مارينا تسفيتايفا وبوشكينها

مارينا تسفيتايفا وبوشكينها

د. ضياء نافع
أصدرت الشاعرة الروسية الكبيرة مارينا ايفانوفنا تسفيتايفا (1892–1941) كتيباً عنوانه (بوشكين..ي), اي بوشكينها الذي يخصها او الذي - كأنما - تعود ملكيته لها, وهو عنوان صعب بالنسبة للترجمة العربية , فاذا كتبناه هكذا– (بوشكيني) حسب قواعد الضمائر المتصلة (مثل كتابي او صديقي..) فانه سيعني بالعربية صفة من الاسم (بوشكين) ,

 اي بوشكيني النزعة او الاتجاه..الخ , واذا كتبناه (بوشكيننا) فانه سيبتعد قليلا عن المعنى الذي قصدته الشاعرة تسفيتايفا نفسها, و التي أرادت ان تقول ان الشاعر الروسي الكبير بوشكين هو خاص بها فقط وليس (بنا نحن) , وعليه يجب على المترجم ان يجد البديل اللغوي الذي يمكن ان يعبر عن ذلك العنوان , وليست هذه بالمهمة السهلة , اذ تقتضي الاستطراد والشرح الاضافي مع ضرورة الحفاظ في نفس الوقت على بساطة وجمالية ورشاقة هذا العنوان المتفرد ودقته , ولهذا استعملت هنا الضمير الثالث (الغائب) في عنوان مقالتي هذه وجعلت من الشاعر الروسي بوشكين – بوشكينها , للتعبير عن عنوان كتيب تسفيتايفا ذاك,

واذكر ان زميلي في جامعة بغداد الدكتور جميل نصيف التكريتي طلب مني مرة في بغداد اي كتاب روسي عن بوشكين من مكتبتي الشخصية لغرض ترجمته من الروسية الى العربية ضمن منشورات وزارة الإعلام العراقية لأنه حصل على موافقتها لترجمة كتاب تسفيتايفا هذا ولكنه اصطدم بصعوبة ذلك وعدم استطاعته إنجاز ترجمته واقعيا , فأعطيته كتاب الباحث الروسي بيتروف عن بوشكين والذي ترجمه فعلا الى العربية ونشرته وزارة الإعلام العراقية في حينها , وقد اطلعت شخصيا على كتيب تسفيتايفا هذا وفهمت ان الدكتور جميل نصيف التكريتي كان محقا بموقفه ذاك فعلا لأنه لم يطلع في حينها على كتيب هذه الشاعرة بدقة وبالتفصيل – قبل اقتراحه ترجمة الكتاب - , ولم يقرأ بإمعان كل سطوره الذاتية البحتة , والتي كتبتها تسفيتايفا في فترة هجرتها من روسيا , والتي عكست فيها كل حنينها الى طفولتها وأيامها الخوالي في وطنها روسيا وهي في هذا البعد والحنين والغربة, وبالتالي فان هذا الكتيب لم يكن مناسبا فعلا لترجمته الى اللغة العربية لأنه صعب ومعقد جدا بالنسبة لترجمته الى العربية , و لأنه لا يرسم صورة شاملة و متكاملة لبوشكين - الشاعر والكاتب الروسي الكبير بالنسبة للقارئ العربي او حتى بالنسبة للقارئ الأجنبي بشكل عام.
ان كتيب تسفيتايفا عن بوشكين - قبل كل شيء - هو صورة قلمية ذاتية جدا لأفكارها عن بوشكين وتصوراتها الشخصية البحتة عن هذا الشاعر العملاق ليس إلا وقد كتبته للقارئ الروسي بالذات فقط والذي يفقه ويتفهم بعمق أهمية بوشكين وقيمته وروعته وتميّزه منذ نعومة أظفار هذا القارئ كما يقال , وانه بالتالي لا يمكن ان يمثٌل للقارئ غير الروسي صورة متكاملة لبوشكين أبدا , او ان يرسم لوحة شاملة لكل أبعاد أدبه وشاعريته المتنوعة والعبقرية والتي كانت تستوعب كل جوانب الحياة الروسية آنذاك و تعكس كل تعقيداتها وتناقضاتها ومشاكلها الاجتماعية و تجسّد كل أبعادها الإنسانية في نفس الوقت طبعا.
يقع هذا الكتيب (الذي أصدرته تسفيتايفا عام 1937 خارج روسيا , اذ أنها هاجرت منها في عام 1922 وعادت اليها عام 1939) في صفحات قليلة نسبيا ليس إلا , وهو ليس عملا أدبيا متكاملا , او بحثا نقديا لنتاجات بوشكين الهائلة والمتنوعة جدا والمتميزة , وإنما هو خواطر وذكريات كتبتها تسفيتايفا نثرا – ولكنه نثر بقلم شاعرة كبيرة ومتميزة طبعا – , والذي يمكن اعتباره دراسة ذاتية سايكولوجية لانطباعاتها – كشاعرة - أثناء طفولتها حول إبداع بوشكين , وانه كلمات شاعرة روسية في القرن العشرين عن شاعر روسي عملاق في القرن التاسع عشر, كلمات مصاغة بنثر شاعري نسائي رشيق وأنيق وذاتي جدا.
لم يتقبل النقد الأدبي الروسي في حينه هذا الكُتيّب بشكل إيجابي عموما واعتبره وكأنه محاولة (للاستحواذ الشخصي) من قبل تسفيتاييفا على شاعرية بوشكين, ما اضطر الشاعرة ان تبدأ بالدفاع عن كتيبها هذا , مؤكدة ان لكل مبدع روسي يوجد رأي ذاتي بشأن بوشكين لأنه عظيم ومهم وكبير في مسيرة الأدب الروسي , وبالتالي فان هناك حقا لكل مبدع روسي ان يعبّر عن وجهة نظره تجاه بوشكين وأن يعتبره كاتبا خاصا به ويرتبط بشكل او بآخر مع مسيرته الإبداعية الذاتية وان يسميه (بوشكينه), وانها لم تقصد (الاستحواذ!) عليه وجعله ملكا لها كما يدعون، وانما أرادت ان تتحدث عنه من وجهة نظرها ومن الزاوية التي تنظر اليه منها وما الذي يمثٌله وما الذي يعنيه بالنسبة لها. ومن الطريف ان نشير الى وجهة نظر الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا حول ذلك الموضوع , اذ ان أخماتوفا كانت ترى ان تسفيتايفا (.. بعيدة عن بوشكين اكثر من ثلاثة فراسخ..) , ولم تكن تعترف أبدا بتناسق تسفتايفا مع شعر بوشكين وتناغمه معه , وعلى الرغم من ان أخماتوفا كتبت كثيرا عن بوشكين , الا انها – حسب ما أشار اليه نقاد الأدب الروسي وهم على حق - لم (تتجاسر!) أبدا ان تكتب عنه كما كتبت تسفيتايفا , ولم تعتبره (بوشكينها) برغم أنها كانت تؤكد دائما على كتاباتها حول بوشكين، بل انها أشارت الى ذلك حتى في رسائلها الى ستالين , عندما طلبت منه الإفراج عن ابنها من المعتقلات آنذاك (انظر مقالتنا بعنوان - رسالتان من آنّا أخماتوفا الى ستالين – من وثائق الأدب الروسي).
ختاماً لهذا العرض السريع لكُتيب تسفياييفا نقدم للقارئ بعض السطور منه والتي يمكن ان تعكس طبيعة ذلك النص وذاتيته وحلاوته.
يبدأ فصل الرواية الموجودة على طاولة كل جداتنا وأمهاتنا – وهي للروائية شارلوت برونتي الكاتبة الانكليزية في القرن التاسع عشر – عن سر الغرفة الحمراء... في الغرفة الحمراء كان هناك دولاب سريّ...لكن قبل الدولاب السري كان هناك شيء آخر , كانت لوحة في غرفة نوم أمي وعنوانها – المبارزة.... هناك ثلج وغصينات سود لأشجار و شخصان بالأسود يقودان شخصا ثالثا من تحت إبطيه نحو الزلاقات , وشخص آخر بمفرده وهو يذهب وقد بدا ظهره فقط... الذي يحملونه – بوشكين, والذي يذهب – دانتيس. دانتيس دعا بوشكين للمبارزة , انه استدرجه الى حيث الثلج , وهناك , بين الأشجار السود الخالية من الأغصان , قتله.
أول شيء عرفته عن بوشكين – بأنهم قتلوه , بعدئذ عرفت ان بوشكين – شاعر , وان دانتيس – فرنسي. دانتيس كان يكره بوشكين لأنه لا يستطيع ان يكتب قصائد...واستدرجه الى حيث الثلج , وهناك قتله بإطلاقة مسدس أصابت بطنه..وهكذا علمت وانا في السنة الثالثة من عمري وبصورة أكيدة بانه توجد لدى الشاعر بطن.. وعندما استعرض كل الشعراء الذين التقيت بهم طوال حياتي – أتذكر بطونهم.. التي غالبا ما كانت شبه جائعة.