مَن يصبر على الطَّبري وموارده.. في زمن التَّغريدة!

مَن يصبر على الطَّبري وموارده.. في زمن التَّغريدة!

 د. رشيد الخيّون
سألني أحد الباحثين الشَّباب، المغرمين بتاريخ الفلسفة الإسلامية والتُّراث، عبر تغريدات على تويتر: بماذا يبدأ كي يشق طريقه في هذا المجال؟ أجبته: عليك قبل كلِّ شيء بالتَّاريخ العام، وابدأ بتاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري (ت 310 هـ)، تسعة مجدات مِن الجلد إلى الجلد. بدأ عليه الضيق مِن نصيحتي، بعد أن عظمت عليه الأمر، فالطَّبري يأتي بالرّواية مِن عدة وجوه،

 وعبر عدة أسانيد. فقلت له حينها: إذا لم تصبر على قراءة كتاب “تاريخ الأُمم والملوك”، فلا تتورط بتاريخ الفلسفة الإسلامية أو بالتُّراث العربي الإسلامي أو سواه مِن تراث الأمم والبلدان، لأن الصبر على تقليب الرِّواية وفحصها، وطول البحث عن مصدرها هو الدرس الأول.
لهذا لو لم يكن عند المؤرخ والمحقق العلامة جواد علي (ت 1987) طول صبر ما حدب أربعين عامًا على تأليف سِفره “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” (10 مجلدًا وصدر بـ 13 مجلدًا). كتب جواد علي في مقدمة سِفره المذكور أنه تحمل المشقة بمفرده لم يعنه عليه أحد، وهنا تكمن قوة التَّأليف، لأن العمل البحثي سيناله الضعف لو قامت به جماعة أو لجنة، فلكلِّ باحث طريقته ومنهجه في إدارة بحثه، ربَّما يعمل في اليوم مدى عشرين ساعةً ويوم آخر لا يعمل ولا ساعة، بينما إذا كان الأمر عن طريق مراكز بحوث أو دوائر فسيتحول الأمر إلى التزام بالساعات، لهذا إن المراكز التي تحترم نفسها لا تُحاسب باحثيها على ساعات الدَّوام، لأن الكتابة رغبة واستفزاز شأنها شأن القصائد ورسم اللوحات.
لفت نظري بين سلسلة كتب المجلة “العربية” الصَّادرة بالرياض (العدد 42) كتاب تحت عنوان “موارد تاريخ الطَّبري” للعلامة جواد علي، قدم له الدُّكتور محمد صامل السُّلمي، أُستاذ التَّاريخ الإسلامي في جامعة أُم القرى، بسيرتين وافيتين للمؤرخ والمفسر والفقيه الطَّبري ولمؤلف الكتاب. كانت مادة الكتاب منشورةً في مجلة المجمع العلمي العِراقي، على دفعات (1950) و(1951) و(1954) و(1961)، تشكل مِن هذه الأجزاء كتاب “موارد الطَّبري”.
وجدت الزملاء في المجلة العربية، وقد نشرت لي كتابًا في عددها (193) بعنوان “إخوان الصَّفا إعجاب وعجب”- وفُتح حديث كتاب جواد علي- كمَن وقع على كنز معرفي في الحصول على كتاب كامل متفرق الأجزاء، بحاجة إلى تحقيق وتقديم، وقد قامت المجلة بإعداده وتجهيزه ككتاب منفرد، أحيت به ضرب مِن ضروب المعرفة التاريخية العلمية، وجددت اسم جواد علي، فأين يكون صاحب موسوعة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام في زمن لغة البلابل (تويتر)، فعندما يحضر اسم جواد علي تسقط كلُّ الاعتبارات ويبقى اعتبار سطوته العِلمية وباعه في هذا المجال.
نعم كُتبت، قبل الطَّبري أو متزامنة، السِّيرة النَّبوية وتدوين الحديث وكتب الأدب كمؤلفات الجاحظ وابن قتيبة والمبرد ومغازي الواقدي وغيرها، لكنَّ معظمها دونت على نهج الأمالي أو نقل الرواة، أما الطَّبري فكان له السّبق في كتابة التَّاريخ العام، وتسجيله على السنين، ومِن موارد متعددة، كالأسانيد والمصادر التي توفرت له آنذاك في التاريخ القديم، وجاء نقد جواد علي له، أنه لم يحول التاريخ إلى عِلم فظل معتمدًا على الرواية في السَّنوات التي عاصرها، والأحداث التي عاشها.
الطَّبري كان له السّبق في كتابة التَّاريخ العام، وتسجيله على السنين، ومِن موارد متعددة، كالأسانيد والمصادر التي توفرت له آنذاك في التاريخ القديم، وجاء نقد جواد علي له، أنه لم يحول التاريخ إلى عِلم فظل معتمدًا على الرواية في السَّنوات التي عاصرها، والأحداث التي عاشها.
كانت لمقدم الكتاب السّلمي ملاحظته أيضًا، فجواد علي كتب ذلك في الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، فبالتأكيد خرجت كتب جديدة، مما اُكتشف وحُقق مِن مخطوطات، وما ظهر مِن دراسات حديثة في عِلم التَّاريخ، وهناك فرق بين تسجيل الحوادث وكتابة التَّاريخ، التي يكون للمؤرخ رأيه ونظرته فيها، وعلى وجه الخصوص في الحوادث التي عاشها. لم يُنقِ الطَّبري مادته مِن الشَّوائب، ما يخص الخرافة التي تدخلت إلى المادة عن طريق القصاصين أو الإخباريين، وهذا لا يُلام عليه الطبري لوحده، فأغلب المؤرخين الأولين، إن لم يكن كافتهم، نهجوا هذا النَّهج.
أخذ ابن الأثير (ت 630 هـ) تاريخ الطبري ونقل الحوادث منه كافة، مع التخفيف عن القارئ برفع الأسانيد، واختصار الرواية باعتماد الواحدة للحدث، وحتى يصل إلى حيث انتهى الطَّبري، ثم يواصل النَّهج نفسه، سرد الحوادث على السنين وتاريخ الخلفاء والسَّلاطين، حتى قُبيل وافته، أي العام 628 هـ، وكان قد توقع بحسرةٍ ماذا حصل بعد رفع الحاجز بين ممالك المشرق الإسلامي والمغول بسقوط الدَّولة الخوارزمية.
ولسهولة “الكامل في التَّاريخ” لابن الأثير، بتثقيف تاريخ الطَّبري مِن السند وتكرار الروِّاية، نصحتُ صاحبنا، الباحث الشَّاب، إذا أخذه الملل مِن “تاريخ الأمم والملوك” ليقرأ ابن الأثير؟ فعاد وسألني: وما علاقة دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية بالتاريخ العام؟! وكأنه استنكر ذلك. قلت: حتى تبدأ بدراسة الفلسفة الإسلامية لا بد أن تمرَّ على تاريخ الزَّمن الذي ظهرت فيه، وتقرأ سير الخلفاء والسلاطين والوزراء، وتاريخ المكان نفسه، فالفارابي (ت 399 هـ) و”إخوان الصفا وخلان الوفا”(الرابع الهجري) مثلاً نتاج تلك الفترة، والحوادث غير منفصلة ولا منقطعة عن بعضها بعضًا.
لكنَّ في قناعتي أنه ما أن ينتهي مِن كتاب الكامل أو تاريخ الأمم إلا ويبدأ ببقية التَّواريخ، ذلك إذا ظل مصرًّا على سبر غور المجال الذي هواه، وإذا انتهى منها سيكون جاهزًا لدراسة الفلسفة الإسلامية، وكذلك مَن يريد دراسة الفلسفة اليونانية مثلاً لابد له أن يبدأ بتاريخ اليونان أو الرُّومان. هنا استجد شيء، ألا وهو مَن قرأ تاريخ الطبري، سيجد نفسه محتاجًا لكتاب مثل “موارد تاريخ الطَّبري”، كي يستطع التمييز بين الغث والسَّمين في الرواية، وربَّما ستقولون: وماذا عن بقية المؤرخين؟ أقول الغالب كان عالة على الطَّبري، ومنهم مَن يذكر له فضلاً وآخرون لا يذكرون. فابن خلدون (ت 808 هـ) انتقد الطَّبري وجيله، على خلط الخرافة بالحوادث، لكنه بعد المقدمة يسقط في الشَّركِ نفسه.
هذا، والنصيحة ألا تقرأ “موارد تاريخ الطبري” قبل قراءة التاريخ، والسؤال: هل لدى القارئ، الذي أخذ يُغرد بـ 144 حرفاً لا غيرها رسالة كاملة، الصبر على قراءة حوادث 320 سنةً مِن تاريخ الإسلام، وما قبلها قرون عديدة، استغرقت تسعة مجلدات وفي طبعات خمسة مجلدات؟ أشك في ذلك؟ لكنَّ مهما وصل عصر السرعة، في الاختصار والسَّفر، لا يعفى، مِن قراءة التَّاريخ بطول بال، مَن يريد الاختصاص في هذا الشَّأن، كصاحبنا الباحث الشَّاب.

عن الاتحاد الاماراتية