اسرار تأليف وزارة محمد نجيب

اسرار تأليف وزارة محمد نجيب

تطورت الاحداث السياسية هذا الاسبوع على النحو الذي كان ينبغي ان تتطور اليه، اذا كان لا بد ان يسير "الطابور المصري" ويسرع بمصر الى مستقبل احسن!
ومن حسن الحظ ان الذين اشتركوا في الحدث السياسي الاخير استطاعوا من الطرفين – العسكريين والمدنيين – ان يرتفعوا الى مستوى الحوادث وان ينسوا الاشخاص والمطامع،

 وهكذا مرت الازمة بسلام. وقال الرئيس السابق علي ماهر ان استقالته متفق عليها وقال في استقالته انه "يترك الاعباء لايد امينة" واشاد اللواء محمد نجيب في خطاب قبوله تأليف الوزارة بحكمة سلفه وجهوده القيمة..
ولم يكن هناك مفر مما حدث، وكان اللواء محمد نجيب لايريد ان يلي اي منصب وزاري ولا حتى رئاسة الوزارة، ولكن احكام التجربة اكدت ان لا مفر له من تحمل هذا العبء ايضا.
3 ضباط
والذي حدث في عهد الرئيس علي ماهر هو انه كانت هناك هوة بين جبلين.
وكان علي ماهر يبعد نظره يدرك المرامي والاهداف التي تتجه اليها الثورة. ولكن الظروف الطبيعية – وسن السبعين لها حكم – كانت تبطئ حدة بعد النظر ولاحت الهوة بين الجبلين منذ اليوم الاول لقبوله تاليف الوزارة.
بل ان الرئيس علي ماهر وضع يده على الهوة ورآها واضحة امام ناظريه فقد حدث حينما اراد تعديل وزارته وبدا يدبر الاسماء في ذهنه ان اتضحت له هذه الهوة فنادى الاستاذ سليمان حافظ نائب رئيس الوزراء الان ووكيل مجلس الدولة في ذلك الوقت وقال له:
- اني اريدك ان تذهب الان الى اللواء محمد نجيب وتطلب منه ان يعطيني ثلاثة من ضباط مكتبه ليدخلوا معي الوزارة ثم قال علي ماهر انه يحس ان هناك هوة بين مدرستين: المدرسة القديمة من ساسة التقاليد، والمدرسة الجديدة المتحررة وهو يرى ان التوازن داخل مجلس الوزراء، لايتحقق الا بدخول وزراء من العسكريين ولما ذهب الاستاذ سليمان حافظ الى القيادة العامة للقوات المسلحة وعرض الامر لاقت الفكرة معارضة قوية فقد كان الاتجاه ان يبقى العسكريون بعيدين عن كل منصب وزاري.
في بداية الشوط
ولقد كانت الهوة بين المدرستين قوية واضحة واشتدت قوة وضوحها في الايام الاخيرة، ولم يكن الذنب ذنب المدرستين او ذبن احداهما، وانما كان التطور السريع الذي طرأ على مصر وثورة النهضة التي هبت فيها هما المسئولين الاول والاخير.
وكانت الاماني الطيبة تسود المدرستين ولكن التطور لم يكن يستطيع ان ينتظر النوايا الطيبة وانما كان عليه ان يواصل الاندفاع بقوة في طريقه المرسوم ويعد قانون تحديد المكلية دورا كبيرا في كشف الهوة الكبيرة وهكذا امكن تداركها بسرعة منذ بداية الشوط..
وليس سرا ان قانون تحديد الملكية لقى اعتراضات كثيرة، وكانت بعض هذه الاعتراضات تبدو كانها صادرة من عالم آخر لا يحس سكانه بما يجري في مصر اليوم، من ذلك مثلا ان يقال:
- كيف يمكن ان تحددوا الملكية بمائتي فدان فقط.. خذوا رجلا كالامير يوسف كمال انه يملك عشرين الف فدان فهل يتصور ان تأخذها جميعا منه ونترك له مائتين فقط.
وكان بعض المتحمسين يسأل:
- اهذا اعتراض يمكن ان يقال ضد المشروع.. ان هذا في حد ذاته اغراء بالتنفيذ.
ومن ذلك ايضا ان يقال:
- ولكن ماذا تصنع البيوتات الكبيرة! وكان المتحمسون للمشروع يقولون:
- تواجه مقتضيات التطور، وتعيش في العصر الذي هي فيه، وتتعاون مع غيرها لصالح الوطن كله حتى لا تأكله النار فلا تبقى منه على مائتي فدان او مائتي قيراط.

المركبة على الطريق!
والحق ان الرئيس على ماهر نفسه كان شديد الرغبة في ان يسير التطور في الطريق المرسوم له، وان يمضي فيه بسرعة، ولكن المسألة كانت اقوى رقبة فقد كانت مسألة طبيعية كما قلنا.
وكان اللواء محمد نجيب ومعاونوه من ناحية اخرى يدركون مسألتين:
الاولى انهم لا يريدون لانفسهم اي منصب سياسي او وزاري، وانهم منذ اليوم الاولى تحركتهم وهو يعود الى سنوات بعيدة قبل يوم 23 يوليو الماضي تعاهدوا فيما بينهم ان يلتزموا حدود رتبهم العسكرية ولا يتعدوها.
والثاني انهم يدركون انه لاينبغي ان تتغير جياد المركبة بينما هي مسرعة على الطريق. . ولكن بدا في الايام الاخيرة ان المركبة لا تسرع على الطريق.
ما هي الثورة؟
وعندما بدا الكلام من التصديق الوزاري الاخير، وسافر الرئيس علي ماهر الى مرسى مطروح ثم عاد منها الى القاهرة كانت هناك دلائل على ان شيئا ما سوف يحدث كان قد مضى ستة اسابيع على حركة القوات المسلحة.
وكان يبدو ان هناك بطئا في سير الامور، ولم يكن الامر ياخذ طابع الثورة وظروفها بحال من الاحوال!
وكان المسئولون يرون ان خلع الملك السابق ليس هو الثورة ، وانما الثورة الحقيقية هي ما ينبغي ان يتم بعد خلعه.. ولم يكن الملك السابق هدفا في حد ذاته، وانما كان بقاؤه على العرش عقبة في طريق التقدم وازيحت العقبة، وبقى ان تسير القافلة في طريق التقدم ولا تكتفي بعملية فتح الباب فقط!
وبدأ الجو السياسي يسمع نظرية جديدة حول التعديل الوزاري.
ان المسألة ليست مسألة اشخاص .. ليست مسألة ان يدخل فلان او يخرج فلان، وانما المسألة مسألة برنامج وينبغي ان يكون عليه الاتفاق لينطلق الطابور الى الهدف المرسوم له.
لقد مضى اوان الكلام عن الاشخاص وجاء اوان الكلام عن البرنامج..
وانتهى الكلام عن البرنامج الى حل وحيد هو ان يقبل اللواء محمد نجيب ان يشكل الوزارة فان هذا هو الحل الوحيد لكي لا يتكرر كل ما حدث.
وكان كل ما حدث ماثلا للاذهان ابتداء من الازمة الاولى الى الازمة الاخيرة..
والازمة الاولى مثلا ان الرئيس السابق اتفق مع الجيش على ان يضمن احد بياناته تحديدا لموعد الانتخابات، ولكن الرئيس السابق لم يضع هذا الموعد في بيانه واضطر الجيش الى اصدار بلاغ اذيع بعد ساعتين من بيان رئيس الوزراء.
ثمازمات الخلاف حول الوزراء الذين يجب ان يجلسوا على مقاعد الحكم في هذه الظروف العصيبة، والاشخاص الذين يجب ان يحيطوا برئيس الوزراء ويكون منهم مستشاريه..
وقانون الملكية والموافقة عليه ثم التردد بعد ذلك وضياع الوقت بين الموافقة وبين التردد.
وكان هناك غير ذلك مسألة هامة هو ان اسم القوات المسلحة كان يستغل في مسائل لم تطلبها القوات المسلحة او ترفضها وليس لها بها علاقة او سبب .
هذا كله.. وغيره جعل الكلام عن اشخاص الوزراء الذين يدخلون في التعديل او يخرجون فيه مسألة هينة.. الى جانب الاتفاق  على البرنامج اولا وقبل كل شيء.
ليست مسألة اسماء
ولكن وبينما الكلام مازال في البرنامج .. اسرع الرئيس علي ماهر فدعا الى عقد مؤتمر صحفي اذاع فيه تفاصيل التعديل الذي اجراه على وزارته واسماء الوزراء الذين ادخلهم واخرجهم من الوزارة.
وكانت تلك سابقة غريبة فقد جرت العادة ان لا تعلن اسماء الوزراء الجدد بصفة رسمية الا في المراسيم التي تصدر بتعيينهم ي مراكزهم.
وعلى اي حال فلم يكن لهذه السابقة اثر لان الحوادث كانت قد تعدتها وابتعدت عن الاشخاص.
وكان المفهوم ان قيام الوزراء الجدد يحلف يمين الولاء بين يدي اعضاء مجلس الوصاية سوف يتأخر الى ما بعد الاتفاق على البرنامج، واتضح بعد ذلك انه لا فائدة من الاتفاق على البرنامج وان المسألة مسألة اعادة تنسيق الصفوف لضمان التعاون الكامل كما قال اللواء محمد نجيب في خطاب قبوله تشكيل الوزارة ، ولكن اقتضت ضرورات الاسراع بالاعمال التي استهدفتها الحركة ان تنسق العلاقة بين الجيش والسياسة فنزلت على مقتضى هذا الحال وقبلت ان اراس الوزارة.
والذي حدث ان حركة الانتقالات الكبيرة التي قامت بها القوات المسلحة اخرت المصارحة بهذا الاتجاه، وفي اليوم التالي لاتمام الحركة ذهب اللواء محمد نجيب الى مجلس الوزراء وقابل الرئيس علي ماهر وشرح له كل الظروف والاتجاهات وكانت المقابلة عاطفية، وكان اللواء محمد نجيب متأثرا، ولكن مصلحة الوطن غلبت العواطف ووضعت الحقائق بصراحة

مجلة المصور- 1952