من محلة (المربعة) الى منطقة الصليخ.. كيف تأسست مدرسة كلية بغداد سنة 1932؟

من محلة (المربعة) الى منطقة الصليخ.. كيف تأسست مدرسة كلية بغداد سنة 1932؟

عبد الستار محمد علوش
امتازت المدة (1924-1930) بالانتشار الواسع للتعليم الأمريكي في العراق لاسيما في مدينة بغداد وبصورة غير مسبوقة، وازداد ذلك الانتشار بعد حصول الأمريكان على الامتياز الهام الذي جاء في ضوء المادة الرابعة من معاهدة 1930التي ضمنت المصالح الأمريكية في العراق ومنها ميدان التعليم.

وحيث كان الأمريكيون ذوي رغبة شديدة في تأسيس المعاهد الدينية والعلمية ولاسيما الآباء اليسوعيون الذين كان لهم نشاط واضح في هذا الميدان،حتى صار الأمريكيون يمتلكون مصالح ثقافية وإنسانية متعددة في البلاد، كما أصبح العراق ذا أهمية متميزة في نظر المسؤولين الأمريكيين.

يرجع مجيء الآباء اليسوعيين إلى العراق إلى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين، فبعد قيام الحكم الوطني في العراق عام 1921 وتحسن الظروف في بغداد أكثر من ذي قبل، شرع رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العراق الأب مار أيمانوئيل الثاني توماس (Mar Emmanuel ll Thomas) الذي كان أحد خريجي جامعة سانت جوزيف في بيروت (جامعة تابعة للآباء اليسوعيين)، بتقديم التماس إلى روما يطلب فيه فتح كلية للآباء اليسوعيين في بغداد، تبعها طلبات عدة من عدد من أساقفة الكلدان والسريان والأرمن، فضلا عن قساوسة كاثوليك من مذاهب شرق أوسطية مختلفة وقادة مسيحيين آخرين في العراق بتقديم عريضة رفعت باسمهم إلى البابا بيوس السادس لغرض إرسال مبعوث خاص من روما لدراسة إمكانية أنشاء مثل هكذا مشروع.
مع نهاية عقد العشرينات من القرن الماضي وافق الباب بيوس الحادي عشر على مواصلة الاتصالات والمشاورات بشأن المهمة المزمع القيام بها في العراق، وقام بتكليف عدد من الآباء للأشراف على سير ذلك المشروع والسفر إلى العراق لدراسة إمكانية أقامته.
لقد حرص الأب ولش من خلال جهوده هذه  الى أنشاء مؤسسة تعليمية فيها ممثل عن كل جامعة وأن يعطى الآباء اليسوعيين الذين سوف يديرون المدرسة المزمع إنشاؤها كامل الصلاحيات لكي يتصرفوا باسم هذه الجمعية فضلاً على أن خبرة الجامعات الأمريكية المذكورة سيكون لها تأثير كبير ولمسة واضحة، لما تتمتع به تلك الجامعات من سمعة كبيرة في أميركا، والعالم، وعلى المدرسة التي ستفتح في العراق توفير الضمانة لوجود معايير عالية في الدراسة، فضلاً عن ذلك فان ارتباط المدرسة بهذه الجامعات سيضمن لها مساعدتها وتطويرها مالياً وتربوياً، وبالتالي سوف يوفر هذا الأشراف احترام الحكومة العراقية لها، إذ أنها ستفهم بان هذه المدرسة هي جزء من عائلة دولية واسعة، وبهذه الطريقة فان الحكومة لن تحاول أن تضع وصايا سياسية على المدرسة، وهكذا فان الأب ولش قام برابع مهمة بابوية كلف بها، وكان المطلوب منه خلال زيارته المرتقبة للعراق وباختصار جمع معلومات كافية عن جولته ورفع تقرير كامل بها لأخبارهم ما إذا كان من الممكن فتح مهجع للطلاب الكاثوليك في العراق وليس مدرسة.
كان طموح الأمريكان ومنذ فترة العشرينات يستند وبشكل رئيس بالعمل على تأسيس مدرسة ثانوية في بغداد، لتكون بمثابة نواة لجامعة أمريكية شبيهة بالجامعة الأمريكية في بيروت. فقد أراد الأب ولش منذ البداية بعد انتدابه رسمياً لهذه المهمة أن يحضر عرضاً أولياً عن هذا المشروع والإحاطة به من جميع الجوانب، فتوجه إلى روما أولاً للحصول على المعلومات الممكنة التي تتعلق بتفاصيل العمل المناط به وذلك عام 1930. وبعد حسم الخلاف الذي نشب حول قضية التمويل المادي الذي تبنته مؤسسة الرفاه الكاثوليكية في الشرق الأدنى وتبني الآباء اليسوعيين لمسألة تزويد المؤسسة التي ستقام بالطاقم التعليمي، توجه الأب ولش بعدها من روما إلى بيروت مباشرة فدمشق ثم العراق مقصده الاخير.
وفي أوائل شهر كانون الثاني عام 1931 وصل إلى العاصمة بغداد البروفسور ولش اليسوعي، وكان في تلك المدة يشغل منصب نائب رئيس جامعة جورج تاون في واشنطن. وكان موفداً بمهمة بابوية تتلخص بدراسة أحوال التربية والثقافة في العراق وخاصة ما يتعلق بالمدارس الكاثوليكية والبحث في مهمته الأساسية التي تدور حول إمكانية فتح مهجع (سكن داخلي في العراق  وليس مدرسة)، وهذا المهجع بطبيعة الحال للطلاب الكاثوليك الذين هم أصلاً يدرسون في المؤسسات التعليمية الكاثوليكية في بغداد كما مر بنا سابقا. لنتابع ما قاله ولش في مذكراته بهذا الخصوص: "أنه حط الرحال في العاصمة بغداد صباح يوم السابع من آذار 1931 قادماً من دمشق بواسطة باص تابعة لشركة تايرند، وهو سيكون في هذه المهمة بمثابة عين وآذان للجهة التي أرسلته، وليس ناطقاً باسمها". وحال وصوله التقى بممثل (البابا) في بغداد رغبة منه لكسب ود المسلمين نحو الكاثوليك وتقبل فكرة وصول بعثة تعليمية يسوعية إلى بغداد من جهة، ولتقليل النشاطات البروتستانتية من جهة أخرى.
يبقى أن نشير هنا أن الأب ولش ضمن موافقة الحكومة العراقية على أنشاء مدرسة للتعليم العالي في العراق بشرط أن يبدأ بمدرسة ثانوية، الأمر الذي دفعه إلى أن يقوم بجولة في عدد من المدن العراقية، إذ التقى بقادة مسيح أكدوا له بوجود حاجة ملحة داخل العراق إلى أنشاء مؤسسة تعليمية قوية ذات نوعية عالية، فضلاً عن ذلك فأن ولش، أدرك أن إرسال آباء يسوعيين إلى العراق لإنشاء مهجع لن يكون ضرورياً لأن الكنائس المحلية في العراق كانت قادرة على ذلك وحدها. أن قيام الأب ولش بالتفاوض والتنسيق مع بعض المسؤولين في الحكومة العراقية حول أنشاء مؤسسة تعليمية أمريكية نموذجية في العراق، وخروجه عن التفويض الأصلي الذي قدم من أجله، هو من أوجد فجوة كبيرة ما بين ولش والأبرشية الشرقية حالت دون استمرار التفاهم بينهما وبالتالي وصولها إلى طريق مسدود. ومما زاد الطين بلة هو توجه الأب ولش بعد انتهاء زيارته للعراق مباشرة إلى روما، متجاهلاً موقف الأبرشية التي انتدبته وأوفدته من أميركا، إذ كان من المفروض أن يرجع أولاً للقاء الأبرشية التي كلفته بالمهمة. فضلاً عن ذلك كله قدم ولش طلباً إلى وزارة المعارف العراقية اقترح فيه بتأسيس مشروعه الذي فاوض المسؤولون العراقيين من أجله، يرجوا فيه الحكومة العراقية بالموافقة على فتح مدرسة ثانوية برعاية الآباء اليسوعيين الأمريكان. ومما عزز من ثقته على نجاح مشروعه هذا هو لقائه بالملك فيصل الأول وأجراء مفاوضات شخصية معه  بخصوص التسريع بانجاز عمله في العراق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد كان للضغوط التي مارسها البطريرك الكلداني مار أيمانؤيل الثاني عن طريق مراسلاته مع روما والآباء اليسوعيين، عامل آخر ساهم في تعزيز فكرة أنشاء المدرسة، وذلك بعد زيارة الملك فيصل الأول لمدينة الموصل في حزيران سنة 1931، إذ كانت تلك الزيارة بمثابة نذير خير على البطريرك الكلداني الذي نجح بدوره في إقناع جلالة الملك بأهمية إقامة تلك المدرسة، فضلاً عن تأكيده لخضوع مسيحي العراق وخصوصاً الكاثوليك منهم لحكومة جلالته.
وفي هذه المدة تحديداً، أظهر القائمون على التربية في العراق رغبتهم الشديدة للاستعانة بالخبرات الأمريكية لغرض دراسة الحالة التربوية في العراق، ومعالجة مشاكل التعليم وجاءت هذه الرغبة على ضوء قرار مجلس الوزراء في حزيران 1931، القاضي بتخويل وزارة المعارف لاتخاذ التدابير اللازمة لاستقدام لجنة من الخبراء الأمريكان. كما تقرر في أواسط 1931، الاستعانة بأول خبير أمريكي وهو البروفسور بول مونرو (Ball Monro) الذي شغل مدير أحد معاهد كلية المعلمين التابعة لجامعة كولومبيا في نيويورك، ثم تتابع بعد ذلك وصول عدد من الخبراء الأمريكان التربويين إلى العراق، منهم الخبير جورج كلوس
(George Clous).
على الرغم من أن المساعي لتأسيس كلية بغداد بدأت منذ عام 1928، إلا أنها لم تفتح أبوابها إلا في السادس والعشرين من أيلول عام 1932،، وذلك لأن الفرنسيين الكاثوليك، الذين كانوا يمارسون نشاطهم في العراق لم يكونوا سعداء أبداً من فكرة قدوم اليسوعيين الأمريكان للعراق، لذلك فان الأب ولش نصح بان تكون بغداد هي المنطقة الوحيدة التي يمكن أن يعمل فيها اليسوعيون دون أن يثيروا معارضة الفرنسيين الذين كانوا يشكلون حجر عثرة أمام الاباء، وهذا ما حصل فعلاً. من ناحية أخرى فان أفراد البعثة اليسوعية الأربع الذين طلب منهم الأشراف على أنشاء الكلية في بغداد، تم إبلاغهم رسمياً بان مستلزمات البدء بهذا المشروع جهزت بما فيها المبالغ المالية التي أعدت لتمويله، والتي كان وعد بها الحبر الأعظم في روما بتوفيرها لتسيير عمل المشروع، البالغة (50.000) خمسين ألف دولار،إذ أصبحت جاهزة لتوضع تحت تصرفهم.
بدأت كلية بغداد بداية بسيطة ومتواضعة في دار مستأجر شرقي نهر  دجلة في منطقة يطلق عليها اسم المربعة، الواقعة في شارع الكيلاني والقريبة جداً من شارع الرشيد. برعاية وإشراف الآباء اليسوعيين الأمريكان التابعين لمقاطعة نيوانكلند، وفي ضوء نظام تعليمي عريق وطويل يمتد إلى أربعمائة عام والذي كان على اتصال بالعراق واحتياجاته التعليمية المعاصرة ومما ينبغي الانتباه إليه، هو أن الاسم الذي كان مقرراً لكلية بغداد في البداية هو
 (Baghdad College of the Immaculate conception)، وهذا الاسم وجد في الوثيقة التي وقعّت من قبل المؤسسين للجمعية التعليمية العراقية الأمريكية التي تشكلت في أميركا عام 1932.
أما بالنسبة لموقف الأهالي والحكومة العراقية من قدوم الآباء، فكان أمراً طبيعياً أن يرحب أبناء الطائفة المسيحية ترحيباً كبيراً بقدومهم وتقدير العمل الذي قاموا به، في حين شكك المسلمون في أهداف ونوايا هؤلاء القساوسة اليسوعيين، إلا أن شكوكهم سرعان ما تبددت بعد أن أدركوا بان هؤلاء الآباء لم يكن في نيتهم تغيير عقيدة أبناء المسلمين، وإنما كانوا يقدمون لهم خدمة تعليمية على مستوى راق، وبتعبير أكثر صراحة ووضوح أن الأهالي في بغداد نظروا إليهم على أنهم مجرد رجال دين أخذوا نصائح السيد المسيح لكي يخدموا الآخرين دون التأثير على معتقداتهم الدينية. وفي الواقع أنهم كانوا حريصين على أتباع وسائل عدة من أجل كسب حب وتقدير الناس عن طريق حسن المعاملة والمثل الحسن والإجادة في سلوكهم وأداء أعمالهم، الأمر الذي مكنهم فيما بعد إلى بناء نظام تعليمي متطور، مما حدى بالآخرين الى تقليدهم.

مما سبق يبدو واضحاً، أن هذه المؤسسة التربوية بدأت بداية بسيطة جداً في عقار مستأجر احتل موقعاً متميزاً في مركز العاصمة بغداد، يطل على شارع الرشيد في محلة المربعة، وكانت يومذاك مدرسة صغيرة للغاية تشغل بناءين صغيرين، تم استئجارهما لهذا الغرض، ومن ثم زودت بالكتب والمعدات اللازمة للمباشرة بأعمال التدريس، ومما لا شك فيه أن تزويدها بهذه الكتب كان يجري بتوجيه مباشر من الجمعية التعليمية المشرفة على المهمة اليسوعية بالتنسيق مع جامعة جورج تاون الأمريكية.
ومما هو جدير بالملاحظة، أن تلك الدار لم تستوف كل الشروط الملائمة لاستمرار الدراسة فيها مدة طويلة، إذ تميزت بقلة الصفوف التي هي أصلاً مقامة في غرف صغيرة جداً ذات أرضية غير مناسبة، فضلاً عن أن الإضاءة فيها كانت سيئة وذات أثاث ومقاعد متواضعة، وأخيراً كانت الأبواب والشبابيك غير مناسبة مما جعلها عرضة للبرد والعواصف الترابية. ونظراً للازدياد المستمر في أعداد الطلبة، فأن المبنى المؤجر في المربعة ضاق بهم ولم يعد المكان كافياً لاستمرار الدراسة فيه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان للنجاح الذي لاقته كلية بغداد والقائمون عليها بفعل الإقبال الكبير عليها سبباً كافياً في أن يتخذ الآباء اليسوعيون قرارهم بنقل موقع الكلية بعد مرور عامين على افتتاحها، إذ وقع اختيار الآباء على الحافة الشمالية لبغداد في منطقة الصليخ وذلك في عام 1934، فقد تم استئجار بيت يقع على ضفاف نهر دجلة، وهي مبنية على الطراز العربي القديم ومؤلفة من طابقين مع وجود رواق حول الطابق الثاني، استخدمت قسماً من الدار كسكن للآباء في حين خصص القسم الآخر لشؤون الدراسة وما يتعلق بها. وقد استمرت الدراسة في هذا الدار حتى عام 1936، وبعبارة أخرى أن التدريس في كلية بغداد منذ تأسيسها حتى عام 1936 كان يجري في بنايات مستأجرة إلى أن تم شراء أرض قريبة من العقار المؤجر في الصليخ من قبل الجمعية التعليمية العراقية الأمريكية، هذه الأرض الجديدة تقرر أن تكون موقعاً ثابتاً لكلية بغداد، تبعد حوالي أربعة أميال شمال مركز العاصمة بغداد وهي عبارة عن أرض زراعية تبلغ مساحتها حوالي (25) ايكر.
تباينت الآراء  حول سبب أختيار الموقع المذكور لكلية بغدادا، فهناك من يرى أن الآباء اليسوعيين اختاروا هذه المنطقة لعدة عوامل، أهمها موقعها الممتاز وهواؤها النقي وهدوؤها الشامل وبالتالي العمل بحرية في هذا المكان الواقع في منطقة بعيدة عن مركز المدينة ومشاكل الناس وعن كل ما يعكر صفو الدراسة، مما يدل على أن الآباء كانوا يقدرون جيداً ما للموقع الصحي من تأثير على المستوى العلمي والثقافي للطلبة، فضلاً عن ذلك أنه كلما كان المكان كبيراً كلما توسع وازداد عدد الطلبة المقبولين في الكلية، الأمر الذي يتطلب حتماً تحسين كفاءة الخدمة التعليمية والتربوية المقدمة للطلبة.في حين علل آخرون بان سبب الانتقال هذا يعود إلى رخص تلك الأراضي، إذ كانت منطقة الصليخ تقع في أطراف بغداد، وهي عبارة عن أراض زراعية وبساتين ومن الطبيعي أن تكون قيمتها المادية اقل بكثير من المناطق الداخلة في حدود ونطاق مركز العاصمة بغداد، وتؤكد الشواهد التاريخية على أن الآباء اليسوعيين هم أول من شيد بنايات كبيرة وحديثة في تلك المنطقة. في حين كان هناك رأي آخر يتناقله الناس في بغداد يرى أن سبب اختيار هذا الموقع بالذات كان لدوافع دينية، إذ أن هذه المنطقة المسماة (الشماسية) فيما مضى كانت تحفل بعدد من الأديرة التي تضم في جنباتها عدة كنائس مسيحية أهمها، دير (درمالس) و(دير سمالوا).
مهما يكن من أمر، فان اختيار الآباء لضاحية الصليخ ربما يعود إلى دراسات تاريخية قديمة، ولكن ما يجب ذكره في هذا الموضع هو أن اعتدال مناخ المنطقة ونقاء هوائها والهدوء السائد فيها، فضلاً عن وقوعها بالقرب من نهر دجلة وأحاطتها بالبساتين، هو الرأي الأرجح وراء اختيار ذلك المكان. وهكذا نجد أن أكثر التقارير المرفوعة إلى معارف بغداد عن طريق المفتشين الذين زاروا الكلية، وصفتها بأنها تقع في منتصف حديقة غناء تحيط بها الأشجار المختلفة من كل جانب، وهي بحكم موقعها هذا بعيدة كل البعد عن مشاكل الناس وضوضاء المدينة.
وتميز موقع كلية بغداد الجديد بإحاطته بعدد من الجيران الذين هم في مراكز السلطة في الحكومة من بينهم حكمت سليمان، الذي عمل ومنذ السنوات الأولى لانتقال الكلية إلى موقعها الجديد في جهة الصليخ على توفير الدعم المعنوي لهم ومساعدتهم في تعزيز تواجدهم فيها خاصة بعد استقرارهم في المبنى الدائم سنة 1939. إذ قام بإرسال اثنين من أبنائه للدراسة فيها تشجيعاً ودعماً منه، من ناحية أخرى حظيت كلية بغداد خلال انتقالها هذا بعطف السيد سامي شوكت، الذي كان واحداً من جيران الكلية وممن كان يحضر حفلات التخرج التي تقيمها الأخيرة كل عام.
فضلاً عن أحاطتها بجيران آخرين كرشيد عالي الكيلاني، الذي تميز عمن سبقه بالموقف الذي اتخذه ضد الكلية في عام 1936، الذي عّد أول تحد واجهت كلية بغداد في انتقالتها الجديدة. ففي العام المذكور طلب الكيلاني من إدارة الآباء في كلية بغداد أن يتبرعوا بجزء من الأرض العائدة لهم إلى إدارة المدينة لغرض أنشاء مركز للشرطة عليها، وأيده في مقترحه هذا عدد من المسؤولين في الحكومة، وكانت الأرض التي اختيرت لإنشاء المركز عليها تقع في الواجهة الأمامية للعقار العائد للكلية. تفاقمت الأزمة بعد أن تجدد الطلب أكثر من مرة بإزاء هذا التحدي فان الآباء لم يكن أمامهم أي خيار سوى قبولهم بالتبرع بهذه الأرض. ويبدو أن الآباء قد أدركوا جيداً حجم المخاطر التي ربما ستترتب عليهم أن هم فعلوا خلاف ذلك، إذ أن بإمكان المسؤولين العراقيين أن يصعبوا الأمور على الآباء مثلما هم قادرون في الوقت نفسه على تسهيلها، وذلك من خلال امتلاكهم للقوة والنفوذ وهذا ما يفسر سر استجابتهم السريعة لتلك المطالب، ومن حسن حظ الآباء أنه تقرر بناء مركز الشرطة على الطريق المؤدي إلى الواجهة الشرقية من الكلية، وبهذا انتهت المشكلة بسلام ومرت على رجال المهمة اليسوعية في بغداد دون أن تترك أي أثر يعرقل أعمالهم.
على أية حال، قرر الآباء اليسوعيون إشغال العقار الجديد في ضاحية الصليخ موقعاً ثابتاً لكليتهم، والممتد من نهر دجلة غرباً وحتى واجهة الصحراء شرقاً، واستمر إشغالهم لهذا العقار طول الفترة الممتدة من عام 1936 حتى استيلاء الدولة عليه عام 1969. وتم إزالة معظم الأشجار المحيطة به وذلك لإقامة بنايات جديدة وساحات اللعب وحدائق ودور السكن للملاك التعليمي المكون من الآباء اليسوعيين وقسم داخلي للطلبة.

عن رسالة (كلية بغداد 1928 ــ 1969)