العالم يرقب اتجاهات الهند

العالم يرقب اتجاهات الهند

العالم كله كان يراقب الهند في الاسابيع الاخيرة وهي تواجه مستقبلها وتجري انتخاباتها لاول مرة منذ ان اصبحت امة حرة.. اما سر ترقب العالم لنتيجة الانتخابات في الهند فيعود الى الرغبة في معرفة اي القوى ستصبح سيدة الموقف في هذه الامة الضخمة، التي يبلغ تعدادها 362 مليون نسمة، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بكل من اقوى الشرق وقوى الغرب.

ان الهند كالولايات المتحدة – امة مكونة من عدة ولايات.. كل منها لها قوانينها وعاداتها، ولكنها تشترك جميعا في عدة قوانين عامة وفي حكومة واحدة.
وعندما حصلت الهند على استقلالها في عام 1947 قال العالم كله ان الحياة السياسية لن تتقدم في خط ديموقراطي صحيح الا بعد عشرين عاما على الاقل.. بسبب الاحقاد الدينية والحواجز الاجتماعية، ولكن الانتخابات الاخيرة التي تمت بعد خمس سنوات فقط اشترك فيها 170 مليونا.. وهذا دليل على ان الوعي السياسي في الهند اصبح حقيقة.
النصف... نساء!
ولقد كان نصف عدد الناخبين في الهند على الاقل من النساء.. وهذا شيء له دلالته فان المرأة الهندية – ما عدا التي تعيش في المدن الكبيرة – تبقى دائما بعيدة عن الحياة الاجتماعية والسياسية.. ولا شيء في الدنيا يهمها سوى اسرتها وواجبات بيتها.
والمرأة الهندية لا تستطيع ان تمتلك شيئا يتيح لها حياة الاستقلال.. فهي لا ترث زوجها ولا ترث اباها.. مما يجعلها تعتمد دائما على رجال الاسرة.
ولن تستطيع ان تجد في الهند كلها امرأة هندوسية واحدة ثرية.. والارملة منهن عليها ان تذهب لتعيش مع اقاربها حتى ول كانوا في اقاصي الهند، وعليها ان تقبل الاعتبار الذي تذهب على اساسه وهي انها خادمة.. حتى ولو كان زوجها المتوفي مليونيرا.
وهناك الان قانون – ما زال تحت الدراسة – لتغيير بعض هذه النظم.
اما المرأة المسلمة فانها تتبع تعاليم الدين وترث كالمرأة المسلمة في مصر وغيرها في الدول الاسلامية.
ولكن حقا ان الهند بلد المتناقضات فعلى الرغم من هذه"العقدة"تستطيع المراة الهندية ان تنتخب من تشاء، وتستطيع ايضا ان ترشح نفسها لينتخبها الناس.
ولقد كان اول ما لفت نظري وانا في طريقي بين مطار بومباي والفندق الذي نزلت فيه الاعلانات الانتخابية الكثيرة المكتوبة على الجدران وغالبيتها تحمل اسماء نسائية.. كان من بينها مثلا اسم وزيرة الصحة.. واسم شقيقة نهرو التي كانت سفيرة للهند في امريكا..
14 حزبا
وليس من السهل تنظيم الانتخابات في مثل هذه الدولة الضخمة، ما لم يجتد للاشراف عليها عدد ضخم من الرجال. وفي بومباي وحدها – مثلا – كان هناك 60 الف شخص يقررون الاصوات وبلغ عدد الذين كلفتهم الهند القيام بعملية الانتخابات في جميع انحائها اكثر من 560 الف شخص.
وقوانين الانتخابات في الهند قاسية.. فان اي مرشح – مهما كان – ممنوع من ان يتفق في حملته الانتخابية اكثر من مبلغ محدد والمبلغ المسموح به للمرشح للبرلمان هو الفا جنيه.
وقبل عملية الانتخابات بيوم كامل تتوقف جميع الاجتماعات والخطب  والمظاهرات – بامر القانون – حتى يستطيع الناخب ان يفكر ويقرر اتجاهه في هدوء.
ويبلغ عدد الاحزاب المعترف بها في الهند رسميا 14 حزبا، كل منها يتخذ حيوانا رمزا له.. مثل الثور او الجمل او الفيل.. وهذا من اجل الجهلاء حتى يستطيعوا ان يفرقوا بين الاحزاب والمرشحين بسهولة.
وفي كل مدينة كبيرة لا بد ان تجد مكانا خاصا للخطب السياسية ففي بومباي يتكلم الخطاباء في الحديثة الكبيرة وهي اشبه بحديثة هايد بارك في لندن، اما في بومباي فان هناك شاطئا خاصا للخطب السياسية..
صور الانجليز
وتعتبر بومباي"بوابة الهند"فانها ميناء ضخم بين الهند والعرب فضلا عن الصناعات الضخمة التي نشأت فيها.
وفي بومباي اكثر من ثلاثة ملايين نسمة.. وعدد ضخم من المصانع من بينها 63 مصنعا لنسج القطن.. ويستطيع اي انسان ان يرى في مواجهة الميناء البوابة الحجرية القديمة التي بنيت في القرن الثامن عشر ليمر من تحتها كل حاكم انجليزي جديد في احتفال كبير.
والشيء العجيب في الهنود ان احدا منهم لم يمس رمزا من رموز الاحتلال الانجليزي.. برغم انهم الان احرار في ان يفعلوا هذا!
ففي كلكتا مثلا يحتفظون بتمثال فيكتوريا.. ويعتبرونه من الاثار الهامة ويقولون انها كانت اول من اعطى الهند بعض حرياتها.
وفي مقر الحكومة – حيث كان مركز الحاكم العام – ما زال الهنود يحتفظون يصور الحاكم الانجليز في اماكنها.
وقلت لمرشدي ونحن نطوف بمقر الحكومة، ولماذا تبقون هذه الصور؟
ودهش الرجل ولكنه سرعان ما قال مبتسما، ولماذا ترفعها: لقد كانوا اناسا شرفاء من اخلص الخدام لبلادهم.
استطاعوا ان يفيدوا الهند ولو عن طريق غير مباشر.. ثم لقد ذهبوا، فاي ضرر يمكن ان تلحقه بنا صورهم."
السفير.. سفير مصر
ويبدو ان سفير مصر في نيودلهي – اسماعيل بك كامل – يوجه جهوده الان الى تنمية العلاقات الاقتصادية بين مصر والهند..
ولقد امضى اسماعيل كامل بك في الهند حتى الان اربع سنوات، جاء خلالها الى مصر في اجازة مرة واحدة في عام 1950.
والسفير المصري هو اكثر الدبلوماسيين شهرة في نيودلهي.. فعندما يقول الناس"السفير"بلا اي شيء بعدها يكون معناها السفير المصري.
وهو يعيش وحده في شقة خاصة من ثلاث غرف في افخم فنادق نيودلهي، مؤثثة ومجهزة بالات تكييف الهواء، ويراعي دائما ان يشرف بنفشه على الطعام الذي يقدم لضيوفه – لانه عزب – ويعطى النصائح لطاهي الفندق.
وفي شقة السفير المصري مخزن يحتوي لى اي نوع يتصوره انسان من المأكولات المحفوظة، حتى يستطيع ان يدعو اي عدد من الاشخاص وفي اي وقت.

خط سير المؤتمر.. والشيوعيون
والمركز الدبلوماسي للهند بين الشرق والعرب مركز دقيق.. وقوي!
ولعل هذا هو السبب في انها تحقق التوازن بين الكتلتين..
وليس صحيحا ان الهند تتجه نحو الشيوعية، فان الحكومة بدأت – بعد الاستقلال مباشرة – في محاربة النيات الشيوعية بقوة واستطاعت ان توقف الاضطرابات.
وبرغم هذا تعترف الهند رسميا بالحزب الشيوعي فيها، مادام يعمل في حدود القانون، وقد استطاع الحرب الشيوي في الانتخابات الاخيرة ان يلقى نجاحا في الجنوب وفي المناطق الزراعة، وهذا على العكس من الشائع والمعروف من ان الشيوعية تكسب من المناطق الصناعية..
والسبب في هذا ان عمال الهند تحميهم اتحادات ونقابات قوية.
اما الفلاحون فحياتهم تتوقف على الماء.. ومنذ خمس سنوات وهم يعانون من قلة امطار"الموسون"التي تتساقط طوال اشهر الصيف الثلاثة. مما ادى الى حدوث مجاعات في عدد من القوى. وكانت المجاعات هي السبب الوحيد الذي جعلهم يستمعون لوعود الشيوعيين ويعطونهم اصواتهم.
واهم احزاب الهند هو حزب المؤتمر.. ذلك الحزب الذي انشأه المهاتماغاندي الذي حصل على الاستقلال للهند بعد سنوات من الجهاد السلبي غير العنيف، وجميع زعماء"المؤتمر"قضوا سنوات من اعمارهم في السجون. وهم جميعا من اصحاب المثل العليا الذين يضحون بصحتهم ومستقبلهم من اجل بلادهم. ولقد كان اعضاء المؤتمر يتوقعون ان يحل الاستقلال جميع المشاكل، ولكن هناك عددا كبيرا من الهنود يقولون ان الانجليز اعطوا الهند"مقلبا"عند ما اعطوها الاستقلال التام المفاجئ بعد ان حكموها لعدة قرون.
ويقول هؤلاء: كان يجب ان يكون هناك فترة انتقال، يعطى فيها الهنود المسؤوليات وادة بعد الاخرى بدل ان توضع كلها بين ايديهم دفعة واحدة وهم على غير استعداد.
وقد دفع هذا اعضاء المؤتمر الى التفكير في استخدام بعض نظريات غاندي الفلسفية.. خصوصا في الضواحي الاقتصادية، وفي الوقت نفسه انتشر الشيوعيون – اعضاء الحزب الشيوعي – في كل قرية يعدون بالطعام والكساء اذا الفوا الحكومة ويستغلون نقط الضعف في اقتصاديات  الحكومة الحاضرة.. حكومة الفلاسفة..
حركة في الجنوب
واهم مشاكل الهند هي مشكلة الطعام ومشكلة الزي.. ومشكلة اللغة!
ان الهند تتحدث 12 لغة مختلفة بعضها الاختلاف فيها بسيط كالاختلاف بين العربية في مصر وفي سوريا ولبنان مثلا، والبعض الاخر يختلف تماما بحيث لا تقوم بينها اي رابطة.
ولهذا فقط مازالت الانجليزية هي اللغة السائدة الشائعة في الهند، يتحدث بها كل انسان هناك، وكثيرا ما استخدمها نهرو في خطبه السياسية خلال الجملة الانتخابية الاخيرة.. كما ان عدد الصحف التي تصدر باللغة الانجليزية اضخم بكثير من تلك التي تصدر باللغات المحلية وفي الجنوب – حيث تندر اللغات والثقافات – تقوم الان الدعوة لحركة انفصالية جديدة لا تؤيدها الحكومة لان سياستها التي اعلنتها وتصر عليها حتى الان هي"اتحاد الهند"، وقد ظهرت الحركة الانفصالية في الانتخابات الاخيرة بسبب اذكاء الشعور ضد الشمال – وهو غني واقوى من الجنوب – مما ادى الى تحرج موقف حزب المؤتمر وخصوصا عندما انضم الشيوعيون ايضا الى الحركة الانفصالية.
الاتجاه.. والمصير..
ولقد تنبه نهرو لهذا الخطر.. وفهم زعيم حزب المؤتمر انه لا بد الان ان يحارب من اجل سلام بلاده ووحدتها كما حارب من اجل استقلالها.. وقال الجميع ان هذا عمل صعب بسبب اتساع رقعة الهند، ولكن نهرو ذلل الصعاب وطاف خلال حملته الانتخابية بجميع انحاء الهند من جبال الهملايا الى رأس كومورين في الجنوب واستغرقت جولته تسعة اسابيع خطب فيها 292 مرة فيما يقرب من 25 مليون نسمة.
وعلى الرغم من ان هذا هو اكبر عدد استطاع رجل ان يجتمع بهم ويخطب فيهم.
وعلى الرغم من ان نهرو سافر 18 الف ميلا بالطائرة، 5200 ميل بالسيارة 1600 ميل بالقطار 90 ميلا بالباخرة.. على الرغم من هذا كله لم يستطع نهرو ان يقابل اكثر من عشرة في المائة من سكان الهند!
ولم يكن نهرو يتحدث في خطبه عن نفسه وعن افراد الحزب، فقد كان حديثه ينصب على المشروعات التي تبحثها الحكومة وعن برنامج السنوات الخمس للري والاصلاح.
***
لقد وقف العالم يرغب اول انتخابات في الهند.. واستطاعت الهند ان تظل كما هي في مركز متين بين القوتين العالميتين بفضل نهرو ان يقابل اكثر من عشرة في المائة من يحمل الان على كتفيه عبئا ثقيلا منذ ان قتل غاندي ومات سردار ياتل ولا يبدو ان هناك من يستطيع ان يحل محله،
وبعد..
ماذا يمكن ان يحدث اذا ذهب نهرو.. والى اي اتجاه ستسير الهند؟
مارسيان اللوزي