شرفات الذاكرة: تدوين على دفاتر خمسة عقود

شرفات الذاكرة: تدوين على دفاتر خمسة عقود

حنون مجيد
يشكل المنجز الادبي والثقافي للقاص والروائي والمترجم وناقد الدراما ناطق خلوصي احد معالم منجزنا العراقي , ليس لتنوعه او لغزارته حسب.
وانما لما يتصف به من رصانة اجرائية واحكام فني , فضلاً عن الملفوظ السردي السليم والتركيب النسقي المتين.

وشرفات الذاكرة رواية تضاف الى اعمال الكاتب السابقة من قصص وروايات , وهي برغم قصرها النسبي اذ تألفت من 176 صفحة بالحجم المتوسط انفتحت على رقعتين واسعتين من الزمان والمكان , فهي على المستوى الزماني امتدت على مساحة خمسون عاماً وعلى المســـــــتوى المكـــــــاني فـــــــعلى بلد وبغداد وكربلاء وايران والكــــــويت وغيرها.
تقوم الرواية على موضوعة العودة الى المدينة الام بطلها رجل عجوز.
من خلال نافذة عربة العودة تبزخ في الذاكرة المدينة بتفاصيلها واحداثها , صغيرة وكبيرة مما يمكن ان يعد (بانوراما الذاكرة الحية) التي لم تترك في مخزونها القديم شيئا الا ونثرته.
ويبدو هنا ان تجربة الرجل العجوز تجربة حية وثرية ربما اكسبها طابعها السياسي اليساري هذا البعد الثري الذي تشكل منذ اول نشرة سياسية يسربها اليه الطالب معه في المتوسطة وصديقه سعدون ناجي , مضمومة بين دفتي كتاب , وتفرجه على مظاهرة تشييع شهداء وثبة كانون , وما حف بحياته منذ صغره من متغيرات ظلت غائرة في نفسه وكانت مصدر غنى للرواية لتعدد دلالاتها.
ومن يعرف الروائي لا يظل طريقه الا ان الرواية من صنف روايات السيرورة او السيرة الذاتية على تعدد مستويات السرد فيها.
وما يمكن الاشارة اليه ان الروائي استخدم الضمائر الثلاثة في عمله لكي يحقق لروايته ثلاث مستويات او طبقات تنـــــــوعت فيها اساليب السرد متنائياً بذلك عن الرتـــــــــابة المستحـــــــصلة عموماً من رواية الضـــــــــمير الواحد.
كذلك ما يمكن ان يكن له دلالة ان استخدام ضمير المخاطب الذي افتتحت به الرواية صفحاتها حتى الصفحة 71 انما يشير الى الخزين الثري لبطلها والاحداث التي المت به في ماضيه وتتالت عليه في حاضره , واظن ان اصعب طرق الروي هي في هذا الضمير ان لم تكن هناك تجربة كبيرة على المستوى الشخصي للروائي وقــــــدرة فنية عــــــالية تهيئ له استخدام هذا الضمير بفاعلية ونجـــــــاح.
ينتقل الروائي الى الضمير الاخر (هو) في فاصل تال يبدأ من الصفحة 71 حتى الصفحة 108 ومن هذه الصفحة حتى نهاية الرواية الصفحة 176 يستخدم ضمير المتكلم (انا).
تنتشر على سطح هذه الرواية حياة بطلها اليتيم والوحيد لامه التي تعيله بماكنة خياطة تخيط بها ثياب نساء محلة تسمى بأسم كبير على حجمها (بين النهرين) ويترشح عبر هذه الجغرافية الصغيرة علاقات وجدانية شبه غائبة ان لم تكن خائبة تماماً مع زبونات امه من الفتيات (نهاية , وسيلة , زهور , سميحة ومنارة) التي سيلتقيها وهو يعود الى مدينته في مصادفة شبه غريبة , امراة عجوز بعد خمسة عقود ليثأر عبر جسدها او هكذا يوحي لنا من ذلك الزهد المصطنع او الذي هو من نتاج تقاليد واحكام مدينته والذي كان يتأكله وهو يحس اللهفة التشاركية بينه وبين اولاء الصبيات كلما وفدن الى امه لاغراض الخياطة او سواها.
لا يتوقف السارد عند حدود ذكريات بيته القديم , او بيت الجد والاقارب الاخرين ,انما يتجاوز ذلك الى استحضار اجواء المدينة قبل ان تكبر وتتغير , والى استعادة  صور اثاثها من بيوت ومحال ودكاكين ومقاه , والى بعض الطقوس الشعبية الموسمية التي تقيم لها المدينة احتفالات واسعة ومبهرجة , كليالي عشرة عاشوراء التي تقام فيها مواكب الحزن والعزاء التي تضيؤها هوادج بمصابيح ملونة ومنورة , تكرس فيها اجراءات التمثل الحزين لذلك اليوم العاشر من محرم الحــرام الذي استشهد فيه الامام الحسين عليه الـــــــــسلام.
كاهن انتقال البطل الى بغداد طالباً اعدادياً وجامعياً ثم مدرساً فيها من نبعد , البؤرة التي تمركزت عليهاغ حياته اللاحقة او التي انطلقت منها , فهناك عرف الوعي السياسي الجلي ولا سيما بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي انتمى اليها وطنياً ووجدانياً , لما استشرفه انطلاقاً من اجوائها الاولى من وجه مشرق وضع فيه مثلما وضع كثيرون غيره اجمل اماله وامانيه.وبرغم طغيان الوازع الادبي واستبداده بعلائقه النفسية اخيراً بعدما وجد في الادب متسعه وحيرته الواسعين , ظل اميناً على صلته بالثورة الفتية ما جعله يستعير بندقية قديمة ربما كانت عاطلة وبلا عتاد يعلقها على كتفه ويذهب بها الى محطة القطار يحرسها من اعداء الثورة الذين استقوو عليها وباتو يتحرشون بها دونما عقاب ,  فحين يمر القطار يرى رأسين يطلان عليه من النافذة يسمع احدهما يناديه: مقاوم شعبي,ويؤشر بحركات بذيئة , بينما يحدث الاخر صوتاً كريهاً من فمه ويبتعد القطار , فيسأل نفسه عمن جلب له فكرة حمل السلاح وليس هناك في مدينته الصغيرة مقاومة شعبية ثم يصرح لنفسه (كل المدن التي تقع محطاتها على هذا الخط بدءاً من المحطة التي تلي هذه المحطة هي مدن معادية) 65.
ولا يملك اي رد فلا البندقية محشوة برصــــــاص ولا هو يعرف او يجيد الرمـــــي وقد مضى القـــــطار.
ولا ادري ان كان للاوعي الكاتب دور في اظهار هذه الفقرة بما تحمل من دلالات عميقة يمكن ان تعمم على واقع القوى الحامية والمدافعة عن الثورة ولم تكن تحمل القوة الكافية للدفاع عنها  , ام انها جاءت عرضاً ضمن نثيث الذاكرة الملتاعة بماضيها وما كان يعنّ عليها منه بقصدية وبغيرها وبوعي وسواه.
ولعل توصيف الضابط العسكري برتبة عقيد الذي التقى بطل الرواية وزميليه في ايران اثناء تفسح الجميع هناك بأن الثورة لا تعدو ان تكون (عرس واوية) وهو توصيف جريء وبذيء يؤكد ذلك ويحمل ابعاداً رؤيوية وسياسية سواء كان مع الثورة او ضدها: (لا تفرحو بعرس الواوية هذا انكم لا تعرفون خبايا الامور مثلما اعرف انا. هل تظنون ان اصدقائنا الانجليز والامريكان سيسمحون لحفنة من الضباط المغامرين للاستيلاء على السلطة لبلد مهم مثل العراق)؟ وينظرهم الى الغد لمعرفة (صدق نبؤءة العقيد) 62.
لقد تعددت موضوعات الرواية فهي ان كان تعن رجل يترك مدينته خمسين عاماً ثم يعود اليها فأنما هو تأريخ عام وعارم ومتشعب , يسيل بلغة كفوء قادرة على احتواء المشاعر بل ادق المشاعر وهذا ما اضفى عليها متعة قراءتها والاستمرار فيها.
يصنف اسلوب خلوصي في هذه الرواية بالواقعي الذي يعي ضرورة الاخذ بالتوجهات الحديثة نحو التقنيات الاســــــــلوبية والجمالية , وعد التــــــــوقف عن الحساسية الاجتماعية والايــــــديولوجية.
ويمكن القول ان الرواية في قسمها الاغلب كتابة في التجربة الباطنية حيث لم يكن البطل فيها الا طفلاً او صبياً يرى ويشاهد ويختزن ويضم من دون ان يفعل شيئاً مؤثراً , وكتابة في التجربة الظاهرة الفاعلة حيث يمسك بزمام حياته بعد ان يغادر مدينته الصغيرة او وهو يعود اليها ليعلن عن فاعليته فيها بعد ان يطل عليها بشيخوخة شبه عاجزة ولكنها باتت تحاور ما ظل قائماً فيها او رحل عنها , فضلاً عن من تملك فيها اخر الامر.
وبرغم ما ارتسم بين الجانبين من شقة كبيرة فأن بطل الرواية لم يزر مدينته بدافع سوداوي حيث قمعت صبواته فيها ومات ابوه وعملت امه خياطة كفاحاً من اجل تسديد تربيته ثم حيرته التي اعترضت دراسته في المتوسطة بين مدينته وبغداد وانما بدافع الرغبة في الاستطلاع كما يعبر الروائي وهو استطلاع حيادي مشغوف بالماضي ولحظاته على تنوعها ومنها تصببه بفتيات حورم من مذاقهن.
يلتقط الروائي تأثيثات روايته المكانية والذهنية بعين بطله الواسعة التي لا تترك شيئاً الا ونظرت اليه وذاكرته المتيقظة التي تزدحم فيها الموضوعات ازدحاماً شديداً يفوق قدرتها على الترتيب فنراها في تحولاتها تستدرج لنا ازماناً مختلفتاً في القر ب والبعد في اجراء يشف عن تصميم تقني جعل من الرواية وسيلة ليس لارباك مخيلتنا بل لاحياء المخبوء فيها فــــــــقادنا الى التماهي مع ابطــــــالها واحـــــــداثها ولا سيــــــما تلك التــــــي استحثـــــــتنا على التـــــــشارك معـــــها.
اللافت في ادب خلوصي الحديث او الاخير , بروز الحافز الجنسي كما في هذه الرواية ورواية ابواب الفردوس التي يطرق فيها باب العلاقة بالمحـــــــارم.
وبروز هذا الحافز في رواية (شرفات الذاكرة) نابع من مكبوتات فترة المراهقة والبلوغ بفعل مصدات عديدة وقاهرة ليظل ملاحقاً البطل حتى عمره المتقدم , فهو حين يستعرض تلك الحالات تتدفق صور الشبق المحتجز والحسرة على ما سبق ان حرم منه , وهو شعور طبيعي نسبياً يلازم الرجل او ينهض عليه بعد ان يدرك ما يعده غفلتاً منه لم يقتنص بسببها مكافئته في الحياة , لذا فأنه حين يجد متسعه يدخل مغامرة اخر عمره مع منارة احدى رغباته البكر المحرومة بعد ان يلتقيا كما اسلفت في مدينته التي عاد اليها , امراة تقاربه بالسن بل تتقدمه بسنتين وهو لقاء القى عليه الروائي ستارة ما سوى النهاية المفتوحة على اكثر من احتمال.
الرواية عمل نابع من صميم روائي كبير منجزه الروائي يستدعي ندوة موسعة يشترك في ادارتها ابرز نقادنا اليوم لاغناء اعماله بدراسات حفرية تستغور الكيفيات التي كتب وفقها هذ المبدع الجليل اعماله جميعاً.