مذكرات التابعي: ماذا يحدث للشرق الاوسط لو دخل موسوليني مصر؟

مذكرات التابعي: ماذا يحدث للشرق الاوسط لو دخل موسوليني مصر؟

قائمة الطعام في فندق مينا هوس
كان موسوليني يطمع في دخول الاسكندرية والقاهرة في موكب برد التاريخ القهقري االى مصر امجاد روما ومواكب قوادها الغزاة وعودتهم من ميادين القتال معقودة حول رؤوسهم اكاليل الغار.
وتوالت انتصارات جيش المصور في صحراء مصر الغربية .. واصبح سقوط مصر او دخول مصر امرا محتوما لا ريب فيه.

وهنا عكف "الدوتشي" على وضع نظام وترتيب موكب "النصر" الذي سوف يسير على رأسه.. في شوارع الاسكندرية والقاهرة!
واصدر اوامره ان يرسل جواده الاصيل الابيض اللون الى بني غازي.. ومنها الى العلمين.. لكي يمتطيه "الدوتشي في اليوم الموعود.
ووقفت طيارة حربية خاصة على قدم الاستعداد في مطار روما لكي تحمل موسوليني – عند الساعة المرتقبة – الى ابواب الاسكندرية.. حيث ينتظره موكب النصر وجواده الابيض الاصيل.
حتى قائمة الطعام.. الذي سيقدم في المأدبة الكبرى اعدها الدوتشي بنفسه. وكان في نيته ان يقيم مأدبة عشاء وحفلة ساهرة في الاسكندرية.. ومأدبة اخرى وحفلة ساهرة في القاهرة.
وقد تم الاتفاق بينه وبين السلطات الالمانية على ان يكون فندق مينا هوس هو مقر القيادة الايطالية في القاهرة.
وكانت قائمة الطعام الذي سيقدم في مينا هوس في اول يوم يصل فيه موسوليني وقواده الغزاة كما يلي:
حساء سمك النيل
دجاج الفيوم
حمل مشوي على الطريقة البدوية
وطوي الف ليلة
وفاكهة الموسم (بطيخ وعنب ومانجو)
قهوة شرقية
"يعطوننا" الاستقلال؟
والى هذا الحد كانت الامال كبيرة والثقة في النصر لا ريب فيها.
وكنت كما قلت – اثناء زيارتي لروما في ابريل 1947 – لا اجد صعوبة في ان احمل من القاهم من الايطاليين – بين صحفيين ورجال اعمال – على ان يتحدثوا بل ويسهبوا في الحديث عن خطط المحور واماني ايطاليا فيما لو كان روميل قد نجح في اقتحام ابواب مصر.. ومن ورائها ابواب الشرق الاوسط والشرق الادنى.
ولكن لم يكن من السهل ان احمل احدا ممن لقيتهم على ان يحدثني بصراحة عن نياتهم وكيف كانت نحو مصر.. وعن مشروعاتهم في مصر لو كانوا احتلوا وادي النيل وسألت صحفيا قابلته في ميلانو..
- ومصر؟.. ماذا كنتم تنوون ان تعملوا فيها ؟
وابتسم الرجل وقال:
- كنا سنقدم الدليل على صداقتنا لها..
ولم اجد في هذا الجواب الدبلوماسي الرد الكافي على سؤالي فعدت اساله:
- واي شكل كان يتخذه دليل الصداقة؟.. ان الانجليز اقاموا في مصر خمسة وستين عام وهم يؤكدون صداقتهم لنا..
وابتسم سنيور برادا (الصحفي المذكور) مرة اخرى وقال:
- ومن اين لي ان اعرف التفاصيل؟ فانا لم اكن من رجال الحكم.. بل لم اكن عضوا بالحزب الفاشني. ولكنني اعرف ان بلادي صديقة لمصر واننا نحب المصريين وهكذا!
وقال سنيور ديوميدي من رجال الاعمال وقد قابلته في فورنا .. قال ردا على نفس السؤال:
- بدون شك كنا (نعطيكم استقلالكم). ولكن – وهنا ابتسم الرجل بمرارة – انتصارنا كان سيقلب موازين القوى في العالم وخصوصا في البحر الابيض المتوسط. وكان من واجب ايطاليا بل من حقها ان تطلب من صديقتها مصر بعض الضمانات التي تحمي مصالحها ومركزها الجديد.
وابتسمت انا وقلت:
- ولكن هذا ما يقوله وما يطلبه الانجليز اليوم؟
واعترض السنيورديو ميدي وقال بحدة:
- الانجليز؟.. وهل تمت وجه المقارنة؟.. نحن اصدقاؤكم وانتم تعرفون هذا واي ضمان كان ممكنا ان نطلبه انما من اجل مصلحتكم ومصلحتنا معا..
ومرة اخرى قلت:
- وهذا تماما ما يقوله اليوم الانجليز !
وهز الرجل كتفيه يأسا!
***
واكتفى بهذين المثلين حتى لا اطيل الحديث وحسن الحظ وحده هو الذي جمعني في روما بالاستاذ جياكنتي. والاستاذ المذكور –و هو من رجال القانون – كان يمارس قبل الحرب مهنة السمسرة في العقارات واراضي البناء.
واشتغل اثناء الحرب مديرا لمكتب الجنرال رنتزو مونتانيا احد اقطاب الفاشست والذي عينه موسوليني في اواخر الحرب مديرا عاما لبوليس "الجمهورية".. جمهورية موسوليني الفاشتية التي اعلنها في شمال ايطاليا بعد استسلام الملك عمانوئيل للحلفاء.. ولم تغمر طويلا جمهورية موسوليني وكان الجنرال مونتانيا يعيش وقتئذ – ربيع 1947 – في "جهة ما"  في شمال ايطاليا مختفيا عن العيون وفي حماية بعض اصدقائه الاقوياء النفوذ. اما مدير مكتبه فقد انضم الى الحزب الشيوعي الايطالي واصبح شيوعيا يشار اليه بالبنان!
وكان الحزب الشيوعي في ايطاليا يرحب بانضمام اي شخص الى صفوفه دون ان يهتم بالسؤال عن ماضيه والقسم الاكبر من المعلومات التي ارويها هنا حصلت عليه من الاستاذ جياكنتي المذكور وهناك تفاصيل ثانوية وقعت عليها عفوا اثناء احاديثي مع من قابلتهم في ميلانو وجنسوا وفلورنسا ونابولي وروما.

منطقة نفوذ ايطالية
لم يكن سرا مجهولا انه كان هناك اتفاق – على الاقل في بداية الحرب – على الاقل في بداية الحرب – على ان معظم شمال افريقيا ، ومصر منه، سيكون "منطقة نفوذ" ايطالية.
ولكن المانيا بدأت في عام 1941 تراجع نفسها وتتراجع عن وعودها لايطاليا. وكانت قبل ذلك قد رفضت – بعد انهيار مقاومة فرنسا في يونيه 1940 – رفضت ان تسمح لايطاليا باحتلال تونس وهي "التفاحة" التي كانت ايطاليا تشتهيها دائما!.. واحس الايطاليون يومئذ ان حليفتهم المانيا لن تخلص في وعودها لهم.
ثم انكشفت نواياها بعد ذلك شيئا فشيئا وكان رد الفعل ان تقدم موسوليني لشريكه في المحور – هتلر – بطلبات جديدة.
وما من شك في ان موسوليني كان سياسيا بارعا في المساومة والاخذ والعطاء. ولقد رأى ان يسبق ويطالب "بالزيادة" قبل ان يسبقه هتلر ويصارحه "بانقاص" ما تم عليه الاتفاق.
وهكذا تقدم موسوليني يطالب بفلسطين وسوريا ولبنان اي بالركن الشرقي لحوض البحر الابيض المتوسط.
وكانت هذه المساومة موضع مناقشات عديدة واخذ ورد بين الحليفين قطبي محور المانيا – ايطاليا.
وكان مشروع موسوليني – فيما لو كان نجح في مساومته – يتلخص فيما يأتي:
اولا- امبراطورية وادي النيل وتتألف من مصر وشمال السودان وولاية برقه تحت حكم ملك مصر وتعقد بين ايطاليا ومصر معاهدة صداقة وتحالف وتعاون مشترك.
ثانيا – ما بقى من ليبيا يكون ولاية تتمتع بالاستقلال الذاتي تحت رعاية ايطاليا .
ثالثا – الغاء "امارة شرق الاردن وضم جزء منها الى فلسطين . والجزء الباقي الى سوريا.
رابعا – استقلال فلسطين في شئونها الداخلية وعقد معاهدة صداقة ورعاية" مع ايطاليا على ان يكون لهذه حق حماية فلسطين ضد كل اعتداء يقع عليها اي معاهدة "حماية"
خامسا – توحيد سوريا ولبنان في دولة واحدة مستقلة استقلالا تاما وعقد معاهدة بين هذه الدولة وايطاليا على غرار معاهدتها مع مصر
سادسا: انشاء ادارة موحدة لافريقيا الوسطى والشرقية المكونة من جنوب السودان والحبشة والصومال واريتريا.
***
هذه هي اركان المشروع او الامل العريض الذي كان يملأ صدر موسوليني والذي كان يطمع من وراء تحقيقه الى جعل البحر الابيض .. بحرا ايطاليا صرفا.. الكلمة الاولى والعليا في شئونه وشئون شعوبه لايطاليا الجديدة القوية.

استقلال بالمعنى الذي يفهمه المحور
كان موسوليني ينوي اذن ان يترك لمصر الصديقة الحليفة "استقلالها" بالمعنى الذي يحدده ويفهمه!.. هذا من الناحية السياسية اما من الناحية الاقتصادية فان ايطاليا لم تكن تطلب من مصر اكثر من ان تسمح لها بالحلول في ميدان الاقتصاد المصري محل اعفائها الانجليز والفرنسيين والبلجيكيين واليونانيين..
اي ان كافة رؤوس الاموال الاجنبية تقريبا في مصر ونشاطها التجاري والمالي والصناعي كانت تنتقل الى ايدي الايطاليين.
ولما ابديت دهشتي واعتراضي قال محدثي:
- وماذا كان يضركم لو اننا حللنا محل الانجليز والفرنسيين واليونانيين!
قلت: ولكن الم يخطر لكم انا قد نفضل – والبلد بلدنا – ان نحل نحن في ميدان الاقتصاد محل هؤلاء!
قال : معنى هذا انكم كنتم تطلبون منا ان نحرم انفسنا من جميع ثمرات النصر؟..
لقد تركنا لكم استقلالكم التام فلماذا لا تتركون لنا ميدان الاقتصاد وهو لم يكن لكم في اي يوم بل كان دائما للبلجيكيين والفرنسيين واليونانيين والانجليز؟
قلت: نعم. لم يكن لنا وحدنا ولكننا كنا وما نزال نعمل على استخلاصه من ايدي هؤلاء.
وضحك الرجل وقال:
- حسنا! كنا اذن نترككم تعملون على استخلاصه من ايدينا!
***
وفي حديث آخر مع صحفي كان يعمل في جريدة (بونسنسو) لسان حال الحزب "اموكو النكوى" – اي حزب الرجل العادي – ولا ادري هل لا يزال الحزب المذكور قائما حتى اليوم ام انه اندمج في حزب آخر.. قلت:
- اننا في مصر نعرف ان ايطاليا مزدحمة بسكانها وان الايدي العاملة فيها تزيد كثيرا على حاجتها وان فريقا كبيرا من سكانها والحالة هذه يعيش في فقر مدفع ، ولهذا فان اخشى ما كنا نخشاه منكم لو كنتم دخلتم مصر هو ان تزاحموا اهل البلاد على لقمة العيش، وان تمتلئ مصر بعمالكم وصناعكم، حتى ان البعض منا بالغ وقال ان الحمالين في محطات السكك الحديدية المصرية وماسحي الاحذية في القاهرة واسكندرية وغيرهما من مدن مصر كانوا سيصبحون جميعا من الايطاليين!
وهنا ابتسم الصحفي الايطالي ابتسامة صفراء وقال:
- الم يكن يرضى كبرياءكم ان يمسح الغالبون المنتصرون احذيتكم ويحملوا لكم حقائبكم؟

محمد التابعي
آخر ساعة -1962