الموروث الشعبي في مؤلفات الأديب الرحالة الساعاتي

الموروث الشعبي في مؤلفات الأديب الرحالة الساعاتي

سليم فاضل
تزخر مؤلفات الرحالة الاستاذ ناجي جواد الساعاتي بتتبع واستقصاء جوانب الموروث الشعبي للشعوب التي يزور ويرحل الى بلدانها ودولها حيث يصور بدقة متناهية القيم والعادات والتقاليد والفنون والآداب والصناعات الشعبية، ويجمع كل ما تتضمنه الحياة الشعبية في جانبيها المادي والنظري، وينقل منها ما يستطيعه للقارئ بأمانة علمية دقيقة لا تشوبها اي شائبة من بالغة او تمويه، ولا يضع على ما تنقله عدسته التي يقطر منها جنانه فوق قلمه على الورق الا التعليق البسيط،

 او الربط بين قيم وعادات وموروث شعبي قيّم وحديث ومعاصر، ليقدم الصورة بابعادها وداخل الاطار الذي يجعل من يتناولها في موقف المتخيل، ويعيش في الاجواء والمواقف ذاتها ليظل على بينة واضحة.

1. هذاالفهم الاصيل للموروث الشعبي عند الرحالة الساعاتي له اصوله العميق سواءً في حياته الشخصية التي عاشها في بيئة شعبية فقيرة من احياء بغداد هي منطقة (صبابيغ الآل) وشبَّ فيها فتياً لينمو وهو يتعرف على واقعه الشعبي، وما يحيط به من حياة تفيض بالضوابط والقيم والمبادئ العريقة الجذور، التليدة في آدابها وموازينها ومعاييرها الاصيلة، وكذلك ما حملته ثقافته الشعبية، ومن هنا نحدد الاسباب الكامنة  في اهتماماته وشغفه بالموروث الشعبي الى  جملة عوامل هي:
الاول: الواقع الشعبي والبيئة ابتداءً من البيت الى المحلة الى الشارع، وجملة  ما يتعارف عنها من قيم وعادات وتعامل يومي فطَنَ له ناجي جواد، الطفل الذي كان يصحبهُ اخوه الكبير الى محل تصليح الساعات، فقد تركت مشاهداته وملاحظاته اثرها.
الثاني: واقع التعليم في تلك الفترة من عمر العراق، والظروف الاقتصادية التي تحيط بعائلة ناجي جواد الساعاتي التي اتجه الابناء فيها الى طلب المعيشة بصبر وثبات، فلم يتسنَ له التعليم المدرسي المستمر مما حدا به الى الاعتماد على ذاته في طلب العلم في بدايات عمره (المديد ان شاء الله) حتى انه يذكر عادات وتقاليد بيع الكتاب في (سوق السراي) المعروف في فترة حياته الاولى وانصرافه مع اصحابه الى اقتناء الكتب القيمة والثمينة من عربات الباعة المتجولين حتى اتيحت له فرصة التعليم في المدارس المسائية والعمل النهاري.
الثالث: أثر والدته التي احبته حبا متميزاً منذ طفولته، لأنه ولد طفلاً صغيراً يتيماً حرمته الحياة حنان  الوالد وعطفه، فكانت الوالدة هي الأم الرؤوم التي تعوضه بما تكنه من محبة صادقة، ولهفة صافية عما يجب ان تقدمه لولدها ناجي، لذلك كانت تصحبه معها في سفراتها الى الاماكن المقدسة في بغداد وكربلاء والنجف وغيرها من المدن العراقية، فولدت عند الطفل ناجي رغبة في الاسفار، والترحال بل أنّه صار يسجل عادات العراقيين في التنقل والزيارات للأئمة والاولياء الصالحين، ويكتب في ذاكرته الواقع الذي شاهده في تلك الفترة.
الرابع: سفراته ورحلاته المنظمة التي توزعت فيها روحه الشغوف الى معظم دول العالم، حتى وجد نفسه الانسان السائح، الذي يضرب عصا الترحال فوق المعمورة،  ولا يعود آيباً الى بغداد حتى يتلهف الى سفرة جديدة، فالسفرة عنده نزوع ذاتي للبحث عن الوجود، واكتشاف اسرار اسعادة، والتي لم يجدها الاّ في التطواف بين الشعوب وهو يكتب ويصور موروثهم الشعبي.
الخامس: ثقافة الاديب ناجي جواد، حتى بعد تخصصه في المحاماة ود راسة القانون التي جعلت من نفسه محطات طويلة للسفر والتطواف في الحياة الشعبية للناس والعيش معهم، فقد ظلت ثقافته المنهجية ذاتية، نضجت مع محبته لتكوين علاقات حميمة مع مجموعات كبيرة من الادباء والمثقفين والشعراء، كان لهم الاثر البليغ في مسار ادبه وثقافته وتحديدها.
السادس: حرفته في تصليح الساعات، والمتاجرة فيها التي لم تبعده عن حياة السوق والتعامل اليومي مع الناس، وعدم الانقطاع عنهم، وقد استفاد من هذه الحرفة الشعبية فضلاً عن امور الاحتكاك المباشر مع الآخرين، انه تعلم الدقة والمثابرة والاصرار حيث تعلمها من عمله الدؤوب في تصليح الساعات، وحقق الاستفادة من التجارة في اكتساب المهارة، وسرعة البديهة، وحسن الالتقاط لما يكتبه ويسجله مما يريد من الموروث الشعبي للدول والبلدان التي طافَ فيها.
تلك العوامل التي نجدها في مؤلفاته جميعا(**)، وفي كتب الرحلات، وسوف نقف على تلك العوامل وآثارها في تسجيله للموروث الشعبي، ودراستنا له هنا.

طفولة وحياة بغدادية شعبية
1ـ رحلة العمر: يعتبر ناجي الساعاتي رحلاته متكاملة مع حياته الاولى، وجميعها متلازمة، وآثارها متلاحمة متشابكة، وقد وصفها في مؤلفاته، من ذلك تصويره الحياة بغداد الشعبية ولياليها، ذكَرَ ذلك في كتابه (قصة الوقت، ص7): «وهكذا اضحى جميع افراد اسرتنا يتقنون فن اصلاح الساعات بحكم التقاليد الموروثة، وانتهاج مهن ابائهم، والذي لم أنسَهُ منذ طفولتي، وذكريات الطفولة عذبة مهما كانت معذِبة- هو انني كنت اسهر ليالي بغداد الشتائية، لاسيما ليالي رمضان، التي اعتاد افراد الاسرة ان يجتمعوا خلالها في غرفة واحدة حتى وقت متأخر من الليل لأستمتع في فترات الاستراحة من تلك الليالي بما كان يرويه عمي واخوتي من احاديث وقصص عن ألف ليلة وليلة، ومجنون ليلى وابي زيد الهلالي ومغامرات عنتر».
وكنت ارتقب حديثهم بشوق وتطلع وكم كنت اتمنى ان تبقى تلك الاحاديث موصولة الحلقات..»الخ(1)
2ـ العائلة والمهنة  واسرارها: طموح عظيم كان يشد الاديب الرحالة الساعاتي الى الحياة العلمية والعملية وعدم البقاء على ما تبغيه العائلة بتربية ابنائها على مهنة تصليح الساعات كحرفة متوارثة، كتب لأبنته هيفاء من الهند عادات شعوبها قائلا: «اليوم طلعت الى جبال الهملايا لأزور مصيف مسوري، ولأحقق حلماً طالما راودني، وأنا اقبع في محلي في بغداد الحبيبة، يدفعني لذلك حب الاطلاع على ما يمكنني الاطلاع عليه من معالم العالم العجيبة».
ولعلَّ حب الاستطلاع هذا كان من الدوافع المهمة لمضاعفة كفاحي في المهنة والصبر على متاعبها».(2)
ولقد كانت من عادات العوائل البغدادية تعليم ابنائها الاختصاص بالمهنة التي توارثوا عليها، وهذا ما نجده قائماً حتى اليوم في الالقاب التي تتسمى بها العوائل البغدادية بخاصة، والعراقية بعامة، ومنها لقب عائلة الساعاتي الذي يلقب به ناجي جواد الرحالة، وكذلك اولاده، بينما يعود نسبه الى قبيلة الاسدي العربية العريقة، ولكنها عادات متوارثة، وتقاليد شعبية اصبحت ضربا من ضروب المبادئ، يسجل قائلا:.. فأنا حينما كنت ألاحظ عمي واخوتي الذين كانت العدسات المكبرة تلتصق باجفانهم فتترك عيونهم ذابلة متعبة واجسامهم مكدودة خائرة، وحين كنت ارى بعيني كيف يتحطم ذلك الصبر الطويل والاجهاد امام تلك الطاولة ثم أجد هذه الجهود تقابَل من الزبائن بالتجاهل والجحود(3)... وتعلم حرفة تصليح الساعات واحدودب ظهره مع عائلته الساعاتية ايضا، ولكنه ذلك المحب الزاهد الذي احب وتطلع، ومع زهده في الدنيا فقد اصبح تاجراً في الساعات، وصار يكتب عن الوقت.. ولكنه ينطلق من بغداد بحياتها الشعبية، فقد كتب عن الساعات البغدادية القديمة، واشهر الساعاتية البغداديين ويحكي قصة (ساعة المعرض) التي فرغ الساعاتي عبدالرزاق محسوب من انشائها عام 1933م، ويذكر انه قد اقام لها هذا الساعاتي برجاً في جانب من معمله الكائن في الأعظمية عام 1930.
ويكتب ايضا عن ساعة الكاظمين التي اوقفها للحضرة الكاظمية المرحوم (فرهاد ميرزا) عام 1300هـ، وانّ الوقت الذي استغرق فيها بنا ء برجها اربع سنوات في ذلك الوقت، وكذلك ساعة الحضرة الكيلانية التي شيدها المرحوم السيد عبدالرحمن النقيب عام 1319هـ. (4)
3ـ من السوق الشعبي البغدادي، وما يجد فيه من مهنيين وحرفيين، يكتب الساعاتي عنهم في ثلاثينات هذاالقرن، ويقول: «وكان معي في السوق القديم بضعة اصدقاء يبذلون الجهد الجهيد، ليستقطروا الرزق الشريف من كدّهم بايديهم، سداً لبعض حاجاتهم الضرورية.. فاذا ما اعلنت ساعة المساء الخامسة غادرنا السوق.. فهذا يودع عمه الرفاء، وذلك يستأذن استاذه الخياط، وآخر يلتمس جده الكببجي، فيتجه طلاب الابتدائية الى المدرسة الجعفرية ويذهب الى مدرسة التفيض مَن كان في المرحلة الثانوية...
وكانت طبيعة السوق القديم، وضيق طريقه وتناظر دكاكينه الصغيرة وتلاصقها جنباً الى جنب، مما يوطد روابط الألفة والمودة بيننا، فلا نكاد نفترق الا لنلتقي، ونتحدث بعضنا لبعض حديث المتطلع المشوق للاخبار والاحداث.. وكنا اذا ذهب الاسطة للقيلولة شعرنا بانطلاق حريتنا واندفعنا للقاء نجتر الحديث عن احداث الحرب الثانية، وحوادثها المفجعة»(5). وقد صوَّرَ الاسواق الشعبية، ومنها بعض الدكاكين المتجولة على الحمير في مدن الاندلس الاوربية الحديثة، والى البيوت والدكاكين في مدينة طليطلة العربية.
4 ـ وفي رحلات الساعاتي، يستذكر ما تقوله جدته من امثال شعبية لاسيما في محنة التعرض للاحداث، ففي سفرته للجزائر، يستمع الى قولها في أذنه «ياغالفين ألكُم الله»، وهذا المثل الشعبي يصاحبه في كل الاوقات وهو عنده كل الايمان».(6)
ومصاحبة الرحالة الساعاتي لعادات وتقاليد أمه وجدته تظل معه دائما في رحلته الى المغرب وزياراته الى المساجد والمزارات والاولياء الصالحين وتسجيل عادات وتقاليد شعبية عربية في هذا البلد (أقرأ المزيد عن ذلك في مجلة التراث الشعبي العدد الثاني 2007  وكما أورده الكاتب سليم فاضل من تفاصيل  لم نذكرها هنا ـ (الموروث) ـ).
5 ـ والخيال الشعبي للرحالة الساعاتي يقف من بين اوائل الدوافع في سفراته وسياحاته في معرفة الموروث الشعبي عند شعوب العالم، وهذا الخيال يعود الى الطفولة الشاعرية الملهمة بالحس الشعبي الذي عرفه التاريخ عن شعب بغداد العريقة الزاخرة بتراثها الشعبية، وثقافتها وفنونها القومية الاصيلة.
في رحلته الى الاندلس وزيارته لأشبيلية كتب: «كانت أمنيتي لزيارة اشبيلية حلما يداعب خيالي، وكان بدء تعشقي لها يمت لأيام صباي حين تفتَحَ قلبي الساذج لنور الحب وبهاء الجمال.. عندما كنا وصحبة طيبة من الاخوان، وباقة عطرة من الخلان نصغي لأنغام موسيقى شهرزاد وحلاق اشبيلية لنحلق مع انفاسها السحرية وننتشي بموسيقاها العلوية اذ عرف الموسيقار (روسيني) اللامع كيف يمزج بين ماضي اشبيلية العربية وحاضرها الاوربي، فقدم (كوكتيلاً) شرقيا غربيا». (7)
6- تصوير الاكلات الشعبية البغدادية في طفولته، والجلوس على المائدة وفقاً لقوانين العائلة المتعارف عليها في تقاليدنا الشعبية، ويذكر أكلات الاطفال المفضلة منها «السموسة» التي شغلته في طفولته عن البحث عن أمه التي ضاع من بين يدها في الزحمة في احدى سفرتيهما.(8)
وقد صوَّرَ الاكلات الشعبية، وعادات الطعام لدى الشعوب منها عادات الشعوب الهندية، والعربية في الشمال الافريقي من بلاد المغرب العربي.
7- والسفر حاجة نفسية، ورغبة ملحة تدفع الساعاتي الى التطواف كما تشده حبال الانتباه الى الموروث الشعبي في البلدان التي يزورها، فيسجلها بدقة وامانة، ولابد من التأكيد هنا، الى انه كان يقصد الذهاب اليها قصداً، ويعتني بها ليكتب وصفها في دفتر مذكراته، ويقوم بتصوير بعضها بعدسة آلة (الكاميرا).
وولع الترحال قد ترسخ في ذات ناجي الساعاتي الاديب في طفولته من لدن امه التي كتب عنها من بين ماكتب عنها حين كانت تأخذه الى العتبات المقدسة « ان ولعي بالسفر اشرق منذ طفولتي، وقد تلونت بألوانه السحرية ذاكرتي يوم ترملت امي، فوجدت في استجارتها بالعتبات المقدسة خير مجير لقلبها الكليم، وقلب طفلها الصغير اليتيم..
«ولن أنسى أنّ أمي الحنون كانت  –لعجزها المالي- تشير عليّ بأن أندس تحت كرسي حافلة القطار لأختفي عن أعين الجباة.. وكم كانت هذه المجازفة تروعني، فأحس بالخوف والرهبة، ولكنني كنت سرعان ما اشعر بالاطمئنان والأمان يملآن عليّ قلبي ونفسي وفكري جميعا عندما كانت أمي تسدل عليّ طرفي عباءتها السوداء».(9)
8- ومن بغداد والى (بغداد) يكون تطواف الرحالة الساعاتي وجولاته، مما يجعله يقارن ما يلمسه من موروث شعبي عربي بما يجده في بغداد من قيم واصول ومبادئ وآداب وظواهر مادية وثقافية في موروثها الشعبي واصوله التليدة.
ولسوق السراي المشهور في بغداد ببيع الكتب القديمة والمعاصرة، وما تدور فيه من طرائف ونوادر الباعة ومقتني الكتب والمؤلفات والمخطوطات النفيسة والنادرة، ذاكرة يعيها الرحالة ناجي جواد الساعاتي في كل بلد عربي او دولة أجنبية، كما يذكر عادات القراءة والمطالعة السائدة عند الشباب العراقي في عقد الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات من هذا القرن، وكذلك ولعهم بالصحافة الشعبية (حبزبوز) ومقالات فهمي المدرس وابراهيم صالح شكر وغيرها من آداب المنفلوطي وجبران والريحاني وآل معلوف واحمد حسن الزيات، ومجلة الكرخ البغدادية، و (الهاتف) النجفية، والرسالة المصرية، والاديب اللبنانية، وتستهويهم ايضا الاغاني الشعبية المشهورة منها اغنية قصيدة المجرشة التي كان يغنيها الملا عبود الكرخي.

الموروث الشعبي في أدب الرحلة
تعتبر دراسة الموروث الشعبي في ادب الرحلات من مؤلفات وكتب الرحلة عند مؤلفها ورحالتها الساعاتي احد الجوانب المشرقة فيها، ذلك لأنه قصد هذه الدراسة قصدا، حيث تتبع اسس هذه الموروثات الشعبية، وقام بتصويرها بأمانة، ورمى نحوها بوافر من العمل الفكري والثقافة، ولو اننا نؤكد قبل دراسة الجوانب المهمة من هذا الموروث الحقائق الاكيدة الآتية:
•الاولى: مع ان الاديب الرحالة الساعاتي عُني بدراسة وتتبع الموروث الشعبي في كل بلاد او دولة يزورها الاّ انّ مؤلفاته تلك تدخل في ادب الرحلات بصورة عامة، وفي بعض محطاتها وقوف عند الموروث الشعبي فيها في جوانبه الفكرية والمادية والفنية الشعبية.
•الثانية: في تلك المؤلفات عرض للموروثات الشعبية فقط، وتلميح بمقارنة مع الموروث الشعبي في العراق وبغداد مدينة غنية بموروثاتها الشعبية، واساس للتوازن الموحد للموروث الشعبي العربي، وهذا ما يمكن تتبعه في ما كتبه الاديب الساعاتي في رحلاته للبلاد العربية او الى الاندلس ذات التراث الحضاري العربي الاصيل.
ومن هنا ايضا يتحدد منهجنا في عرض وتبسيط ما قدمته مؤلفات الرحلات وآدابها عند الساعاتي، وهذا ما يجعلنا نستعرض ما قدمته تلك الرحلات في الجوانب المهمة للموروث الشعبي باعتبار تطور حياة الشعوب، وسهولة الاتصال والتنقل، وتبادل المعلومات والمعارف والعلوم، وعليه فاننا نقوم بدراسة ما وضعته رحلات الساعاتي في تصنيف لجوانب الموروث الشعبي ووجوهه المختلفة، واستعراض صفحاته كما ذكرتها تلك المؤلفات.
انّ الموروث الشعبي يشكل مادة ادبية وثقافية في الرحلات سواء في ما قدمه الرحالة العرب او غيرهم، وقد اعتبرها الفارابي في كتبه (احصاء العلوم) من بين المرتكزات الاساسية للثقافة التي ينبغي تصنيفها، فعندما «تحددت العلوم بأسمائها على نحو ما فعل الخوارزمي في كتبه مفاتيح العلوم او الفارابي في كتاب (احصاء العلوم) لم يغفل هؤلاء عن ذكر علم الاخبار بوصفه العلم الذي تضم اخبار الشعوب القديمة، ومعتقداتهم، ونماذج البطولة عندهم، بل ان الفارابي يشير الى علم احكام النجوم، وهو العلم الذي يرى انه لا يحصل عن التعليم بل يراه من القوى والمهن التي يقدر الانسان بها على الانذار بما سيكون كالرؤيا والزجر والعرافة واشباهها(15). كما اعتبرت د. نبيلة ابراهيم سالم، ان أدب الرحلات من مصادر التراث الشعبي في الثقافة.
ويكون من الضروري تتبع عرض التراث الشعبي للشعوب من خلال كتب ومؤلفات الرحلات لأنّ الرحالة الادباء وقفوا عليها، وصاروا ينقلونها، ويصورونها بدقة كجزء من الثقافة المعاصرة في الوقت الحاضر، ذكر هويتمان ان الادب الشعبي «ينبعث من عمل اجيال عديدة من البشرية، من ضرورات حياتها، وعلاقاتها، من  افراحها واحزانها، واما اساسه العريق فقريب من الارض التي تشقها الفؤوس، واما شكله النهائي فمن صنع الجماهير، اولئك الذين يعيشون لصق الواقع» (16).
ويرى د. حسين محمد فهيم في خلاصة دراسته (التراث الشعبي في أدب الرحلات ومنهج الدراسة) «ان للتراث الشعبي جوانبه او عناصره المادية والروحية ايضا، الا اننا نود ان نضيف ضرورة النظر اليه.. على اساس ان التراث الشعبي محصل عملية مركبة، ومتراكمة، ومترابطة، شأنه في ذلك شأن دراسة الثقافة في منظور شمولي..(17).
ويقصد في ذلك دراسة الموروث الشعبي في ادب الرحلات التاريخية القديمة، كما قدم الاساتذة والدارسون للتراث الشعبي في نوع تلك الرحلات اسساً منهجية تتواءم ونظراتهم كما فعل ذلك الاستاذ صبري حمادي في دراسته المعتقدات الشعبية في كتاب مروج الذهب للمسعودي.
 ولقد اصدر المركز الفولكلوري العراقي – وزارة الثقافة والاعلام كتاب المعجم المفهرس للموروث الشعبي في آثار الجاحظ حيث اعتمد هذا المعجم المفصل رصد ومسح العناصر (الفلكلورية) في مؤلفات الجاحظ (18). وبذلك جعل تقديم المادة المعروضة ميسرة سهلة، ومفيدة التناول. وعليه فاننا سوف نعرض ما ورد في المؤلفات التي ذكرناها في الهامش، وما يتعلق منها بالرحلات، ونبتعد عن الاسفاف، والاسهاب، بحيث نوجز، ولابد من التأكيد- مرة اخرى- على ضرورة ان نعتبر كتب الرحلات بعامة، ومنها كتب رحلات الساعاتي، الاديب الرحالة المعاصر، انها لا تختص بالموروث الشعبي لذاته، وانما تشكل مادته جزءاً اساسياً من ثقافة وموروث الشعوب التي يقصدها.. (أقرأ تفاصيل  ما تناوله الكاتب سليم فاضل في مجلة التراث الشعبي ـ العدد الثاني 2007 عن عادات وتقايد دول المغرب العربي والهند مما لم نشر اليه هنا ـ (الموروث ـ).
الاسواق الشعبية
•في بغداد الاسواق الشعبية، والباعة المتجولون، كانوا قديما من العلامات المميزة لموروثها الشعبي التليد، يذكر الرحالة ناجي جواد الساعاتي: ان (الحاج جودي العطار) كان ينتظرنا بصبر عجيب لننقده (الآنة)، ويسلمنا الخيط والطيارة، فنمتع عيوننا بالوانها الزاهية، واشكالها الهندسية البديعة، ونأخذها مستبشرين فرحين. «(رسائل الهند – ص16 و ص17).
•وتنتشر في تونس، (رحلته اليها ص58)/ الاسواق الشعبية التي ظلت تحتفظ بهياكلها واشكالها، كما ذكرها العبدري في رحلته الى تونس عام 01289م)، ويورد الساعاتي النص.
•الاسواق الشعبية ذاتها في المغرب ومراكش، وبخاصة سوق مراكش المواجه لجامع الفنا، وهو من الاسواق الشعبية/ (رحلته الى المغرب ص89)/. وكذلك الجزائر/ (رحلته اليها ص 109).
وفي الاندلس تلك الاسواق الشعبية، وفيها بعض العطارين المتجولين على الحمير/ (ص44)، يقول في رحلته:» شاهدت دكانا ًعلى ظهره مصنوعات فخارية بصورة عفوية غير نظامية يختار منها السواح ما يبتاعونه كقطع تذكارية، فالتقطت صورة خاطفة، واسرعت احث الخطى في الازقة الضيقة لاندمج مع رفقاء سفرتي، فقادنا المرشد الى دار شرقية رائعة شعرت وانا اتوسط باحتها المربعة المكشوفة، وكأني في دار من دور بغداد العريقة القديمة».
•وللمقاهي الشعبية عاداتها عند الجزائريين والليبيين والتونسيين والمغاربة وهي عادات عربية واحدة، تؤكد وحدة الموروث الشعبي الاصيل. (رحلاته الى الجزائر ص60- الى المغرب ص62- الى تونس ص37).
•والمحلات العربية الشعبية موحدة الطراز، ضيقة الازقة في عموم المدن العربية، وكذلك في الاندلس، وتتميز عمارتها بالزخارف والنقوش الشعبية، راجع رحلاته (الى الاندلس ص44، الى الجزائر ص10، والمغرب ص57».
•ومن الصناعات الشعبية في الجزائر، وهي من المنتوجات اليدوية «الفخاريات، والقاشان، والنحت والتخريم والتطريز، والمصنوعات الجلدية، والنحاسيات والمنسوجات المختلفة كالسجاد، والبسط المصنوعة من شعر الماعز والصوف، وكذلك مصنوعات خيوط النخيل، او قش نبات الحلفا والقصب من سلال وأوان واطباق» (الى الجزائر ص114).
ومن الصناعات الشعبية التونسية في مدينة نابل، (رحلته ص77)/ ما قاله الساعاتي عنها حينما «وصلنا مدينة نابل التي تشتهر بصناعتها الفخارية اليد وية، كالجرار الصغيرة، والقلُل الكبيرة، والفازات والاواني والمزهريات واكواب الماء، حتى اقداح الشاي، وتصنع الواح الكاشاني باشكاله وزخرفته الشرقية».. وانظر الصناعات الشعبية في (رحلته الى الجزائر ص118)، وما بعدها...
•والمطاعم الشعبية المنتشرة في هذه الاسواق، تجد لها اوصافا رائعة في رحلاته.
•والفنون الشعبية من فن النحت، والتخريم والتطريز، والتحنيط، ويوردها الساعاتي في مؤلفاته في ذكر الفن الشعبي في الجزائر ص116، وتونس ص72، وليبيا ص22، والمغرب ص75، ويؤكد ايضاً أن ّالجزائر تشتهر بالرسوم الشعبية، واللوحات الزيتية التي تمثل الحياة الجزائرية/ (ص104).
•والاغاني الشعبية، وما موجود من مأثور في الاغنية الشعبية يسجلها الرحالة الساعاتي بشكل مقتضب ويحضر بعضها كما حضر للمغنية التونسية (عُلية)، وكذلك يتضمن ذكرها، ايضا ذكر الموسيقى الشعبية وادواتها، وصناعة الآلات الموسيقية الشعبية، واماكن تصنيعها، (راجع صناعات الآلات الموسيقية في رحلته الى تونس 39).
•والرقص الشعبي من جوانب الموروث الشعبي، وهنالك رقصات شعبية مميزة لكل بلد عربي او اجنبي، حتى تتميز رقصات شعبية بين مدينة واخرى. ويذكر الساعاتي ان اهتمام حكومات البلدان والدول بالموروث الشعبي جعلها تهتم بهذا الجانب المهم وتؤسس فرقاً للرقص الشعبي، كما صارت تبني المتاحف الخاصة بالتراث الشعبي لتجمع فيه موروثها الشعبي الذي يبرز  شخصيتها، ويصقل هويتها، ويميز ابناءها، ويكسب اجيالها صدق الانتماء القومي. في المغرب تشتهر رقصة (الشطيح) ويطلق على الراقصة (الشطاحة)، وفي اثناء الحفلات ترقص الفتيات على دقات الطبول، فيصفق لها الرجال، ويرددون «اشطحي يا حلوة إشطحي» (رحلة الى المغرب ص92).
•وفي الجزائرتشتهر الأغاني الشعبية والموشحات الاندلسية / (ص 102).
ـ وفي الاندلس  تشتهر برقصات الفلامنكو الشهيرة (في رحلته الى الاندلس ص 126 وما بعدها) وصف رائع لهذه الرقصات ومراسمها.
•ومن العادات الشعبية في الاندلس، مصارعة الثيران/ (رحلته ص30) يقول الساعاتي عنها: «المصارعة ليست رياضة تهز المشاعر للشعب الاسباني فحسب، بل اضحت لها تأثير على عقليته، فلا يأخذك العجب اذا ما علمت ان اخبار المصارعة والمصارعين تشغل صفحات من المجلات والصحف اليومية والاسبوعية الاسبانية، كما تزين اغلفة بعضها بصور المصارعين ووقفاتهم البطولية اما الصور، وفي ثيابهم المزركشة بالخيوط الذهبية، وألوانها الزاهية، وفي الكثير من الصحف والمجلات باب خاص للثيران..!!
•المتاحف القومية للموروث الشعبي اصبحت بمثابة التوثيق للتراث الشعبي لشعوب البلدان والدول حيث قامت الحكومات بحفظها في قاعات هذه المتاحف، وتقسيمها، كما في (المتحف القومي في تونس) الذي يحفل بالموروث الشعبي التونسي قديمه وحديثه، وفيه شروحات مطولة – (راجع الرحلة ص36 وما بعدها).
•وفي متحف طرابلس جانب مخصص للموروث الشعبي، ولكنه فقير جدا. (ص47) من الرحلة.
وكذلك في الجزائر، والمغرب والاندلس.
•والمغني الشعبي المنولوجست، والشبيه بالمغني الجوال، من الموروث الغنائي الشعبي، (الرحلة الى ليبيا ص81)، و (تونس ص41) و (رحلته الى الاندلس ص128).
•والجوامع والمساجد وبيوت العلم، من الموروث الشعبي العربي القديم في اقطار المغرب العربي، منها جامع القيروان في تونس (الرحلة ص84)/ وفي ليبيا على الطريقة السنوسية (الرحلة ص 34 وما بعدها)، وفي مدن الجزائر عادات وتقاليد شعبية للزيارات والتبرك عند الاولياء الصالحين والأئمة..(رحلته الى الجزائر ص58).
•عادات التعليم والتعريب في اقطار المغرب العربي اصبحت جزءًا من الموروث الشعبي، القديم منها، وهي تذكّر ابناء هذه الاقطار  بأهمية طلب العلم، والتقدم الحضاري.
هذه الخطرات غيض من فيض، اودعها الاديب الرحالة الساعاتي في مؤلفاته، ولقد ظلت هذه الجوانب فيها بكراً، حاولت الخوض الموجز فيها  ماوسعتني طاقتي لأقدم شيئاً يسيراً منه للقارئ، ذلك لأن هذا الاديب الرحالة مولع بالاسفار والتطواف، والشغف بالانسان في كل مكان، ولعل ما ذكره لزوجته (سعاد عبدالنافع) رفيقة سفراته بعد انتهاء (رحلة المغرب ص92 و 93). وهي تستغرب هيامه، وشروده الذهني بقوله: «أجدني يا عزيزتي في نشوة روحية لا تعادلها نشوة شارب الكاس من إبريق جارية عباسية، هي نشوة الاسفار وجمال الكون يضفيه عليهما حب الانسان لأخيه الانسان، فدعيني ابحر في عالم الجمال..».