بعض من الوفاء..  استذكار لـ(علي جواد الطاهر)

بعض من الوفاء.. استذكار لـ(علي جواد الطاهر)

جواد الحطاب
تمزج البصرة مع حليب امهاتنا قطرات من كيميائها السحري: الطيبة؛ والتواضع؛ واحترام الأكبر سنا؛ حتى لتسري مع مجرى الدم وتصبح ديدنا لا يمكن الافلات منه؛ فينمو الأطفال وفي مسامات ارواحهم معاني الاجلال والتقدير والايثار..
ولذلك اظنّ ان البصرة قد وضعت في زوادة رحلتي الى بغداد صرّة فيها بعض ما ذكرت؛ فيوقفني كيمياؤها تلميذا خجولا امام»الاعلام»الذين أصبحت صديقهم بمرور الزمن..

وكلما استذكرتهم؛ يستيقظ في داخلي ذلك الطفل الحييّ الخجول الذي يشعر بالارتباك امام اساتذته الاجلاء.
ومن الكبار الكبار؛ الذين اريد ان اتحدث عنهم هنا»علي جواد الطاهر»الذي تظلمه التوصيفات الاكاديمية حين تضع امام اسمه»دال»دكتوراه او»باء»بروفيسور؛ او»ألف»الاستاذية؛ لأنني اعتقد- وبضمير مستريح - ان كل حروف الابجدية العربية لو وضعت امام اسم هذا العملاق لبدت صغيرة حدّ ان لا ترى من طول منجزه.

الطاهر..
عن بعد كنت اتواصل معه؛ وإذا اقتربت..فاستعين بالمهابة لترافقني اليه؛ فهو»علي جواد الطاهر»وليس ايّ اسم آخر
وعلى الرغم من ان الكبير»كبيرات شمائله»فكان يعاملني الرجل بما كان يعتقده فيّ من موهبة او ملمح منها؛ لكني كنت اعرف ان هذا ديدنه مع الجميع.
2-
في كل الأماكن الثقافية التي صرت فيها – او أشرفت عليها – كان»الطاهر»معي ؛ وثمة دافع يدفعني لأن أفيه حقه من الاحتفاء به وهو على قيد الحياة؛ واظن ان مجريات الحياة الأدبية التي اوصلتني الى»منتدى الادباء الشباب»ومن ثم»اتحاد الادباء والكتاب»وعملي رئيسا لأقسام ثقافية ومشرفا على اقسام أخرى، ومديرا ورئيسا لتحرير مطبوعات وجرائد؛ مكّنتني من ان احقق هاجسي في ثلاثة مواضع ملموسة وبشكل مباشر.
• أيام ملتقى القصة القصيرة الثاني – وكنت وقتها في منتدى الادباء الشباب
• وايام كنت في اتحاد الادباء العراقيين.
في الأولى ستجدون كلمتي فيه التي نشرتها جريدة الجمهورية؛ والتي حضنني - من اجلها- الطاهر عندما التقينا؛ وكان سعيدا مثل طفل تمّ مدحه في الصف؛ ولا كأنه الطاهر العظيم الذي تدور حوله وعنه الدراسات والنقود.
والثانية؛ حين قرّر اتحاد الادباء بكامل هيئته التنفيذية (وانا امينه العام) ان يحتفي بالطاهر وبشرط ان يكون الاحتفاء به في مدينته؛ الحلة؛ وان تخصص جائزة سنوية للنقد تحمل اسمه؛ وقد أقرّت الجائزة بالاجماع، اما الاحتفاء ووقائعه فهو ما يستوقفني الان لأهميته في الاستذكار.
 (ولعل في رسالته اليّ ما ينمّ عن تواصله وعن تواضعه أيضا)
في تلك الأيام تسرّب للوسط الثقافي برمته خبر فاجع اقلق الجميع الا وهو»مرض»رائد النقد العراقي؛ وكانت أيام»الحصار»الدولي جعلت العثور على الدواء خصوصا لمرض مثل مرض الطاهر؛ من أصعب الأمور واغلاها؛ مثلما جعلت المستشفيات تئنّ تحت وطأة تقادم الأجهزة الطبية وانتهاء صلاحية اغلبها؛ وكانت المستشفى الوحيدة المستثناة من ذلك هي»دار التمريض الخاص»في مدينة الطب حيث كان يقصدها للاستطباب كبار رجال الدولة وأصحاب الأموال.
وكان علي ان اقدّم جهد المقصّر؛ فانا -أولا وأخيرا-لا املك سوى الكلمات؛ فكتبت»افتتاحية»للصفحة الثقافية عن علي الطاهر؛ وبيّنت فيها لو كان-طاهرنا-في أي بلد آخر غير العراق؛ لكان الامر مختلفا معه، لما يشكّله من قيمة عليا في الثقافتين؛ العراقية والعربية..

مقال افتتاحي حمّلته كل محبتي لهذا الرجل؛ وامتناني لمعرفته؛ وكان للجريدة وما يكتب فيها ثقل لدى المسؤولين ايامها ولدى الشارع ايضا، ليصلني بعد يومين من نشر المقال»كتاب رسمي»من اعلى هرم في مؤسسات الدولة آنذاك؛ يقول نصه (حصلت الموافقة على معالجة الدكتور علي جواد الطاهر؛ في دار التمريض الخاص على نفقة ديوان الرئاسة)
وفي الهامش (جريدة الثورة -استنادا لما نشر في جريدتكم في 27/4/95 تحت عنوان: علي جواد الطاهر / الصفحة الثقافية)
وليعذرني حماسي؛ وانا اقرأ ما كتبته عن الطاهر قبل ما يقرب من عشرين عاما؛ فتتقد الكلمات في داخلي وكأنها موقد حب وعرفان.
وهذا هو المقال أمامكم وكأنني كتبته للتوّ.
المقال بلا عنوان واكتفيت بذكر اسم (علي جواد الطاهر) وكان يكفيني ذلك.
علي جواد الطاهر:
• لا اجمل من هذا الاسم؛ ولا اكثر كثافة منه في التنوّع الموسيقي؛ ولا ابدع منه طوال هذا القرن..
• فهو: العلم؛ الفرد؛ المبدع؛ الذي يستلّ مما تحت يديه- ولو كان جمادا- الحياة؛ وينفخ فيها من قلمه ما يجعلها تنبض حدّ مطابقة الأصل..
• وهو: الخلوق؛ الدمث؛ المتواضع..
فهل في تاريخنا المعاصر – على امتداد الوطن العربي- من يدانيه مكانة؛ او من ينافسه على صدارة المجالس؟
لله درك أيها الطاهر؛ ووهب الله من صحتنا حصّة لصحتك؛ وبما يعينك على ما انت فيه الآن: معاناة المرض الخبيث؛ الذي لا ينفع معه الا»التطبّب»في الخارج؛ بعد ان شحّ الدواء؛ وشحبت الوسائل الكفيلة بالقضاء عليه.
وبرغم ما تعانيه؛ تكتب؛ وتتابع؛ وتأخذ بيد الكاتب حتى يستقيم عود شهرته؛ ويُعرف من خلالك ومن خلال اشادتك الكريمة به؛ ومحسود ذلك الذي تكتب بحقه ولو سطرا؛ فكيف بمقالة نقدية؟
• اعرف – أيها الطاهر الرائع – يا من تعلّمنا على يديه ومنه: الكبرياء؛ انك لو أشرت بطرف اصبعك لأيّة جهة عربية؛ وقلت: اقرأوا أوراق طبيبي؛ لسارعت الدول لأبداء استعدادها – مهما بلغت التكاليف- بغية كسب شرف تقديم خدماتها اليك..
لكنك؛ ذاك العراقي النبيل؛ الذي وضع ثقته بوطنه؛ وباهله؛ ولبس الصبر ثوبا لا اشفّ منه ولا امتن أيضا؛ ونام على انتظار – نتمنى الا يطول..
ولا حاجة ان نذكّر أحدا بما تزايد به الاخرون علينا في مرض نازك الملائكة؛ او علي الوردي.
• انه الطاهر؛ يا من تقرؤون هذه الكلمات؛ ويا من تكتبونها معي..
عميد الادب العراقي..
مدرّس الأجيال..
شيخ مشايخ النقد
الذي اعترفت بأدبه الامة العربية كلها؛ وأفردت له المجامع العلمية كرسيّ التقدير والامتنان: اعترافا بتأسيس ثقافة اصيلة؛ تكوّن قاعدة لا تهتز ارضها؛ مهما تقادم الزمن على ما بني عليها.
• سيدي الطاهر؛ ليست مرثية؛ طلب ملحّ ان ننتبه اليك قبل ان نسكب الدمع دما..
من عافيتنا.. عافيتك
يا عافية الابداع العراقي..
- جواد الحطاب –
3 -
ماذا جرى في احتفائنا بالطاهر في الحلة
في عهد دورتنا لرئاسة اتحاد الادباء العراقيين؛ قررنا في المكتب التنفيذي ان ننقل نشاط الاتحاد الى المحافظات؛ وتحت اسم»مهرجان ابداعنا»وفي كل موسم مهرجانيّ نحتفي برمز من رموز المحافظة؛ ونكرّمه؛ ونقيم له حلقات دراسية عن منجزه؛ ولأن موارد الاتحاد في تلك الأيام تعتمد في غالبيتها على التمويل الذاتي؛ فقرر المكتب التنفيذي الاتصال برؤساء العشائر والاتفاق معهم على الضيافة، والاتحاد يتحمل نقل المشاركين.
مع الدكتور الطاهر تبرعت عشائر»بني حسن»الكريمة بانها هي التي تتشرف باحتضان ادباء العراق المحتفين بابن مدينتهم الحلة؛ حتى إذا وصلت الوفود الى مضايف تلك القبيلة العريقة، وجدنا ما أذهل الجميع وما لم نر مثله من باقي المحافظات.
كانت العشيرة بانتظارنا بكامل رجالها؛ وببنادقهم؛ وبراياتهم؛ ومهاويلهم (المهوال هو شاعر الهوسات في القبائل) ومعهم بيارغ لعشائر أخرى جاءت تحتفي بالطاهر، وانهالت الهوسات المرحبة، والابوذيات، والقصائد الشعبية، واشتعل الرصاص حتى ملأ الأفق؛ ونحرت الذبائح عند قدمي سيّدنا الجليل الذي كان مذهولا -كما نحن-لأن هذا الاستقبال اعتدنا عليه اثناء مجيء»الرئيس»او نوابه او كبار المسؤولين في الدولة؛ اما ان يقام لشخصية أدبية، فهذا ما لم تفعله اية عشيرة في العراق سوى عشائر»بني حسن»و»آل بو عيسى».
في الجلسة المسائية التي أقيمت في مدينة الحلة؛ مقدم الأمسية – وكان هادي ياسين – طلب من الطاهر ان يتقدم الى المنصة لألقاء كلمة الافتتاح؛ وحين صعد الطاهر لم ينبس ببنت شفة وانما انسكبت دموعه على خديه؛ وقد أحسن ياسين -بما اعتمل في قلب طاهرنا من المشاعر الضاغطة، فانجده قائلا لكل الحضور:(لقد قال الدكتور علي جواد الطاهر ابلغ خطاباته هذه الليلة).