع وقت ومراعاتهم.

إسالة الماء:-
يرجع تأسيس أول هيئة عامة لمياه الشرب في بغداد باسم (لجنة إسالة الماء لمدينة بغداد) إلى عام 1924، وكانت حالة الإسالة والتوزيع في هذه الحقبة بدائية للغاية في باب الشيخ والشورجة، وقد بلغ طول الأنابيب الموصلة لمياه الشرب في عام 1924 (30) ألف متر وعدد المشتركين سبعة آلاف مشترك. ووصلت خدماتها للكاظمية، وبذلك تم تأمين أغلب مناطق الكرخ بالماء الصحي النقي مع ازدياد حاجة المواطنين له للاستعمالات المختلفة وللتخلص من المياه الملوثة المسببة للأمراض. ولابد من الإشارة إلى أول مشروع انشأته مصلحة إسالة الماء هو في منطقة الصرافية في جانب الرصافة من بغداد، وكان الماء في هذا المشروع يصب من ماكنة صغيرة في شريعة الصنايع. ومن أجل استقلالية هذه المصلحة وكي تعمل على تطوير شبكة الماء صدر في العام 1931 قانون لجنة إسالة الماء لمنطقة بغداد رقم (104) وجعل للمصلحة شخصية خاصة. كما تم افتتاح مركز تصفية المياه في الصرافية.
كان عام 1935بمثابة بداية حقيقة لضخ الماء النقي في الرصافة،وكذلك خلال عام 1939 تم نصب مضخة على ساحل نهر دجلة في أراضي منطقة أم العظام، وتم نصب هذه المضخة لسقي مشتل أمانة العاصمة وأشجار شارع دمشق. ومن الجدير بالذكر أن لجنة إسالة الماء قد طلبت من مراكز التموين في الشرق الأوسط تموينها ما يلزم من مكائن للأدوات والأنابيب على اختلافها لمشروع ماء الصرافية، كما أن عجز اللجنة عن مد الأنابيب قد زاد عن خمسة ألاف طلب، وقد تمت الموافقة على طلب اللجنة من قبل مركز الشرق الأوسط، وقد أوفد المركز المستر وترن (J. wtarn) المدير الفني إلى لندن ليسرع بإنهاء المعاملات المتعلقة بالموضوع وجلب المواد التي يحتاجها المشروع وكان من المؤمل أن ينتهي المستر وترن من مهمته في خلال ثلاثة أشهر ويسلمها إلى اللجنة لملاحظة اختبار مشروعها بأسرع وقت ممكن لإنهاء الأزمة في العاصمة بسبب عدم اكتمال مشروع الصرافية في ذلك الوقت.
وبعد الحرب العالمية الثانية قامت أمانة العاصمة بالعمل على إنشاء أحواض للماء من (الكونكريت) المسلح وذلك للارتقاء  بخدمات الإسالة بما يتلاءم والكثافة السكانية، كما أكدت المصلحة على تجهيز الماء الخام (الخابط) لسقي الحدائق إلى جانب تجهيز الماء الصافي، حيث كانت تمتلك (15) مضخة كهربائية بقوة حوالي 8000 حصان منصوبة على جانبي النهر (نهر دجلة) لضخ الماء الخام إلى المستهلكين، وكذلك من أعمالها إيصال الماء إلى دور المستهلكين وبواسطة شبكة من الأنابيب. وعملت أمانة العاصمة على الإكثار من أحواض الترسيب والتصفية والخزن، ذلك من خلال استعمال الكونكريت المسلح لمنطقة الشالجية بجانب الكرخ لكي تكون قادرة على توفير الكميات المطلوبة، كما عملت على إقامة محطات في جانب الرصافة.
ومن الجدير بالذكر أنه تم تشريع قانون مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد رقم 54 لسنة 1955،وتقوم هذه المصلحة بإدارة مشروع الماء وتوسيع نظامه في المنطقة الممتدة من برج الساعة في سراي بغداد والمناطق الأخرى التي تحيط بها، تقوم المصلحة بإدارة مشروع الماء وتعتبر أعمال المصلحة من المشاريع ذات النفع العام لغرض استملاك الأموال غير المنقولة. وتكون هيئة المصلحة هيئة مؤلفة من رئيس وأربعة أعضاء يعينون باقتراح الوزير وموافقة مجلس الوزراء وإرادة ملكية، وتكون مدة العضوية في المصلحة أربعة سنين قابلة للتجديد. ولا يجوز تنحية العضو خلالها إلا بقرار من مجلس الوزراء واستناداً إلى مقتضيات المصلحة العامة يتقاضى أعضاء هيئة الإدارة مخصصات شهرية بنسبة عدد الجلسات، ويتم تعيين مقدار من هذه المخصصات من قبلها وبموافقة الوزير وتعقد المصلحة جلسة واحدة على الأقل في الشهر. ومن المهم أن نذكر هنا أهم مشاريع هذه المصلحة في بغداد، ومشاريع التصفية هي أربعة مشاريع مركز ماء الصرافية وقابلية الضخ فيه 12 مليون غالون يومياً، ومركز ماء الشالجية وقابلية الضخ فيه (16) مليون غالون يومياً،ومركز ماء المسبح وقابلية الضخ فيه 6 مليون غالون يومياً،ومركز ماء الكرادة وقابلية الضخ فيه قدرها (3) ملايين غالون يومياً، أما خزانات الماء العالية فعددها تسعة ومجموعة سعتها (4.420) مليون غالون موزعة توزيعاً منظماً على مدينة بغداد.
ويبلغ مجموع أطوال الأنابيب الرئيسة التي تنقل الماء إلى المستهلكين والتي يتراوح حجم أقطارها من ثلاث عقد (أنجات) إلى 33 عقدة (1400) كيلومتر، أما الأنابيب الخاصة لنقل الماء الخام والتي يتراوح حجم أقطارها من أربع عقد إلى (18) عقدة فيبلغ مجموع أطوالها حوالي (300) كيلومتر. إن هذه المصلحة قائمة بعملها واكتسبت خلال مدة أعمالها ثقة الأهالي. وتمت مضاعفة ماء مركز الشالجية بمضاعفة طاقته من 3 ملايين غالون في اليوم إلى 13 مليون غالون في اليوم، وأيضاً تقرر أنشاء خزان ماء عالٍ في منطقة الجعيفر وقد تم نصب محركات الديزل في مركز ماء المسبح لتوليد الطاقة الكهربائية عام 1953.

عن رسالة
(امانة العاصمة 1939 ــ 1958)