ولاة بغداد وباشواتها..  بين الرشاوى والمرض والسمنة والعسكرية

ولاة بغداد وباشواتها.. بين الرشاوى والمرض والسمنة والعسكرية

نيزك سعيد عبد الكريم
بعد أن أعادت الدولة العثمانية سلطتها المباشرة من جديد على إيالة بغداد سنة 1831 منهيةً حكم الولاة المماليك شبه المستقل فيها أخذت تعمل على ترسيخ عملية حكمها المباشر للإيالة من خلال تعيين الولاة العثمانيين الذين تضمن ولاؤهم لحكم إيالة بغداد، وتعيين موظفين إداريين ذوي كفاءة وثقافة لمساعدة الوالي في إدارة الإيالة. كما بدأت الدولة العثمانية منذ تلك السنة بتأسيس العديد من الدوائر والمؤسسات الإدارية في إيالة بغداد،

 وسعت الى القضاء على أية جهة متنفذة يمكن أن تعارض سلطتها في إيالة بغداد.
وخلال الحقبة الممتدة من سنة 1831 وحتى سنة 1869، كانت التشكيلات الإدارية لإيالة بغداد مكونة من مجموعة سناجق تقسم الى مجموعة أقضية، والأقضية تقسم بدورها الى مجموعة نواح، وتقسم النواحي الى مجموعة من القرى.
وكان الجهاز الإداري في مركز الإيالة خلال تلك الحقبة، مؤلفاً من الوالي والكهية والقاضي وباب العرب..
الوالي
 
منصب الوالي هو أعلى منصب إداري في إيالة بغداد،وكان يتم تعيين الوالي من قبل السلطان العثماني، إذ يصدر السلطان أمراً (فرماناً) الى من يضمن ولاءه وإخلاصه ليتولى هذا المنصب.
وكثيراً ما كان يتولى هذا المنصب أشخاص لهم خبرة إدارية سابقة، أي أنهم كانوا يتولون باشوية إيالة معينة من إيالات الدولة العثمانية قبل أن يتم تعيينهم على إيالة بغداد.وكان والي بغداد في أحيان كثيرة يدعى بـ (الوزير).
وقبل أن يتولى منصبه في إيالة بغداد، كان الوالي يتعهد الى السلطان العثماني بدفع مبلغ من المال سنوياً الى خزينة الدولة مقابل توليه منصب والي بغداد، حيث يقوم الوالي حال وصوله الى مركز إيالة بغداد، مقر الوالي، بفرض أنواع مختلفة من الضرائب على سكان الإيالة من أجل توفير ذلك المال وإرساله الى العاصمة استانبول لكسب رضى السلطان من أجل البقاء في منصبه لمدة أطول.إلا أنه بعد حركة التنظيمات الإصلاحية التي شهدتها الدولة العثمانية، تقرر أن يخصص راتب سنوي للولاة يختلف مقداره من إيالة الى أخرى وحسب المنصب الذي كان يتولاه الوالي قبل أن يتم تعيينه بمنصبه.
أما المهام التي كان يقوم بها الوالي فهي واسعة، حيث كان يتمتع بسلطة مطلقة في إيالة بغداد، من حيث توليه إدارة الشؤون المدنية والعسكرية للإيالة. فقد كان هو المسؤول الأول عن إدارة شؤون الإيالة،ويقوم بتطبيق القوانين والفرامين (الأوامر) الصادرة من السلطان العثماني، كما كان يقوم بتعيين بعض الموظفين الإداريين في السناجق والأقضية والنواح، ويأمر بعزلهم أيضاً، ومن مهامه أيضاً تحقيق العدالة بين السكان والقضاء على الظلم ومعاقبة المسيئين والمتمردين على حكومته، ويقوم أيضاً بحماية رعايا الدول الأجنبية، والقناصل الموجودين داخل الإيالة ويتعامل معهم، وكذلك التعامل مع شيوخ عشائر الإيالة.ويعد الوالي ممثلاً محلياً لكل إدارات الدولة المركزية التي لها دوائر فرعية في إيالة بغداد.
ومن الناحية العسكرية، كان الوالي يتولى قيادة القوات العسكرية المتواجدة في إيالة بغداد. وبعد تأسيس الجيش السادس الهمايوني سنة 1848 تولى الوالي أيضاً قيادة هذا الجيش الى جانب منصبه والياً على إيالة بغداد ومنح رتبة (مشير) أي (قائد). وكان الوالي مسؤولاً عن حفظ الأمن والنظام داخل الإيالة. ويقوم بقيادة الحملات العسكرية في بعض الأحيان لتأديب المتمردين عليه.
كما كان الوالي مسؤولاً عن إرسال الأموال المقررة سنوياً الى العاصمة استانبول، وكذلك إرسال التقارير التي تخص أوضاع إيالة بغداد وما يحدث فيها من تطورات واضطرابات.
وكان الولاة العثمانيون المعينون في إيالة بغداد قبل عهد التنظيمات يلتزمون منصبهم ببدل سنوي يدفعونه الى خزينة الدولة. إلا أنه منذ بداية عهد التنظيمات وتحديداً منذ عهد الوالي عبد الكريم نادر باشا، بدأ هؤلاء الولاة يتولون منصبهم بتخصيص راتب شهري لهم. حيث بلغ مقدار ذلك الراتب في خمسينيات القرن التاسع عشر (120,000) قرشاً شهرياً، عدا المخصصات الإضافية.وكان راتب الوالي معرضاً للزيادة بشكل مستمر حتى أنه وصل في أواخر حقبة هذه الدراسة الى (150,000) قرشاً شهريا.
حكم إيالة بغداد، خلال حقبة هذه الدراسة، عشرة من الولاة العثمانيين، تولى أحدهم وهو نامق باشا حكمها مرتين.  وتراوحت مدد حكمهم بين إحدى عشرة سنة وأقل من سنة واحدة. فقد تولى علي رضا باشا اللاظ باشوية بغداد سنة 1831 بعد أن قضى على حكم المماليك فيها.ووصف عند مجيئه الى بغداد بأنه كان في الخمسين من عمره، وبأنه رجلاً ذكياً وكريماً الى حد التبذير، إلا أنه كان والياً ضعيفاً في إدارة شؤون الإيالة، وكان كسله وسمنته يمنعانه من إجهاد نفسه في العمل على إصلاح الجهاز الإداري الفاسد في الإيالة.
وخلال مدة حكمه، تمتع اللاظ بسلطة مطلقة في حكم إيالة بغداد، وكان لا يستأذن السلطان إلا في الأمور المهمة، حيث استحوذ على جميع المؤسسات الإدارية والعسكرية والمالية والقضائية، إلا أنه كان ضعيفاً في توجيه عمل تلك المؤسسات، الأمر الذي دفعه الى الإعتماد على بعض الأشخاص الذين أتسموا بالجشع والعنف والقسوة في تعاملهم مع سكان الإيالة مثل الملا علي الخصي وعبد الرحمن الأورفة لي، مما أدى الى حدوث ثورات وتمردات عديدة طيلة مدة حكمه.
وفي سنة 1842 عزلت الدولة العثمانية علي رضا باشا اللاظ، وعينت بدلاً عنه محمد نجيب باشا الذي وصف بأنه ذكياً وشجاعاً وذو حيوية خارقة، لكنه كان فضاً غليظاً لم يتردد في استخدام العنف والقسوة في جباية الضرائب من سكان الإيالة، كما أنه لم يتردد في استخدام قواته العسكرية في قمع الثورات التي حدثت خلال مدة حكمه التي دامت سبع سنوات.
إلا أنه من ناحية أخرى، قام بأعمار مدينة بغداد، فقد أنشأ فيها حديقة  سماها (الحديقة النجيبية)، وأنشأ سنة 1845 سقاية في منطقة براثا في مدينة بغداد عرفت بـ (سقاية نجيب باشا)، كما أنه قسم مدينة بغداد الى ثماني عشرة محلة، وأنشأ محلة جديدة في الأعظمية، وقام ببناء مخزن لحفظ المواد الغذائية من التلف، ومطبخ (أكمكخانة) خاص بالجند، الأمر الذي دفع السلطان العثماني عبد المجيد الى أن يصدر أمراً بترفيع رتبة الوالي محمد نجيب باشا لقاء أعماله تلك، كما أن السلطان كافأه بسيف مرصع بالذهب تقديراً له.
وبعد عزل الوالي محمد نجيب باشا، عينت الدولة العثمانية بدلاً عنه، عبد الكريم نادر باشا (1849-1850) الشهير بـ (عبدي باشا) الذي كان يتصف بالكرم والشجاعة ورعاية حقوق الناس.وعندما تولى باشوية بغداد كان على أطلاع  بأحوالها وطبيعة سكانها، لكونه كان قائداً للجيش السادس الهمايوني قبل توليه الباشوية. ومن أهم الأعمال التي قام بها في إيالة بغداد خلال مدة حكمه، أجراء إحصاء لسكان الإيالة تنفيذاً لأوامر العاصمة استانبول تمهيداً لتطبيق التجنيد العسكري في الإيالة، إلا أنه عزل بسبب عدم قدرته على بسط الأمن والنظام داخل الإيالة.
وتولى حكم إيالة بغداد بعد الوالي عبد الكريم نادر باشا، محمد وجيهي باشا سنة 1850 الذي لم يدم حكمه سوى سنة واحدة، بسبب عدم قدرته على إدارة شؤون الإيالة وفشله في تحسين أوضاعها الأمنية والمالية المتدهورة آنذاك، فأصدرت الدولة العثمانية أمراً بعزله، وتعيين محمد نامق باشا (1851-1852) بدلاً عنه،الذي كان يتولى آنذاك قيادة الجيش السادس الهمايوني.
تولى محمد نامق باشا، باشوية بغداد مرتين، حيث سعى في المرة الأولى (1851-1853) سعياً حثيثاً الى إصلاح أوضاع الإيالة، وعمل على توفير الأمن والنظام فيها، إلا أنه كان مريضاً آنذاك، الأمر الذي أعاقه عن إخماد التمردات العشائرية التي حدثت في عهده، فعزل من قبل العاصمة استانبول وعين بدلاً عنه محمد رشيد باشا الكوزلكي (1853-1857) الذي عرف بأنه ذا ثقافة عالية ودراية كبيرة في الإدارة لأنه كان حاصلاً على شهادة في علم الإدارة والسياسة من فرنسا. وعندما تولى باشوية بغداد استطاع أن يتعرف على طبيعة السكان وميولهم، وأخذ يعالج أوضاع الإيالة بحكمة وعقلانية من خلال اتباعه سياسة التهدئة مع العشائر المتمردة لكسب ودها، كما أنه عالج حالات الرشوة والفساد الإداري اللذين كانا سائدين في الجهاز الحكومي منذ عهد سلفه، واستطاع أن يوفر الكثير من الأموال لخزينة الإيالة، فتمكن بذلك من دفع رواتب الموظفين والجند المتأخرة، وأرسل أموالاً كثيرة الى العاصمة استانبول. كما أجرى إصلاحات في مجال جباية الضرائب والرسوم الكمركية، مما أدى الى انتعاش التجارة في إيالة بغداد.

      ومن الأعمال العمرانية التي قام بها الكوزلكي، إنشاء مقاطعة في مدينة بغداد عرفت بـ (المشيرية)،وأمر بفتح نهر الكنعانية وربطه بين قضاء خراسان(بعقوبة) ومركز الإيالة. كما أنشأ الجداول للإرواء في قضاء خراسان، وقام بتطهير مجموعة من الأنهر الصغيرة الموجودة داخل إيالة بغداد. كما أسس شركة للنقل النهري، واستورد باخرتين لهذه الشركة إلا أنهما لم تصلا الى الإيالة إلا في عهد خلفه. فقد توفي الكوزلكي بعد مدة حكم استمرت خمس سنوات وسبعة وعشرين يوماً.                                                                         
وبعد وفاة الكوزلكي، عينت الدولة العثمانية في مكانه أحد قوادها العسكريين، وهو عمر باشا الذي كان يلقب بـ (السردار الأكرم) (1858-1859) والذي وصف بأنه"الجندي الصارم الصالح في مصلحة الحكومة على الطراز القديم".حيث تميز خلال  مدة حكمه باستخدام القسوة والشدة ضد العشائر المتمردة وسكان المدن،  لاسيما عندما أمرته السلطات المسؤولة في العاصمة استانبول بفرض التجنيد العسكري على سكان الإيالة. فهدم القلاع التي أنشأها الكوزلكي في منطقة الهندية كمقرات للجيش السادس، وسرح عدداً كبيراً من القوات العسكرية غير النظامية (الهايتة) على أمل أن يعوضها بالمجندين عن طريق الخدمة العسكرية الإلزامية، وكانت قسوته وشدته تلك سبباً في عزله عن باشوية بغداد، خاصة بعد أن أعدم بعض الأفراد من عشيرة الهماوند الكردية بحجة تمردهم عليه.
ولم ترق السياسة التي اتبعها الوالي عمر باشا ولاة الأمر في العاصمة استانبول فأصدروا أمراً بعزله وتعيين مصطفى نوري باشا(1860-1861) بدلاً عنه.وقد عرف عن هذا الوالي أخذ الرشوة، الأمر الذي أدى الى انتشار الفساد الإداري بين الموظفين، وعمت الفوضى في الإيالة، وأضر كثيراً بميزانيتها، فعزلته السلطات العثمانية في العاصمة بعد أن ثبتت سوء إدارته لإيالة بغداد، وعينت بدلاً عنه أحمد توفيق باشا (1861-1862) الذي بذل جهوداً كبيرة في إصلاح الأوضاع المتدهورة في الإيالة، فقد منع الإسراف في إنفاق الأموال العامة، وتجنب المصروفات الزائدة، وعزل جميع الموظفين الإداريين الذين عرفوا بأخذ الرشاوى. كما أهتم بالجانب الصحي للحيلولة دون انتشار الأمراض والأوبئة.
إلا أن الوالي أحمد توفيق باشا لم يستمر طويلاً في حكم الإيالة لأنه لم يكن قادراً على القضاء على التمردات العشائرية، فأتخذت السلطات المسؤولة في العاصمة استانبول قراراً بعزله، وعينت شخصاً ذا خبرة ودراية بأوضاع إيالة بغداد، وهو محمد نامق باشا (1862-1867) الذي سبق أن كان والياً فيها. وقد اتسم محمد نامق باشا في ولايته الثانية بالنشاط والحزم في إدارة الإيالة، إذ عمل على إخضاع العشائر المتمردة على حكومة الإيالة، ونظم الإدارة المالية ودفع رواتب الجند والموظفين بانتظام، وأرسل أموالاً كثيرة الى العاصمة استانبول. كما اهتم بإصلاح الأراضي وتحسين أحوال الفلاحين من خلال تطهير بعض القنوات وشق الجداول والترع، وأجرى إصلاحات عدة على إدارة البواخر النهرية ، وزاد عدد البواخر العاملة داخل الإيالة، وأنشأ داراً للحدادة (الدميرخانة)، وفرض التجنيد العسكري على أبناء الإيالة، حيث جعله عقوبة للسارق، وشارب الخمر، ومن لا عمل له.
وفي سنة 1867 استدعت السلطات المسؤولة في العاصمة استانبول الوالي محمد نامق باشا لتولي منصب عسكري رفيع في العاصمة، فنقلته من إيالة بغداد وعينت بدلاً عنه تقي الدين باشا (1867-1868) الذي لم يكن قادراً على إدارة شؤون الإيالة، حيث ترك أمورها بيد الموظفين الذين عاثوا فيها فساداً دون أن يحاسبهم، فأصدرت السلطات المسؤولة أمراً بعزله عن إيالة بغداد.
ومن هذا يتضح، أن معظم الولاة العثمانيين الذين عينوا لحكم إيالة بغداد خلال الحقبة (1831-1869) اتصفوا بعدم القدرة على إدارة الإيالة، وفهم طبيعة سكانها وميولهم، لذا نجد أن سنوات حكمهم كانت مليئة بالثورات العشائرية والاضطرابات داخل المدن، ولم يكن أمامهم من حل للتخلص من هذه التوترات سوى استخدام القوة العسكرية التي كانت تؤدي الى نتائج سلبية على سكان الإيالة وعلى الدولة العثمانية أيضاً التي كانت تضطر الى تغيير الوالي وتعيين آخر بدلاً عنه لعله يستطيع أن يوفق بين سياستها الرامية الى فرض السلطة المركزية في إيالة بغداد، وبين توجهات السكان نحو عدم الخضوع لسلطة الدولة وقبضتها القوية في الحكم.

 عن رسالة (الادارة العثمانية في بغداد)