برشت والحرب الإمبريالية

برشت والحرب الإمبريالية

حميد كشكولي
برشت الذي اشتهر عن طريق مسرحياته، كان في ميدان الشعر أيضا فارسا له قدرة ونفوذ كبيرين. فأغلب قصائده يعبر عنها شخصيات مسرحياته. ويبدع برشت قصائده بلغة ساخرة و لاذعة، يبدي فيها رأيه في مسائل صغيرة أو كبيرة، ويفسر أحداث زمانه وأحداث الماضي، مثل اضطهاد غاليليو غاليلي. واكتشف في هذا السبيل أسلوب"التغريب"في مسرحياته لكشف الأعماق الإنسانية،

 وكشف أسرار الأحداث التي تغير مسير التاريخ البشري وأسبابها الحقيقية الخفية. وهذا الأسلوب الرائع، أي التغريب أضفى على كتاباته روح المتعة والسحر والإكتشاف.
يعايش برشت جمهوره بشعره المسرحي في قلب الأحداث، ويجعلهم على بينة من الحقائق الخفية عنهم، وثم يعود بهم إلى مواقعهم السابقة وقد أمسوا أكثر وعيا ويقظة.

كان شعر برشت شعرا دعائيا، يدعو إلى الثورة والشيوعية وكسب العلم والمعرفة، يدعو إلى النضال الطبقي، ولقد كانت قصائد تعبر عن آلام كانت ستتحول إلى غضب عارم أثر ضغوط مالكي السلطة.
كانت قصائده قبل تعرفه على الماركسية واستيعابها، لا تخرج من دائرة أفكار البرجوازية الصغيرة المدينية، ولم تبد ُ لها آفاق وأبعاد سياسية، أو حتى يمكن القول إنها لم تكن تعبر عن أفكار تحرريةى حقيقية. ورغم كان برشت منذ البداية يقف في صف الناس، وينعت الظالمين بالأعداء، ويصف الكادحين بالأصدقاء.
كان يرى بوضوح التناقضات الحادة التي تنهش المجتمع، وكان يعرف من هم المضطهِدين و من هم المضطهَدين، و كان يلمس الكفاح العفوي السلبي للكادحين، لكنه لما يكتسب القدرة الفنية بعد لإضفاء أبعاد ثورية على هذه النضالات والأوضاع وتحويلها إلى حركة تواجه أسس نظام الإستغلال وتهددها.
وقد تحول إلى فنان نصير الشيوعية والثورة بعد فهمه الماركسية واستيعابها وانتمائه إلى مدرستها الفنية خلال دراسته لكتاب رأس المال و استيعابه المادية التاريخية والديالكتيك.
فهذه التحولات التي جرت على أفكار برشت كانت تتناسق مع حركة تطور المجتمع في تلك الفترة، حيث كان العالم يموج في تيارات تغيير حادة، و يكتسب محتوى جديدا كان يعبر عنه التاريخ بلحن مختلف عن لحن الماضي. ايّ باختصار، برشت كان يعيش عصر الثورات البروليتارية.

"إنها غاية في البساطة، وإدراكها سهل.
حقك، وأنت عامل من بين العمال،
اكتسب العلم، واعمل الصحيح!
لكن تبقى ثمة مشكلة تستعصي عن الفهم،
فإن كانت حصتك من كدح الآخرين،
أي إن عضوا في جماعة قطاع الطرق والحرامية،
يعجز عن ادراك معناه،
فالأحمق يدعي أن المسألة حمقاء،
والظالم يعلن أنها مسألة ظالمة...
لكن نهاية كل جهل هي بزوغ فجر نظام إنسانيّ،
إنه ليس لغزا،
إنه أسلوب لحل هذه المسألة،
ليست جريمة، بل موت للمجرمين،
لا جنون، بل علاج لأي ّ جنون،
فالعين بصيرة، واليد قصيرة،
إنها طرفة عين، وسهل ممتنع".
لقد كانت الحرب الإمبريالية ثيمة أساسا في شعر برشت، إذ لا بد ّ للإمبرياليين أن يشنّوا الحروب للخروج من الأزمات السياسية والإقتصادية التي تنتاب النظام الرأسمالي. فمنطق النظام الإمبريالي يولد أسباب التصارع والتنافس بين النظم الإمبريالية للحفاظ على وجودها وتوسيع امكانيات تراكم الثروة والسيطرة على مقدرات الشعوب المضطهدة والمحرومة.
وأدت العوامل أعلاه إلى ظهور النازية في ألمانيا واستلامها السلطة، وكانت تمهيدا للحرب العالمية الثانية في سبيل انقاذ بنية رأسمالية لم تعد قادرة على تلبية أفضل وسائل تراكم رأس المال، وكانت آيلة إلى الإنهيار.
كانت البروليتاريا وطلائعها الشيوعيون، وفي مقدمتهم برشت الفنان الملتزم بالدفاع عن مصالح العمال والمحرومين، يعون هذه الأمور. ولم يسلم برشت من اتهامات الفاشية واعتداءاتها في ألمانيا حتى اضطر إلى الهجرة والإغتراب واختيار منفاه في الولايات المتحدة حيث المكارثية كانت له وللشيوعيين الآخرين بالمرصاد. ولم يقصر برشت عن فضح الوجه القبيح لقادة الحروب الإمبريالية، فقصائده في تلك الفترة كرسها لفضح حقيقة الروح العدوانية للرأسماية وسياساتها الإمبريالية وشنها الحروب لأجل استمرار أسباب الإستغلال الرأسمالي ونهب العالم وتقسيمه بين الامبراطوريات المتنافسة، مثلما يحدث اليوم في الشرق الأوسط خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي.
وكان برشت يعي وعيا تاما ما تخفيه الإمبريالية وراء بسماتها الصفراء، وشعاراتها،و البروباغنده التي تبثها أبواقها، وادعاءاتها في نشر التحضر والرفاه والديمقراطية في ما يُسمى بالعالم الثالث.
يقول في إحدى مسرحياته:
"يقول الحكام المتسلطون،
إن السلام شيء، والحرب شيء آخر.
أية مفارقة!
إنها لمسألة صعبة،
لكننا نعلم علم اليقين أن سلمهم وحربهم
مثل الريح والعاصفة، لهما الجوهر ذاته.
تخرج حربهم من قلب السلم،
مثلما ولد يولد من رحم أمه،
يبقى له منها إرث من صورتها.
تأتي حربهم لتقتل من خرج بسلام أثناء السلم".
كما يقول في إحدى قصائده:
"نحن في حاجة إلى أراضٍ شاسعة،
وأخي طيار يشن الحرب في هذا السبيل،
بقصف قرى كثيرة، ويقتل أناسا كثيرين
للسطو على أراضيهم لتوسيع رقعة وطننا،
لكنه أخيرا بعد استشهاده في سبيل الوطن،
كانت الرقعة من الأراضي التي حصل عليها،
عبارة عن مترين مربعين، وحفنة من التراب