مارينا تسفيتاييفا... ضفّة الشّعر الثالثة

مارينا تسفيتاييفا... ضفّة الشّعر الثالثة

عبدالقادر الجنابي
فوق كلّ صراعات وضجيج الرمزية الرزسيو، ووراء كل هذا المدّ المستقبلي/ البلشفي، وفي صلب انهيارات الشّعر أمام البيروقراطية، كان هناك صوتٌ طليعي فرداني يسمو بالكلمة الشعرية إلى سدرة المطلق. كان هناك امرأة تقبّل الشّعر بصفته شعراً. كان الشّعر هيامَها، خبزها، حركتها، مُبرّر وجودها. كانت تستيقظ به، تجوع عليه، تنام في فراشه، تحلم من خلاله.

إنّها مارينا تسفيتاييفا (1892- 1941) امرأةُ كلّ التناقضات: فهي في آنٍ كونيّة وروسيّة قح، عاديّة ومتسامية، مؤمنة وملحدة، عنيفة لا تُحتمل ونيرّة بشكل شفّاف. انضمت إلى الجيش الرّوسي الأبيض ضد البلاشفة، وفي الوقت ذاته كانت تمجد شعراء الشيوعية كمايكوفسكي. كانت تكره الكتابة عن الرّاهن واليومي. فـ"الحداثة هي عمل الجيّدين عن كلّ ما هو جيّد، على عكس الرّاهن الذي هو عمل الأردياء عن كلّ ما هو رديء". كانت تكره الانتماء إلى أيّ طليعة أو تيّار. قلقها كان في مكان آخر:"الشّيء المهم هو إنّي أكره كلّ الكنائس الرسمية المنتصرة". لا تنجرّ بسهولة، لأنّ كلّ ما تعمله، تعمله بكلّ شغف... العواقب علامة على صدقها:"لا أوقّع رسالةَ شكر إلى ستالين العظيم لأنّي لستُ انا من وصفه بالعظيم، وحتّى لو كان، فعلا، فهو ليس من العظمة التي أفهمُها".
تزوَّجَت يهودياً، نكايةً بعائلتها الأرثوذكسية المعادية للسامية. أصبح هذا الزوج ضابطاً في الجيش الأبيض وفيما بعد أصبح مخبراً في جهاز الأمن السرّي السوفيتي، وبعد أنْ أُكتشف كعميل مزدوج، أعدمَه السوفييت. فازدادت معاناة مارينا، بين التشرد والجوع، والنّميمة. وكانت الأعوام الأخيرة التي قضتها في موسكو أحلك فترة في حياتها. لقد عانت الجوع، البرد، الاحتقار، الاهمال، وبؤس العالم بكلّ أنواعه، وليس هناك شاعر قاسى ما قاسته طفلةُ اللُّغة هذه. بقيت، محطَّمَةً، في الظل... وفي ثراء الشّعر نيّرةً. كانت آخر لُقمة هواء نقي في روسيا المختنقة بأدخنة حملة التطهير السّتالينيّة وكذبة"الإنسان الاشتراكي الجديد".
لها مُراسَلة مهمّة مع رينيه ماريا ريلكه ومع بوريس باسترناك الشّاعر الوحيد من بين الشّعراء الرّوس الذي كان يفهم عملها الشّعري المغمور في دفاتر. راحت تتنقل بين براغ وباريس وبرلين. ولمّا، بعد غيبة طويلة، التقى بها باسترناك، في باريس أثناء مؤتمر الدفاع عن الثقافة (1936)، أخبرها بأنّه من الأفضل أنْ تعود إلى موسكو. ويقال أنّ باسترناك ندم فيما بعد على نصيحته هذه. إذ حين عادت إلى موسكو، ازدادت معاناتها وشعورها بحرمان مخيف بحيث لم تستطع حتّى رؤية صديقها باسترناك. ناهيك عن أنّ الجميع كان ينظر إليها كزوجة جاسوس. وما من قلب انفطر، خوفاً من بوليسيّة الحياة اليومية آنذاك! كانت من وقتٍ إلى آخر تجد لها عملا كخادمة، من أجل لقمة عيش لها ولأبنتها. فأنتهى بها الأمر إلى السقوط في دياميس العزلة والخوف من متابعة الحياة: لا مخرج ثمّة. وفي صباح، أخذت القلَم وكتبت على ورقة علّقتها على بابها:
"آنَ نزعُ
قلادة العنبر
تغييرُ الكلمات
واطفاءُ المصباح
فوق بابي"
ثُمّ شَنقَت نفسَها، وهكذا انطفأ الشّعرُ الذي كان خارج السّجال، على هامش التيّارات، يحاول أنْ يتخلّص، مرّةً وإلى الأبد، مما لا طائل تحته. شِعرُها يكاد انْ يكون كالحادي القبائلي الذي يبكي المصير ويشكو منه. إنّه شِعرُ اللّيل:"أفكارٌ سوداء، حياةٌ سوداء ومصيرٌ أسود... يمزّق الأذن ويقطع القلب"!
الشّعرُ هذا، وعي الكائنات الاستثنائي،"لا ينبغي لنا إضافة مفتاح له... الشّعر هو المفتاح لفهم كلّ شيء... إنّه المفتاح المطلق، مفتاح التنغيم، مفتاح الأحلام، مفتاح الفِرار".
نعم مارينا تسفيتاييفا شاعرةٌ، لكنها، في العمق، شاعرةٌ"مُهاجرة من ملكوت السّماء ومن جنة الطبيعة الأرضية"، مصيرها المتيه في شيء ثالث جديد:"الشُّعراء يهود العالَم"!
وكلّما نبذّها عالَم البلاشفة المبتذل، كانت تجد روحانيتها في الضّمير الشّعري الصّادق، متوغلةً في العالم الآخر، ما وراء الكائن، لتصل قعر ذاتها؛ المنطقة البيضاء."فالعمَلُ حول الكلمة لهو عملٌ حول الذات". وما التصوّف الديني الذي تختلط فيه الأيقونات والرموز المسيحية في نصوصها، سوى علامة على عصيان أجرد من كلّ إيمان ديني، عصيانٌ لا يفقد بريقه لحظة، يشرق بوجدانيّة مجبولة من معدن غير معهود... عصيانٌ مبثوث بين الكلمات كاستنارات تتوهّج بها الرُّوح!
كان الشّعرُ مُجسّداً فيها، كان هو يتكلّم عندما تدوّن هي قصيدة على ورقة. وحياتُها هي، في الحقيقة، حياة الشّعر على هامش الطلائع، الأسماءَ الشّهيرة، الأوضاع الاجتماعية. وظلّت وفيّةً لرؤاها؛ رؤى الشّعر. بدأت كتابة الشّعر وهي صغيرة السّن، فبات فرحها الأوّل والأخير. وقد كتبت، أيضاً، أعمالا نثرية رائعة:"فالهجرة جعلت منّي ناثِرةً". لم تنشر سوى عُشرِ ما كتبته طوالَ حياتها، وقد دوّنت في أحد دفاترها العبارة التالية:"شِعري دفتر يوميات، شِعري شِعرُ ضمائر الأسماء"! كان الدفترُ رفيقها، حَفَطها من المهادنة، السّهولة، من السّقوط في هاويّة الأسماء والاشتهار!"لا أكتبُ أبداً، إنّما أُسجّلُ دائما". وتقصد لا تستمني مواضيعَ وإنّما تنقل ما تسمَعه من هواجس البشر والثّورات... وما يتطاير إليها مما يتجلّى في سماء اليوم:"في شعره، باسترناك يرى، أنا أسمعُ"! وهنا شقائق مما كانت أعماقها تسمع ما وراء الألفاظ:

مختارات
"إنّ واقع الشّاعر لهو النفْس – النّفس بأكملها. وفوق النّفس الرّوح، ليست في حاجة إلى شعراء، فإنْ كانت تحتاج إلى شيء ما، فإنّها تحتاج إلى أنبياء. النّبوءة في شاعر أشبه بمرافقة، ليست كجوهر، كما الشّعر موجود في النبي. أيُّ الشُّعراء العظماء أنبياء؟ - التكلّم على هذا النحو يقلّل من قيمة النبي. بينما إنْ تكلّمت على النّحو التالي: يا لهم من أنبياء عظماء - إنّهم شعراء. لَرَفَع هذا التكلم مكانة الشّاعر"

***
"كلُّ مَنْ لمْ يبنِ بيتاً – لا يستحقُّ الأرضَ
كلُّ مَنْ لمْ يبنِ بيتاً – لن يصير أرضاً: وإنّما
قِشّاً- رماداً... - أنا لمْ أبنِ بيتاً"

***
"أنا لستُ في أيّ مكان
تلاشيتُ في العدم.
لا أحدَ سيدركني.
لا أحدَ سيجعلني أعود"

"ليس ثمَّ حياة، ليس ثمَّ موت..
هناك شيءٌ ثالث، شيءٌ جديد"
***
"عندما أكون مع شاعر غالباً ما أنسى إنّي أنا نفسي شاعرة"

الشعراء
1
الشّاعر يبدأ، من بعيد، خطابَه،
الشّاعر، يبتعد به خطابُهُ.

الكواكب، العلامات، أخاديد
امثولاتٍ مُلْتَفّة... بين نعم ولا
حتّى عندما يقفز من أعلى جرس البرج
سيسلك طريقاً جانبية.
فطريق النّجوم المُذنَّبة
هو طريق الشّاعر.

في حلقة العلل المنفرطة - يكمن ارتباط الشّاعر
جبينٌ شامخ: يأسٌ! من العبث أنْ تبحث عن كسوف الشّعراء،
في أيّ تقويم.

هو الذي يخلط الأوراق
يحتال على الثقل والعدد،
الذي يستجوب المعلّم، وهو طالب.
الذي يهزم (الفيلسوف) كانط شرَّ هزيمة!

الذي، في التابوت الحجري لسجن الباستيل،
يشبه شجرةً في أوجّ نضارتِها.
الذي نَشَفَت آثارُه إلى الأبد. قطارٌ
غالباً ما يفوتنا.
فطريق النّجوم المُذنَّبة
هو طريق الشّاعر

محترقاً دون أنْ يُدفّئ، مُمزَّقاً
دون أنْ يغذي - انفجارٌ، كَسْرٌ-
طريقك، منحنى وعر،
 لم يتكهّن بها أيُّ تقويم.

2
في الدنيا ثمّ زائدون عن الحاجة، اضافيون
ليسوا في مرمى البصر
(لم يُحصوا في مراجعك، غرفة المهملات مأواهم)

في الدنيا ثمّ أناسٌ جوف، متدافعون،
بُكمٌ، زِبلٌ،
مسمارٌ عالقٌ بطرف ثوبك الحريري
وحلٌ يَترَشْرَش من أسفل العجلات!
 
في الدنيا ثمّ وهميون، غير مرئيين
(علامتهم: بُقعةُ مشفى الجذام!)
في الدنيا ثم أشباه أيوب
يحسدون ايوب – لو:

نحن شُعراء، انسجاماً وطريدي المجتمع،
لكن ما إنْ نتجاوز الضفاف
حتى نقاوم الربّات من أجل ربّ،
والآلهة من أجل عذراء.

3
ما عساي أنْ أفعل، وأنا لقيطةٌ وعمياء
في دنيا حيث لكلٍّ أبٌ وبصرٌ،
والعواطف كما اللّعنة والحواجز الترابية
حيث النَّحيبُ يُدعى زكام.

ما عساي أنْ أفعل وأنا محترفةٌ مهنة الغناء!
كخط كهربائي، لفحةُ شمس! سيبيريا!
أعْبرُ اندهاشاتي كجسر/ منصّة،
لا وزنَ لها
 في عالم من الأوزان.

في عالم حيث الأكثر سواداً رماديّ،
حيث الالهام يُحتفظ به كما في قارورة حفظ الحرارة،
ما عساي أنْ أفعل، مُغنيةً وبِكراً،
مع كلّ هذا الشّسوع
في عالم ضيّق ومُقاس.

بسيشه (الروح)
سأعود إلى البيت، ليس لأخدع
أو لأخدم – فلست في حاجة إلى خبز.
أنا هواك، راحتُك الأسبوعية
سماؤك السّابعة، يومك السّابع.

هنا على الأرض، أعطوني فلوساً
علّقوا قلادةً حول عنقي
يا عشيقي
ألا تعرفني حقاً؟
انا طيرُك، نفَسك.

ها هي، يا حبيبي، الأسمالُ
التي كانت ذات مرة لحماً طرياً
أتلفتُها كلّها، مزّعْتُها –
لمْ يبقَ منها سوى جناحين
لبّسني بهاءَكَ
انقذني، رحمةً
وخذ الأسمال المغبرة إلى المَوْهِف.

***
تقبيل الجبين – يهدّئ من القلق
أُقبّل الجبين.
تقبيل العيون – يشفي ألم الأرق.
أُقبّل العيون.
تقبيل الشفاه – لا يعود هناك غليل.
أقبّل الشفاه.
تقبيل الجبين – يمحو الذاكرة.
أقبّل الجبين.

 
قصائد إلى بلوك

1
اسمُكَ – طيرٌ في يدي
اسمك - قطعةُ ثلج على اللّسان
حركةُ شفاهٍ واحدة.
 أربعة حروف.
كُرَةٌ مُسِكت وهي طائرة،
جلجل فضّي في البلعوم.

حجرٌ ملقى في بحيرة صامتة
ينشج حين نناديك
في الطقطقة الخفية للحوافر ليلا
اسمُك يدوّي.
ينبس به زناد بندقية
يطقّ في الصّدغ.

اسمُك – آه، مستحيل!
أسمُك - قبلةٌ في عيني
في برد الجفون العذب.

اسمك - قبلةٌ في الثلج
جرعةُ ماء أزرق ينبجس جليدياً.
مع اسمك، النّوم عميق.

2
أيها الطيف الرقيق
الفارس النّقي
ما الذي جعلك
أنْ تأتي
في حياتي الغضة؟

في الظلمات، إنك
انعكاسٌ أزرق، مكسو
بحلّة ثلجية.

ليس الرّيح
التي تطردني من المدينة.
واها! في المساء الثالث
أشمُّ العدو.

مُنشد الشّعر الثلجي ذو العين الزرقاء
أخذ بمجامع قلب
سلبني اللبَّ

البجعة البيضاء
أسفل قدمي
زغبُها يعوم
ببطء تحني رأسها.

هكذا بسبب ريشها
اتقدّم نحو الباب
حيث يسهر الموت
يغنّي لي
من وراء النّوافد الزّرقاء
يغنّي لي
والجلاجل البعيدة

بصرخة ٍطويلة
صرخةُ بجعة
ينادي
ايُها الطيف الرائع!
اعرف إنّي أحلم
اعملْ لي هذا المعروف:
تبدّد!
آمين، آمين.

3
"للبهيمة عرين
للبهائم طريق
للجثمان عربة
لكلٍّ - ما يخصّه.

ينبغي للمرأةُ أنْ تكونَ ماكرةً
ينبغي لقيصَر أنْ يَحكم
أما أنا فعليّ أنْ أسبّح باسمك."


كتاب "الاتجاهات الطليعية الروسية
 1910 - 1930"