هاجس البحث عن الحقيقة في  رواية ملف بروكـ

هاجس البحث عن الحقيقة في رواية ملف بروكـ

ناطق خلوصي
تـستوقفك في عنوان رواية"ملف بروكـ"مفردة"بروكـ"التي قد تراها غريبة فتكتشف وأنت تتوغل في قراءة الرواية أنها المدينة السويسرية ( BRUGG) التي شاء  كاتب الرواية"ياسين شامل"أن يتخذها مكانا ً لجزء  من أحداث  روايته بحسب ما أملته عليه طبيعة هذه الأحداث، وهي المدينة التي يصلها"صادق المانع"بطل الرواية  (وهو راويها أيضا)،

 بعد سياحة مكانية يمر خلالها بعدد من المدن السويسرية والأوربية . وتكتشف أيضا ًأن هذه المدينة لم تكن هدفا ً للراوي أصلا ً إنما قادته إليها رسالة إلكترونية تلقاها بريده تدعوه لتسلـّم ملف يخصه في هذه المدينة.
الراوي مهندس (ولتلاحظ أن الروائي  نفسه مهندس هو الآخر لذلك يبدو مطمئناً لسلامة المعلومات  التي يوردها في نصه السردي)، توفده شركته العراقية للتفاوض مع إحدى الشركات السويسرية .  ولأنه مسكون بهاجس البحث  عن الحقيقة والكشف عنها أيضا ًفإنه يجد الفرصة هنا ، ربما دون قصد منه، ليعرّي ما يحدث في الخفاء من تواطؤ بين الشركات  والمؤسسات الرسمية التي تتعاقد معها، فيشير إلى نسب توزيع الأرباح:المعمول بها في ظل ظاهرة الفساد المالي  والإداري المستشرية:"يحقق هذا العقد المتفق عليه المزمع توقيعه  مع إحدى الوزارات هامش ربح20% من السعر الكلي. الربح الصافي للشركة 10% بما فيها 2% لتمويل الحملة الانتخابية لترشيح السيد المدير لانتخابات البرلمان القادمة، بعد توزيع الحصص المرتبة في الخفاء، المتفق عليها مسبقا ً وأتاوات الحزب الساند"(ص 18)، مع الإشارة إلى أن رئيس مجلس الإدارة كان يتودد إليه ويسترضيه لهذا الغرض، فهو "في ظل التناحر السياسي  وسيطرة المليشيات والصراع الطائفي  على البلد، كان مدعوما ً من قبل جهة قوية يعمل لها ، أو لنقل يتحرك تحت إمرتها"(ص 19).
 يثير اهتمام وفضول صادق مقال نشرته صحيفة باللغة الانكليزية لـ"حياة المانع"وتعبيرا ً عن رغبته في الوصول إلى الحقيقة، قام بزيارة مبنى الجريدة التي نشرت المقال  ليسأل عن صاحبة المقال فيفاجأ بقول موظفة الاستعلامات بأن حياة المانع لا وجود لها وربما كان هذا الاسم مستعارا ً. لكنه لا يستسلم"أريد أن أصل الحقيقة حتى إذا كانت لا ترضيني"(ص 189).
  يشكّل الملف الذي تلقاه بطل الرواية المحور الرئيسي في الرواية، وهو ملف ورقي يقع في مئة صفحة، كتبه  السويسري بتريلا أكرمان وكان موظفا ً في الصليب الأحمر الدولي عندما كان صادق المانع في الأسر.فأتيحت له فرصة اللقاء به. وبدا واضحا ً أن بتريلا هذا كان مسكونا ً بهاجس الكشف عن الحقيقة هو الآخر فقد استمات من أجل إيصال الملف إلى صادق المانع، وحين استبد به المرض  وشعر بأن نهايته تقترب، أودع مهمة إيصال الملف  لدى ابنته"آنا"التي كانت تساعده في إدارة فندقه. وقد تتساءل عن سر اختيار  بتريلا لصادق دون غيره من الأسرى ليخصه بهذا الملف، فتسمع ما قاله له هو نفسه في الملف  لتبرير ذلك:"كنت أرى فيك  الشخص المختلف، صاحب العقل الراجح، والفكر الحر المتنور. لم تكن متهورا ً، ولا عابثا ً، ربما أجد فيك من التصرفات والأفعال العقلانية والموضوعية  الكثير"(ص 44). ويبدو أنه كان يسعى لإعادة صياغة شخصية صادق  ليكون مؤهلا ً لمواجهة الحياة بعد خروجه من الأسر .
  لقد أدرك صادق المانع أن بتريلا قام بتحريات مكثفة عنه"ليبس بدافع حب الاستطلاع  فقط، وإنما أراد أن يعرف الحقيقة بكاملها من أجل هدف نبيل"(ص 47).إنه يؤمن بأن الحقيقة لابد من أن  تتجلى مهما طال الزمن، وها هو يقول لصادق:"لا أظن أن الحقيقة يمكن أن تخفيها يد غائلة مهما مرت عليها من أيام ضحلة، وافتعل المواربون  والحاقدون من  أحداث كاذبة  ومفبركة ولمّعوها لغاية أخرى لابد أن يسقط الطلاء المزيف وتظهر الحقيقة"(ص 153)، و"أريد أن أصيب قلب الحقيقة"(ص 179 ).
  وتلاحظ أن بتريلا كان على إلمام  بتفاصيل من الحياة الداخلية الخاصة لبطل الرواية وابنة عمه"حياة المانع"وقد تتساءل كيف تيسر له أن يحصل على هذه التفاصيل  فيقول لك بأنه عايش صادق المانع عندما كان في الأسر واستقى معلوماته عنه من كامل الحاج حيدر زميله    في العمل وفي الأسر معا ً، ومن"حياة"و"صائب متي"الذي كان يعمل في الصليب الأحمر الدولي  مع بتريلا وحصل  على المعلومات من أخته"مشاعل"التي كانت  صديقة "حياة"وزميلتها  في الجامعة، وقد اتضح فيما بعد أن الجزء الأكبر من المعلومات استقاه                     من حياة المانع عندما كانت تعمل معه في الصليب الأحمر الدولي قبل أن تنتقل إلى سويسرا بمساعدته لتكون ذراعه الأيمن هناك.
  كان واضحا ً أن صادق المانع لم يقع في الأسر خلال إحدى المعارك في ما تعرف بـ"حرب الكويت"، وإنما أغراه زميله  حيدر الحاج كامل بتسليم نفسيهما إلى القوات الأجنبية:"رافقك حيدر  وتوجهتما سوية عبر الصحراء  حتى وصلتما القوات الأجنبية التي كانت تستقبل الكثيرين الذين وجدوا ملاذهم الآمن"(ص 114). ويبدو أنهما قدما للقوات الأجنبية معلومات عن البطرية التي كانا ينتسبان إليها  بدليل أن البطرية "مُحيت عن بكرة أبيها بقصف معاد ٍ" في يوم مغادرتهما لها. ولعل صادق شعر بالندم وكان الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية يقض مضجعه  وترك ذلك بصماته  على سلوكه بعد تحرره من الأسر  إلى الحد الذي جعله ينكر صديقه  حيدر حين صادفه  يوما ً بعد الأسر، ويدّعي بأنه لا يعرفه برغم العلاقات السابقة التي كانت تربط بينهما، ويعترف بأن وضعه غير طبيعي حتى بعد أن بدأ يمارس حياته العملية في أعقاب خروجه من الأسر:"تآلفت مع وحدتي وتفردي ، فلا أهل ولا أقارب  وقلة الأصدقاء لازمتني  وكأنني قادم من كوكب آخر...... لا أتذكر شيئا ً، أو لعلي محوت كل ذكرياتي.... لي عزلتي التي كانت لها أسبابها الموجبة"(ص 14).  وحين انتهى من قراءة الصفحات الأخيرة من الملف قال بأنه تضايق كثيرا ً وشعر بالخزي، وهي الصفحات التي توثق حادث إغراء حيدر له بالاستسلام للقوات الأجنبية وما تلا ذلك من قصف للبطرية..
  لقد تمثل هم صادق الأساسي خلال وجوده في سويسرا في سعيه للوصول إلى بتريلا  وابنته آنا بهدف التوثق مما جاء في الملف ولم يحالفه الحظ كثيرا ً فقد مات بتريلا حاملا ً سره معه  قبل أن يصل إليه وعندما حضر مراسيم دفنه والتقى ابنته آنا  لم يجد منها ما يطمئنه  فظلت الحقيقة معلقة وصار عليه أن يبذل المزيد من الجهد للكشف عنها  في الوقت الذي كان موعد عودته إلى العراق يقترب.
  ويمكن النظر إلى شخصية"حياة"باعتبارها إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية، لعبت دورا ً مهما ً فيها وإن لم يكن بشكل مباشر. كانت ترتبط بعلاقة حب مع  صادق وقد أكملت دراستها الجامعية مختصة ً باللغة الانكليزية التي أجادتها بالشكل الذي أهّلها للعمل في الصليب الأحمر الدولي ، فتعرفت على بتريلا، وكانت قبل ذلك تعمل مدرّسة في إحدى المدارس الثانوية حيث تعرضت إلى عملية اغتصاب من قبل رئيس الدولة بالتواطؤ مع قريبها عادل الذي كانت قد رفضت الزواج منه، والذي لم يكتف ِ بالتواطؤ ضدها وإنما زاد على ذلك بأن مارس التشهير بها نكاية بابن عمها . إن تفصيلا ً في مبنى هذه الرواية   يتأسس على ثيمة السقوط الأخلاقي  الذي ينمو في ظل الدكتاتورية. ففي موازاة حالة"حياة"(ولنلاحظ دلالة الاسم) التي اغتصبها رأس السلطة وكأنه اغتصب حياة الناس كلها، تجد الروائي قدّم حالة عفاف"(ولتلاحظ دلالة الاسم هنا أيضا ً) الطالبة الجامعية الجميلة التي اغتصبها ابن أحد المسؤولين، ولاذت بالبصرة هربا ً من عار الفضيحة، وكانت ثمة خشية من أن تصبح الحالة عامة وقد"علّقت الكثير من الصحف الأوربية حصرا ً، حول الفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب  من قبل أبناء المسؤولين  وبعض القادة الكبار. وبقين على قيد الحياة  واللواتي انتحرن أو متن في ظروف غامضة، كان موضع إدانة عالمية، وتم تدوينها "(ص 62).
  لقد عمد الروائي إلى إحاطة حدثين من أحداث روايته بالغموض ربما ليضفي سمة التلغيز على  نصه السردي ، كان أولهما المقال الصحفي الذي نشر باسم حياة المانع ليتبين الراوي بأن كاتبة المقال مجهولة الهوية (أو هكذا قيل له)، وثانيهما حين ذهب إلى المقبرة لحضور مراسيم  دفن بتريلا ليقع بصره على شاهدتي قبر متجاورتين تحملان اسمي آنا وأمها اللتين راحتا ضحية حادث في حين كانت آنا الأخرى حاضرة في مراسيم الدفن. وتبين فيما بعد أن آنا الحاضرة إنما هي"حياة" وقد ساعدها بتريلا على الحصول على لجوء إنساني في سويسرا وعاملها مثلما يعامل أب ابنته ومنحها اسم"آنا"لتكون بديلا ً لابنته الراحلة. ويبدو أن"حياة"أرادت أن تمارس لعبة مع   صادق دون أن تكشف السبب الكامن وراء ذلك. كانت تعرف موعد وصوله وهي التي حصلت على عنوان بريده الألكتروني وراسلته باسم آنا ، وهي التي دبرت عملية وضع الصحيفة  التي نشرت مقالها أمام باب غرفته ليقع بصره عليها، وكانت تتهرب من اللقاء به لسبب غير واضح، أو لعلها مارست لعبة التخفي هذه  للتعرف على مستوى إخلاصه لهاا ومدى حرصه على الوصول إليها . غير أن ثمة ما يدعو إلى التساؤل: كيف لم يتعرف  صادق عليها حين التقاها في المقبرة على أنها آنا؟هل أراد الروائي أن يوحي بأن سنوات الأسر أحدثت خللا ً في ذاكرته؟
  و زج الروائي بشخصية محمود في مجرى الأحداث في الجزء الأخير من روايته. ومحمود هذا آخر من تبقى في المدينة من أقرباء صادق. كان بائسا ً يعتاش من تنظيف المجاري وهو عمل لا يليق به كإنسان،ويعيش في (خرابة) أوى صادق فيها عندما عاد من الأسر ووجد انه لم بعد يملك شيئا ً. وصار محمود هذا وسيطا ً بين صادق  ورجل ثري قال أنه صديق قديم لأبي صادق  له فضل عليه ويريد أن يرد له جميله من خلال ابنه. لقد تابع  الروائي التحولات الايجابية لعدد من شخصيات روايته بدءاً من محمود الذي"نذر نفسه لعمل جديد، يشعره بأهميته كإنسان له كيانه"(ص 160) بعد أن تعرف على الرجل الثري، واسترد صادق عافيته الروحية وعاد إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، ثم حياة التي تجاوزت محنتها  واستقرت في سويسرا، وعفاف التي تجاوزت محنتها  هي الأخرى وتزوجت من حيدر ورحلا إلى الدنيمارك ليستقرا هناك، في مقابل التحول السلبي الذي حدث في العراق بعد الحرب (التي تدينها الرواية في مقابل الدعوة إلى السلام )، منها الإشارة إلى نزول النساء لسوق العمل وتغير أسلوب الناس في التعامل وسهولة الاستحواذ على أملاك الآخرين بغير وجه حق.
 في الرواية سلسلة من المصادفات منها ما هو مصطنع: تزامن وصول صادق إلى سويسرا مع وصول الرسالة الالكترونية إليه ؛ وصول صادق إلى الفندق حسب موعده مع آنا وخروجها من الفندق في الوقت نفسه ؛ اللقاء بينه وبين آنا في المقبرة ولكن دون أن يتعرف عليها ؛ اللقاء بين محمود والرجل الثري، وغير ذلك. وتجمع الرواية بين السيرة الشخصية واليوميات: يوميات صادق وجوانب من سيرته الشخصية وسيرة كل من حياة وعفاف فضلا ً على جانب من سيرة   بتريلا نفسه.
 وقد يؤخذ على الرواية إسرافها في إيراد بعض التفاصيل الهامشية: تفاصيل حياة صادق اليومية وقائمة مشتريا ته وبعض يومياته وجدول سفرته  وتتبع خط الطيران الذي سيسلكه. لكن هذا المأخذ لا ينتقص من مستوى الأهمية التي تتوفر عليها هذه الرواية الصادرة عن دار "وراقون"في البصرة"عام 2015، وجاءت بـ 207 صفحات من القطع المتوسط.