الفيلم بين اللغة والنصّ.. رمزية فاعلة

الفيلم بين اللغة والنصّ.. رمزية فاعلة

فيصل خرتش
يؤكد كتاب «الفيلم بين اللغة والنصّ»، لمؤلفه علاء السيد، أنّ الصورة الفوتوغرافية هي أولى البدايات في التشبه بالواقع، بل إنها تحمل منه أثراً. إنها صورة الشيء نفسه منطبعاً على الفيلم الحساس وعلى الأوراق الخاصة بالتصوير. وأحدث ظهورها نوعاً من الثورة، وهذا ما ينسحب على الصورة السينمائية، فالإنسان بعد أنّ أصبح مسجلاً في الصورة الفوتوغرافية،

 أضحى يحلم بإمكانية تحريك ذلك للانطباع البصري المسجل على شرائح الفيلم أو أوراقه، يحلم بتحريك تلك الصورة الشبيهة الساكنة، ومن هنا ولدت الرغبة في إيجاد الصورة السينمائية المتحركة.
بدأت السينما ظهورها في نهاية القرن التاسع عشر بعد سلسلة طويلة من التجارب الممتدّة جغرافيا، على مدار أوروبا والولايات المتحدة الأميركية من أجل تحريك الصورة الساكنة، ولم تنشأ الصورة المتحركة كفن، بل نشأت كآلة، فالصور المتحركة وليدة الاختراع، أي انّ الآلات التي تصنع الصور والتي تجعلها صوراً متحركة، وليدة الاختراع، وبذلك تنطوي على كلّ من الآلة والفن.
السينما تقدّم ما لا تقدر أنْ تقدمه الفنون الأخرى، لذا أصبحت لها حظوة عالية المكانة لدى الإنسان، لأنها فتحت مجالات لم تكن مطروقة من قبل لديه، بل إنها لعبت دوراً مهماً في تغيير نظريتنا نحو هذا العالم المحيط بنا..وحطمت ذلك العالم المحدود الذي كان الإنسان يعيشه من قبل، فالصورة المكونة للرؤية الكلية للفيلم تأتي من تراكم الصور وتفاعلها الإيقاعي الناجم عن التنامي الزمني المستمر طوال مدّة العرضّ. والأشياء والأحداث والشخصيات يحدث تكونها عبر الاقتطاعات المكانية والزمانية.
فالإمساك بالزمن وتسجيله واستعادته، كان يمثل نقطة تحوّل في حياة الإنسان والفن والثقافة، في منعه من الانفلات من بين أيدينا، كانت هذه اللحظة من أهم لحظات حياة الإنسان، والموضوعات أصبحت قابلة لتقديمها عبر السينما، التاريخ بكلّ أحداثه وشخصياته، فالسينما لديها القدرة على تقديم أي عالم من العوالم سواء الماضية، أو الحضارة المستقبلية، هي تقدم رؤية للعالم وتحمل ذلك في طياتها.
والفيلم هو نصّ، لأنه يمثل خطاباً ذا فاعلية، بل ولديه القدرة على التأثير في المتلقي، عبر استخدام الرموز البصرية والسمعية التي وضعها صانع الفيلم، والفيلم هو متتالية بصرية، يمكنها أنْ تكون قصة أو حكاية، كلّ أجزاء النصّ تتلاحم، تعمل معاً بهدف إخبارنا بشيء ما، ويعتمد الفيلم كنصّ على كلّ ما يكونه من عناصر، سواء أكانت تتعلق بالصورة أو الصوت، وكلّ هذه الأشياء تشكل منظومة تهدف إلى إخبارنا بشيء ما أو قصدية ما من قبل منتج النصّ.
السينما هي وسيلة لحفظ الزمن، وأيضاً للتعبير عنه، لذا حاولت أن تربط الزمن وأثره بالإنسان، ومع ظهور «اللقطة» و«المونتاج» كعنصرين أساسيين من عناصر التعبير الفيلمي، ولدت علاقة الفيلم بالزمان والمكان.. والمونتاج هو أحد العناصر المهمّة والأساسية في تكوين البنية الدلالية للفيلم، فهو يمثل علاقة من أهم العلاقات الدالة على فاعلية ومرور الزمن الفيلمي سواء في انسيابه أو تجاوره أو تداخله واختلاطه،.
وعبر تتالي وتتابع اللقطات كعلامات صغرى، يتكون المشهد الفيلمي، كعلامة كبرى ذات معنى ودلالة، وينسحب هذا الأمر على بنية النصّ الفيلمي ككلّ الذي يستلزم وجود «خطة» محدّدة ومعدة سلفاً من قبل صانعي النصّ الفيلمي، من أجل طرح «وجهة النظر» الخاصة بهم، والتي تنشأ وتتكون عبر العلاقة ما بين الأحداث والشخصيات والزمان والمكان – والتي جرى اختيارها وتنظيمها جميعاً، داخل اللقطات والمشاهد من أجل إنتاج الدلالة الفيلمية.
إنّ إمكانية التعبير عن المرور الزمني لا توجد لها قواعد، وإنما هي ترتبط بالسياق الفيلمي المقدّم بشكله البصري والذي يختلف عن سياق اللغة المكتوبة.. والفيلم السينمائي لا يملك إلا الحاضر البصري متجسداً، مرئياً، مكثفاً، مختزلاً، محدّداً، ولا يملك قاموساً أو أفعالاً أو إشارات محدّدة للتعبير عن مرور الزمن، فالمتلقي يمكنه استيعابها دونما حدوث ارتباك لديه، وإن كان يرتبط بالسياق المنظم للأحداث.

عن البيان الاماراتية