شرفات ناطق خلوصي

شرفات ناطق خلوصي

عوّاد ناصر
في هذه الرواية إيهام فني واضح، ولفرط صدقها التعبيري لا يمكن لقارئها أن يعثر على أي خط فاصل بين الواقعية والتخييل في نص روائي، حتى لتبدو فيه الحكاية هي بطلة الرواية، وكل ما عداها يأتي تالياً، وهي حكاية عراقية خالصة تشبه حكايات كل العراقيين التي تدور في مدارات الغربة والحنين والشبق والسجن والموت والمرارة.

يتوفر سرد خلوصي على عناية فائقة في تدبير المشهد الواقعي ليكون هو المرتكز الرئيس في اشتغاله الروائي، حتى ليكاد يحيل ذاكرتنا القرائية إلى ذلك الرعيل الرائد من روائيينا وقصاصينا من أمثال عبدالملك نوري وادمون صبري وغائب طعمة فرمان وزملائهم الذين أولوا الواقعية العراقية في الكتابة اهتماماً خاصاً وجعلوا من المكان الأول موضوع بحثهم الروائي.
يعود سعدون بن المرحوم جليل إلى مدينته محلة بين النهرين بعد غياب دام أربعين عاماً، وإذ يسأله سائل ما دواعي عودتك بعد هذه السنوات يجيب إنه الحنين واختبار ذاكرتي.
الحنين إلى المكان الأول ثيمة تكررت كثيراً في أعمال الكتاب والشعراء الأجانب والعرب ومنهم العراقيون، و الحنين في شرفات الذاكرة ليس عاطفة ارتجاعية لا تثير اهتمام أحد بل فكرة أساسية تنبع من خيار الكاتب الواعي لمسألة استئناف حياته الماضية وتقليب أوراق التجربة الشخصية بغية التوصل إلى جملة المتغيرات الحاصلة في المكان والإنسان معاً، بعد تغير الوجوه وتبدل الأدوار وانقلابات المواقف والطقوس والأخلاق والتقاليد.
شخصيات خبرت الخوف من السلطة وابتكرت وسائلها الدفاعية الخاصة من أجل النجاة وما هو أبعد من الخلاص الشخصي فثمة التضامن الإنساني الواعي بين ضحايا العنف السياسي والتشبث بالموقف الأخلاقي من الظلم والعسف والحروب.
توجست سلباً عندما بدأ يعدد المؤلف الشخصيات النسائية يطلق عليهن إسم فتيات الفرص الضائعة نهاية ووسيلة وزهور بنت الشرطي سوادي وسميحة شلال ومنار بنت الشيخ معيوف مع فقرة قصيرة لكل منهن حتى تساءلت ما الذي سيفعله الروائي، إذن، فيما بعد، وهو يرمي هذه الشخصيات خلفه بمثل هذه العجالة والاقتضاب؟ لكن المؤلف بدد توجسي عندما انفتح النص على تلك الشخصيات وغيرها ليغنيها لاحقاً على وفق أسلوب التداعي واستعادة الزمن بينما يأخذ الوصف مساراً لذيذاً، فالوصف عنصر أساس آخر من عناصر التشويق.
تتناوب الضمائر المتكلم والغائب والمخاطب على تقمص الخطاب الذي يتوجه به الراوي إلى قرائه، وهو تنويع لغوي يكسر نمط الضمير الواحد» السارد في محاولة إضافية للتشويق والابتعاد عن السكونية.
المخاطب تركب القطار السريع الصاعد إلى الشمال مساء فيتوقف عندها المدينة في حدود العاشرة ويكون بصرك مشدوداً إلى الخارج بيقظة حذرة مخافة أن يسرقك النعاس فيجتاز القطار المحطة. هكذا كنت تفعل حتى إذا ما لمحت اللوحة التي تحمل اسم المدينة تقفز من مكانك وكأنك بلغت تخوم فردوسك الخاص.
الغائب اجتاز الحد الشمالي لمملكة طفولته وصباه وشرخ شبابه الأول.
المتكلم سأبيت في المدينة هذه الليلة ولن أحار حول مكان مبيتي.
رواية سيرة ذاتية وليست بسيرة، فالنسيج الحكائي يتكفل بردم الهوة بين التسجيلي والتخييلي وإن اعتمدت سيرة ما إذ لا يمكن القطع بهذا، فما الذي يجعل القارئ موقناً بأنها سيرة ذاتية جاءت على شكل رواية؟ لا شيء.