فضيلة الشيخ ابوالعيون يتحدث مديحة يسري مندوبة دنيا الفن

فضيلة الشيخ ابوالعيون يتحدث مديحة يسري مندوبة دنيا الفن

عن المرأة الحديثة والقديمة والسينما والمسرح والشعر والطرب والافلام ويقول انه مستعد للانضمام الى اسرة الفن اذا وجد قصة تحترم الوطن والدين!!
كانت فكرتي الخاصة عن فضيلة الشيخ ابو العيون، انه صورة ادبية مجسمة لتلك المقالات والاحاديث النارية التي ينشرها في الصحف والمجلات دافقة بالغضب على خلاعة المجتمع.. كنت احسبه شيخ الثائرين – ان كان ثمة ثائر غيره – على بنت حواء اينما كانت وحيثما خلقها الله..

 حتى لسكانه النقمة ارسلها القدر ليذهب من افانين الجنس اللطيف.
وبطبيعة الحال لم يكن يدور بخلدي ان تتيح الظروف لمثلي ان تدخل معه في غمار حديث.. اي حديث.. فقد كان على حينئذ ان انفي عن خاطري تلك الصورة القائمة الثابتة، عن ثورته الجارفة على بنات جنسي، التي تضع بينه وبينهن ستارا سميكا من الصلب.
فلما كلفني رئيس التحرير باجراء حديث مع الشيخ ابو العيون كنت اظن – لو حدث المستحيل الرابع وسمح فضيلته بمقابلتي والتحدث معي – اني ساحادثه من وراء سجاف كما تقول تعاليم الحشمة.. ولذلك عقصت شعري وخففت (الروج) على شفتي، ثم استعنت بشجاعة الصحفية النشيطة، وذهبت اطرق بيدي باب قلعة العدو في شارع علي باشا ابراهيم بالحلمية الجديدة!
واستقبلني فضيلة الشيخ ابو العيون حييا كما لو لم يكن هو الشيخ ابو العيون صاحب الاراء الجريئة في عداوة المجتمع الجديد، وجلسنا نتحدث في (عشم) كبير!!.
إن الشيخ ابو العيون رجل طيب السريرة، عميق الفلسفة، فهو لا يأخذ التكليف بيننا قضية مسلمة.. بل يرفعه لأول وهلة!
وهكذا اثبت الشيخ في الجولة الاولى انه مناضل من نوع حديث.. متقدم في عقليته مثل تقدمه في السن.. فهو كالطباخ الذي يتذوق السم.. لأنه بطهيه!!
ومن حق فضيلة الشيخ على ان اعترف بانني خدعته حينما طوبت عنه حقيقة اسمي خشية ان يرفض الحديث.. كما ان من حقي على نفسي ان اذكر انني لم اخدعه خدعة كاملة، فقد اكتفيت فقط بذكر مهنتي كمندوبة لدنيا الفن.. مع كذبة صغيرة استبلدت بها اسم (مديحة) باسم نهاد.. وعلم الله كما كانت تؤلمني وخزات ضميري كلما هتف في فضيلته قائلا:
- اسمعي يابنت يا نهاد..!!
ولقد تحدث معي الشيخ حديثا ليس للنشر!.. وابادر لانني ما قد يقفز الى اذهان القراء! فاقو لان هذا الحديث جعلني اغير فكرتي في فضيلته.. وخلق ايمانه بان جمال المرأة انما يكون في احتشامها.. وان رقيها وتقدمها انما يكونان في ثقافتها وتمسكها بالفضيلة وهكذا كسب فضيلة الشيخ ابو العيون الجولة الثانية.. كما كسب الى جانب ذلك تلميذة رحبت بان تكون في صف مبادئه!
وفضيلة الشيخ ابو العيون فوق هذا وذلك رجل لبق الحديث ممتع الفكرة، له في الحياة الاجتماعية نظرة تقدمية تقوم على الفضائل لا على الرجعية، وقد يبدو من حديثه للسامع ان تفكيره يتجافى مع حياة التقشف التي يحياها رجل مثله من كبار رجال الدين.. ولكن الانصاف يدعوني الى القول بان الشيخ ابو العيون رجل صالح في الفضيلة، يقدر ما هو ضالع في خفة الدم!
فهو لم ير جناحا ان يقول لي ضاحكا على ملأ من زواره من رجال الدين
- تعالي جنبي هنا يا بنت يا ظريفة انت
لانه يقول ذلك وهو متشح بثوب الايمان بتقواه!
والان لاترك هذا الوصف، الذي تسيء اطالته الى استمساك الشيخ بتعاليمه القاسية في نظر الرجعية لتدخل في صلب الحديث:

أي النساء افضل
قلت له:
* ما رأيك في المرأة العصرية، وهل تفضلها على المرأة القديمة؟
فقال:
- لا يؤخذ الحكم في هذه المسألة اطلاقا، بل لابد من النظر للاعتبارات في المرأة القديمة والاخرى (المتعصرة) فمن ناحية التثقيف افضل المرأة المتعصرة على القديمة، ومن ناحية الاحتشام والمحافظة على التقاليد الصالحة، فقد ارى ان المصرية القديمة على جانب في هذه الناحية يفضلها على المرأة العصرية..
ربما تقولين لي ان المرأة العصرية التي تقصدها بالسؤال عن المراة المثقفة المهذبة، التي جمعت كثيرا من فضائل النفس.. فاذا كان كذلك فأني افضل العصرية على الاطلاق، لان المرأة التي بهذا الوصف – واعرف منهن كثيرات في وسطنا المصري- هي التي تؤدي رسالتها من الناحيتين الاسرية والانسانية.. ان المرأة المتعصرة التي افضل عليها المرأة الرجعية، فهي تلك التي تخوض المجتمعات الصاخبة الزاخرة بالمقاصف والمراقص والخمور والعمار، وما الى ذلك من شرور المجتمع.. هذه المرأة العصرية من اسمها مسترجلة، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المسترجلات، فهن شر على المجتمع، ولا يصح ابدا مقارنتهن بالمرأة المصرية القديمة على ما فيها من جهل ومن انغماس في الرجعية الجامدة.
بين سيدنا عمر وزوجته!
وعدت اسأله:
* هل ترى ترشيخ المرأة المصرية لعضوية البرلمان؟
- الدين الاسلامي! اباح للمرأة ان تتمهن ما تمهنه الرجال، حتى الفتيا والقضاء الا في الدماء على رأي بعض المذاهب، ولكن بعض الباحثات قد تعتريها عوارض من شرور الاجتماع فتقيدها، مثال ذلك ان المرأة ان تشهد صلاة الجماعة والاعياد والجمع ولكن في عصرنا هذا لا تامن المرأة عبث العابثين، واستهتار المستهترين، فقد ينالون من خفرها وحيائها مما يتنافى مع الاخلاق الدينية، وقد استأذنت ذات مرة زوج سيدنا عمر بن الخطاب في الخروج من البيت في الغلس لحضور صلاة الفجر في المسجد فنهاها سيدنا عمر عن ذلك فقالت له كيف تنهاني عن تأدية شعائر الله مع الجماعة، فاسر ذلك في فمه واذن لها في الخروج، فلما كانت في بعض الطريق  تعرض لها في الظلام وغمزها في عجزتها فرجعت وكان قد سبقها الى المنزل"فقال لها:"لماذا رجعت؟"فقالت:"كنا نحضر الجماعة والناس ناس.. اما الان فلا اذهب".
قد اطلت في مقدمة الاجابة.. واري دان اقو لان المرأة لها ما للرجال ولكنها لم تهيأ الى اليوم بالاسباب والعوامل الثقافية والاجتماعية لان تكون صالحة للعضوية في البرلمان، فالى حين ينقى الجو المصري من الشرور، والى حين تهذب المرأة ويصبح لديها جميع المناعات السليمة لا ارى منعها من دخول البرلمان.
* هل تقصد فضيلتك بالمرأة المثقفة ان تكون على ثقافة تؤهلها لان تكون ربة بيت، ام لتجعلها على علم بثقافة الحياة العامة؟
- المرأة التي لم تتثقف تثقيفا (تربويا) لا يؤمن معها ان تكون ربة اسرة بالمعنى الصحيح، فالمرأة المثقفة المتعلمة تعليما دينيا وخلقا هي التي اقصدها بقولي المرأة المثقفة، ولا تقارن بها المرأة الجاهلة في كثير او قليل.
الفن في خدمة الدين
وعندئذ رأيت ان ننتقل بالحديث الى النواحي الفنية المصرية فسألته:
* هل ترى ان الفن التمثيلي – المسرحي والسينمائي – يمكن ان يخدم المجتمع والدين؟
- انا افهم ان التمثيل المسرحي والسينمائي هو عنصر قوي للتربية والتهذيب وبث الاخلاق الكريمة في النفوس وتربية الشعوب تربية تفيد المجتمع والوطن والدين من طريق المشاهدة والتصوير، وهذا هو المفروض في فن التمثيل، ولكن خبريني يا ابنتي.. هل المسرح الان يخدم تلك الاغراض التي اشر تاليها!.. الجواب كلا.. ليتني اسمع عن قصة تتمثل فيها البطولة وعزة النفس والتضحية من غير ان تختلط بالعبث والاستهتار، وانا زعيم بان اكون من دعاة المسرح والسينما.. قد يحتال بعض المتجرين بالافلام في ان يضعوا قصة يضحكون بها على الجمهور من ناحية بث غرائزه ونزواته واشتهائه المادي بوضعه في اطار له شكل الفضائل، وبذلك تضيع الفائدة في سبيل الكسب.

هل السينما رجس من عمل الشيطان
* قلت مرة في حديث ل كان السينما رجس من الشيطان فلماذا؟
- راجعي الاجابة السابقة.
* من من الممثلين والممثلات المصريين تعجب بهم؟
- انا اقدر من الممثلين صديقي الاستاذ زكي طليمات، والاستاذ يوسف بك وهبي، ولكني كنت اتمنى ان يتوفرا على دراسة التمثيل السليم الذي اشر تاليه لانهما من اقدر الناس على التمثيل المرغوب فيه خلقيا، اما عن الممثلات فلا استطيع ان اتكلم عنهن!
* ومن من المطربين والمطربات؟
فقال بعد ان تريث برهة:
- انك يا انسة تورطيني في الاجابة عن اسئلة كنت احب ان اتجنبها ولكنني ساجاريك في رغباتك.. انا لا اكره الغناء، ولكن بشرط ان يكون غناء عفاً نزيها يبعث في النفس الراحة وقرة العين ويبعث المعاني السامية والاغراض الصالحة للسمو بالروح والنفس وقد كان المغنون قديما يهدفون الى تلك الاغراض مثل ابراهيم الموصلي واسحق الموصلي وابن عائشة وابن معبد، ومن عصرنا الحديث عبده الحمولي ويوسف المنيلاوي وسيد درويش ومحمد عثمان وسلامة حجازي ومحمد عبد الوهاب حين كان يتولاه مرشده العظيم المرحوم شوقي بك الشاعر.. انا اجل عبد الوهاب واتمنى له ان يرجع الى سابق عادته من انشاد القصائد والمقطوعات التي تبعث على الفضيلة مثل قصيدة مهيار الدليمي واعجبت بي بين نادي قومها ذات حسن فمضت تسأل بي".. وعبد الوهاب رجل التاريخ في فن الغناء في هذا العصر..
واعجب كذلك بام كلثوم وخصوصا في قصيدة شوقي بك"سلوا قلبي غداة سلا وتابا"وقصيدتها الاخرى التي تقول فيها"ايها الفلك على اوشك المغيب" وعبد الوهاب وام كلثوم هما ابطال فن الغناء في العصر الحديث واتمنى لهما البقاء.
* ومن يعجبك من الشعراء؟
- لقد انتهى عصر الشعراء بانتهاء شوقي وحافظ ابراهيم، ولم يبق الا الثالث خليل مطران بك اطال الله في عمره، ولكن بيننا شعراء شباب ارجو لهم مستقبلا طيبا، مثل علي محمود طه ومحمد الاسمر وعبد الغني حسن ومحمود اسماعيل واحمد رامي.
وعدت اسأله:
* الم تشاهد فضيلتك افلاما سينمائية؟
- حضرت عرض فصل واحد من رواية (حواء الخالدة) في المسرح وذلك لأن واضعها صديقي محمود تيمور بك.. اما الخيالة (السينما) فلم ار غير صور اعلاناتها المعلقة على الحوائط في الشوارع.
***
وانتهينا من الحديث، ثم جلسنا نتحدث قليلا في حادث اصابته بايدي رجال البوليس يوم تظاهر الازهر. فقال لي انه يخشى على كرامة الدين من ان يسكت على اهانته، وانه يرجو من صديقه دولة النقراشي باشا ان يبدي له من الاعتذار ما يرد الامر الى نصابه وما يرد اليه كرامته بوصفه من رجال الدين، وتمنيت له الشفاء العاجل.. والاعتذار العاجل قبل ان اغادره الى الطريق..
مديحة يسري

دنيا الفن/
 شباط - 1947