جماعة الأهالي بين الشباب والشيوخ.. كيف أنضم حكمت سليمان للجماعة؟ وماهي دوافعه؟

جماعة الأهالي بين الشباب والشيوخ.. كيف أنضم حكمت سليمان للجماعة؟ وماهي دوافعه؟

د. عكاب يوسف الركابي
يمكن اعتبار جماعة الأهالي، تجمعا ً لعناصر وطنية تهدف الى القيام، بإصلاحات اجتماعية او سياسية، متأثرة بالمبادئ الاشتراكية، والديمقراطية، ويحوي هذا التجمع عناصر متطرفة واخرى، معتدلة، تشترك في اعتقادها، بضرورة القيام بتلك الإصلاحات، ومهما يكن من أمر، فأن الذي يعنينا من جماعة الأهالي التي تناولتها،

الكثير من الدراسات المتخصصة،هو توضيح الكيفية التي انضم بها، حكمت سليمان، الى تلك الجماعة، ومدى اسهامه في نشاطاتها.أنضم، حكمت سليمان، الى جماعة الاهالي في أوائل العام 1934، وهو لم يزل عضوا ً في حزب الإخاء الوطني، وهذه الحقيقة أكدها هو نفسه، وجماعة الأهالي.

حيث، سعى كامل الجادرجي، وهو عضو بارز في الجماعة لإدخال شخصيات جديدة الى، الجمعية السرية، التي شكلتها، جماعة الأهالي، على أساس الشعبية، وذلك لأنه كان يعتقد، بضرورة ان تكون اللجنة المركزية تحوي بالإضافة الى الشباب، بعض الشخصيات البارزة، بينما كان هناك رأي، بأن تكون اللجنة المذكورة من، الشباب فقط، وكان يدور في ذهن، الجادرجي، من الشخصيات، جعفر ابو التمن، ونصرت الفارسي، وحكمت سليمان، وكان، نصرت الفارسي، قد جذب الى الجماعة بواسطة، جمعية السعي لمكافحة الامية، فأتجه، كامل الجادرجي، مستعينا ً، بجعفر ابو التمن، من اجل، ضم، حكمت سليمان، الى الجمعية، وقد كانت علاقة الاخير، بجعفر ابو التمن، جيدة، عن بعد، حيث أيدّ، جعفر ابو التمن، إجراءاته في ضرب، حركة الاثوريين، كما ان جماعة الاهالي، ومن خلال جريدتهم (الاهالي) أيدت سياسة الوزارة الكيلانية الاولى، تجاه تلك القضية، وكان هذا حافزاً، لتقرب، حكمت سليمان، من الجماعة اولاً، ثم الانضمام اليها ثانيا ً.

ذكر، كامل الجادرجي، كيفية مفاتحة، حكمت سليمان، ودور، جعفر ابو التمن، في الموضوع، بما نصه: ((كان، حكمت سليمان، قد أنسحب الى زاوية نائية من بغداد في داره في الصليخ، وقد كانت تصرفات، وزارة المدفعي، الثانية سنة 1934 سيئة جدا ً، والاستياء منها عظيما ً ولم يكن في البلد حزبٌ يقاومها، وكان، حكمت، مثل غيره، محطم الامال لا يختلط بأحد ولا يفكر بعمل سياسي مؤثر، وبعد امعان النظر، قررنا ترك، نصرت الفارسي، وادخال، حكمت سليمان، فقد زرت، حكمت، ذات ليلة في داره وتحدثنا مليّاً عن الوضع السيئ السائد في البلاد، وعن لزوم مقاومته، ومع انه وافقني كل الموافقة، لم أجد أملاً قويا ً في نجاح المسعى، ولم يكن يعلم شيئا ً عن اعمالنا السرية، وعن اعتزامنا تأليف جمعية باسم، الشعبية، كما لم يعلم بعلاقتنا، بجعفر ابو التمن، وقد ذكرت له اسم، جعفر، وقلت له انه مستاء جداً من الوضع الراهن، ولا يستبعد ان يوافق على العمل اذا وجد سبيلا ً الى ذلك، فتغيرت أسارير، حكمت سليمان، وظهرت عليه بوارق الامل وقال ((وهل يرضى، جعفر، ان يشتغل معي؟ لا أظن انه يثق بي كثيرا ً))، وقد كان سؤالاً ذا خطورة وحكما ً غريباً على، جعفر ابو التمن، مما جعلني افكر برهة في جواب مناسب، ولم أرد ان اعلمه بما عندنا في تلك الجلسة، وكان يجب علّي ان اكون على حذر منه لعلمي بعلاقته القوية، برشيد عالي الكيلاني، الذي لم يوافق أحد منا على الاشتغال معه او الاتصال به بأية طريقة كانت مباشرة، او غير مباشرة، وبأي ظرف من الظروف، وكان، جعفر ابو التمن، ايضا ً، من انصار هذا الرأي، فقد سبق ان بين، ان من محاذير العمل مع حكمت سليمان اتصاله، برشيد عالي الكيلاني، وذلك عندما وضعت قضية التعاون مع، حكمت سليمان، على بساط البحث.

وهكذا فبعد ان جس، الجادرجي، نبض، حكمت سليمان، حول موقفه من الاوضاع الراهنة، وجد عنده الرغبة في العمل اولا ً والتعاون مع، جعفر ابو التمن، ثانيا ً، فأخذ بالتمهيد للقاء بينهما، أستمد ضرورته مما عبر عنه، حكمت، من شكوك ازاء استعداد، ابو التمن، للعمل معه، شكوك تعود في اغلب الظن، الى أيام خروج حزب، الاخاء الوطني، على وثيقة التآخي، وكون، حكمت، ذاته من بين الذين تألفت منهم الوزارة التي كانت مثار النقد عموماً، ونقد، جعفر ابو التمن، وحزبه الوطني العراقي، خصوصا ً، وبالتالي، فلم يكن حكم، حكمت، على، جعفر ابو التمن، الذي اعرب عنه، للجادرجي، حكما ً غريبا ً كما ذكر الاخير. وقد ذكر هذا أيضاً: ((سألت حكمت عما اذا كان يتصل، بجعفر ابو التمن، في بعض الاحيان، وما اذا كان قد باحثه في الوضع الراهن؟ فأجاب، سلبا ً، واضاف ان، كلاً منهما معتزل العمل السياسي، وبائس، فسألته عما اذا كان لديه مانع من الاجتماع به، فأجاب، بأنه سيكون مسروراً، وانه يجد ذلك ضرورياً، ثم تكلم بعد ذلك بحماسة وقال: ((انه يثق، بجعفر ابو التمن، كل الثقة وهو لم ينس معاضدته الادبية له في، قضية الاثوريين، وانه كثيرا ً ما حاول ان تستفيد البلاد من اخلاص، جعفر ابو التمن، وشخصيته الفذة في مواقف ايجابية وفي مواقع مهمة، فقد حاول ان، يجعله رئيساً لمجلس الاعيان، ولم يجد رغبة قطعية من جعفر لكنه ايضاً، لم يجد مخالفة شديدة، واضاف ان الذي عرقل مساعيه في هذا الشأن، ياسين الهاشمي، واخذ يهاجم ياسين)) وأضاف، الجادرجي، ((انه بعد مدة قصيرة اجتمع، حكمت سليمان، بجعفر ابو التمن، في داري، وتكلمنا كثير اً حول الوضع الراهن آنئذ واستعرضنا الماضي والحاضر، وتم الاتفاق فيما بيننا على، وجوب تأليف جمعية سرية من أناس جدد وعلى اساس جديد على ان، لا يدخل فيها من رجال، العهد الماضي، الذين خانوا العهود وضربوا المبادئ عرض الحائط، وعلى ان يكون جل اعتمادنا على الشباب المثقف، وقد شرحنا، لحكمت، مبادئ (الشعبية) المنوي تأليف، الجمعية السرية، على اساسها، فابدى استعداده للانضمام) وكان ذلك في مطلع العام 1934)).
وهكذا وافق، حكمت سليمان، على الانضمام الى جماعة الاهالي معبرا ً عن، رغبته الشديدة بالعمل مع، جعفر ابو التمن، وقد طلبت الجماعة منه بألحاح، الا يقوم باخبار، ياسين الهاشمي، ورشيد عالي الكيلاني، فوعد بذلك، وان كان المعتقد انه من غير المحتمل، في ظاهر الحال، ان يتمكن، حكمت سليمان، من، قطع علاقاته مع ماضية السياسي ليحتضن مبدأ جديداً.
اما جماعة الاهالي انفسهم، فقد كانوا، يعيرون اهتماما ً خاصا ً، لان يكون، حكمت سليمان، في صفوفهم وكانوا يتابعون عن كثب، ما آل اليه التآخي بين، الحزب الوطني العراقي، وحزب الإخاء الوطني، وما حدث من اختلافات وانقسامات بينهما، كأنهم كانوا يتوقعون ان ينفض، حكمت سليمان، يده من هذه الجماعة، ويأملون استمالته اليهم، ومردّ هذا الاهتمام يعود الى، تقديرهم له في موقفه الثابت في ضرب، حركة الاثوريين، عندما كان، وزيرا ً للداخلية، في حكومة الكيلاني الاولى، فضلاً عن ان، جعفر ابو التمن، كان على معرفة تامة، بحكمت سليمان، وعلى استعداد للعمل معه، فكان يشجع الجماعة على ضمه لانه كان مقاربا ً له في العمر اولاً، ولرغبته في، ضم عناصر اقل تطرفاً ويسارية. كذلك كانت رغبة، كامل الجادرجي، في انضمام، حكمت سليمان، الى جماعة الاهالي، والذي عمل معه في اللجنة التنفيذية في، حزب الاخاء الوطني، تعود الى اعتقاد الاخير وابو التمن ((بأن شهرته ستكون عونا ً للجماعة عند خروجها الى العلن، وقد شجعها على مفاتحته، شخصيته الدالة،على أنه ليبرالي معارض لمناورات السياسيين التقليديين، وكانا على معرفة جيدة به في الحركة الوطنية، وعلى يقين، بأنه سوف يكون من المتعاطفين مع أهداف الاهالي)).
وهكذا لقي انتماء، حكمت سليمان، الى جماعة الأهالي، استحسانا ً كبيرا ً لديهم، باعتباره سياسياً محترفاً وهم دخلوا الى ميدان السياسة حديثا ً، فهم يشعرون بالحاجة الى شخصية معروفة يلتفون حولها، لذلك اعتبروا انضمامه اليهم بمثابة، " صيدا ً ثميناً "، على الرغم من ان عبد الفتاح إبراهيم، وهو احد المؤسسين للجماعة، لم يخف قلقه من هذا الامر ورأى ان ذلك قد يؤدي الى فتح الأبواب أمام محترفي السياسة لاستغلال هذا التنظيم لإغراضهم السياسية وفي مقابلة للباحث معه، قال، إبراهيم ما نصه: ((ان الغاية من انضمام، حكمت سليمان، الى جماعة الأهالي هي لمساومة الحكام، والاستفادة من، التنظيم الجديد، الذي جذب اليه الكثير من العناصر المثقفة الشابة … أقول لك بصراحة … لم تكن هناك جذور فكرية بين، حكمت سليمان، وجماعة الاهالي … ان، حكمت سليمان، بانضمامه الى الجماعة يحاول الوصول عن طريقهم الى اشباع طموحه السياسي والجلوس على الكرسي))، ولعل حرص عبد الفتاح ابراهيم، على ان تبقى جماعة الاهالي، اتجاها ً فكريا ً، جعله يميل الى هذا الموقف، وهو تخوف مشروع، فهو لم يكن يثق، بحكمت سليمان، ولم يكن، راضيا ً عن الاحترام، الذي كان يعطى له، لذلك عد انتماءه، انحرافاً في مسار جماعة الاهالي، وان كان عمل شخص معهم من عياره، يبدو بطبيعة الحال، جذابا ً للغاية، وهو رأي اثبتت الايام صحته في الوقت الذي عبّر فيه، محمد حديد، وهو أحد الاعضاء المهمين في الجماعة، عن رغبته في انضمام، حكمت سليمان، اليهم، كونه، شخصية متقبلة للإصلاحات.
اما دوافع انضمام، حكمت سليمان، لجماعة الأهالي، فكانت موضوعا ً لتقديرات تاريخية متعددة، ففي الوقت الذي عده، مجيد خدوري، ناجما ً عن موقف انتهازي صرف، بين في الوقت نفسه، انه لم يشارك الجماعة نزعاتها الاشتراكية ولكن كان يعد نفسه مصلحا ً على، نمط مصطفى كمال، وهو لهذا، أيّد الإصلاحات العديدة التي طالبت بها الجماعة.

بينما اعتبر بطاطو، بأن انضمامه يُعد، كسبا ً مشكوكا ً فيه، كونه وزير داخلية سابق وسياسي محترف، في حين عدّه آخرون من الظواهر السياسية الهامة، لان سخر امكانيات الجماعة، فيما بعد، في، التمردات العشائرية، واسقاط الوزارات الحكومية، كما انه لعب دورا ً في ايجاد التقارب بين، جماعة الاهالي، وبكر صدقي.

ومهما يكن الامر فأن، انضمام، حكمت سليمان، الى جماعة الاهالي، لا يدل على رغبة صادقة في الإصلاح، بقدر ما كان تعبيرا ً عن محاولته، لإشباع طموحاته السياسية، لذلك كانت النتائج وخيمة، لم يتضرر منها بعدئذ من بين الجماعة، قدر تضرر هذا البعض.

وقد وضعت الجمعية صيغتين للقسم: الأولى، للأعضاء القيادين، وهم كل من، جعفر ابو التمن، وحكمت سليمان، وكامل الجادرجي، ومحمد حديد، وعبد الفتاح إبراهيم، وقد تكونت اللجنة المركزية منهم، والثانية، وهي اكثر اختصارا ً للأعضاء المنتمين، والقسمان يعبران، عن الولاء للجمعية، والمبادئ التي تقوم عليها، يقسم، بثانيهما العضو المنتمي امام العضو القيادي الذي يكسبه دون ان تجتمع، اللجنة المركزية للجمعية، من اجل ذلك كل مرة.
وبعد تأليف اللجنة المركزية للجمعية، بدأ الاعضاء القياديون اتصالاتهم، بقصد كسب واجتذاب عناصر جديدة اليها، فقسّموا العمل بينهم على ثلاثة محاور:
(1) المحور الاول: وهو الاتصال بالشباب المثقف وبالموظفين، ولا سيما عن طريق نادي بغداد، وجمعية السعي لمكافحة الامية، وأنيط ذلك بكل من، كامل الجادرجي، ومحمد حديد، وعبد الفتاح ابراهيم.
(2) المحور الثاني: الاتصال بجماعة خاصة من اعضاء الحزب الوطني العراقي، المتوقف النشاط، وتولاه، جعفر ابو التمن.
(3) المحور الثالث: المتعلق بـ (التنظيم العسكري) للجمعية وقد أخذه حكمت سليمان على عاتقه، على ان يقوم بتشكيل منظمة داخل القوات المسلحة (جناح عسكري)، حيث جعل نقطة اتصاله ببكر صدقي، قائد الفرقة الثانية الذي اخذ بدوره، بمحادثة من يعتمد عليهم، من الضباط كشاكر الوادي، ومحمد علي جواد، وبهاء الدين نوري ثم، عبد اللطيف نوري وغيرهم، الا ان التنظيم العسكري او (الجناح العسكري) للجمعية، كان سريا ً للغاية، فلم تلتق اللجنة المركزية للجمعية، بالأعضاء العسكريين ولم تكن تعرف اسمائهم، لكنها، أعلمت عن طريق، حكمت سليمان، بأن أولئك الأعضاء، قد أقسموا جميعا ً، اليمين المقررة.
ويبدو مما تقدم، ان ضم العسكريين الى التنظيم، لم يكن مخططا ً له من قبل الجماعة، وانه من بناة افكار، حكمت سليمان، على الأرجح، لذلك يعتبر هذا العمل، دعوة مفتوحة للجيش للتدخل في السياسة، وهذا يتنافى مع المفاهيم الديمقراطية التي تنادي بها جماعة الاهالي، ولا شك انه يمثل انحرافا ً خطيرا ً في مسار الاهالي يتحمل، حكمت سليمان، نتائجه.

ومهما يكن الامر، فقد عد البعض انضمام، جعفر ابو التمن، وكامل الجادرجي، وحكمت سليمان، بمثابة نقله نوعية في حياة جماعة الاهالي، فتحولت، من مرحلة، المثالية الى، الواقعية، اذ استطاع هؤلاء، وبخاصة، كامل الجادرجي، ولكونهم اكثر، خبرة وتجربة واكبر سنا ً، واكثر معرفة بأمور السياسة، الارتقاء، بجماعة الاهالي، الى قوة سياسية، بعد ان كان تأثيرها، محدودا ً في السياسة العراقية، على الرغم من انها، كانت تصدر، جريدة شعبية، حيث اسهم هؤلاء بثقلهم وتاريخهم السياسي بأسناد، جريدة الاهالي، فكان لكل واحد منهم امتياز، جريدة يضعه تحت تصرف الجماعة، عندما تتعرض الجريدة الام الى التعطيل، فعندما عطلت (الأهالي) في 12 / آذار / 1934، صدرت بدلا ً عنها (صوت الأهالي)، لكامل الجادرجي، في 14 آذار من العام نفسه، وعندما عطلت (صوت الأهالي) حلت محلها جريدة (المبدأ) في 26 كانون الثاني 1935، لصاحبها محمد جعفر ابو التمن، وعندما اغلقت (المبدأ)، طلعت بدلا ً عنها جريدة (البيان) لصاحبها، حكمت سليمان، في 12 / آذار 1935.

الا انه، ومن ناحية أخرى، بدأ الترابط، يضعف بين جماعة الأهالي الأوائل والذين انظموا فيما بعد، فقد كانت الغلبة قبل انضمام، كامل الجادرجي، للتيار الأكثر راديكالية، الذي يتزعمه، عبد الفتاح إبراهيم، وبعد دخول، الجادرجي، بدأ الصراع بينه وبين، عبد الفتاح إبراهيم، ثم اخذ يشتد بدخول، جعفر ابو التمن، وحكمت سليمان، حيث شكل الاخير تياراً محافظا ً، ما لبث ان أصبح المؤثر في الجماعة، بينما مال، عبد القادر اسماعيل، الى الحلقات اليسارية التي أخذت تثير انتباهه، وترضي طموحه الفكري اكثر من جماعته السياسيين المخضرمين الذين آل اليهم، الامر في جماعة الأهالي، وأصبحت كلمتهم هي الغالبة.

عن رسالة (حكمت سليمان ودوره السياسي...)