زها حديد و الشرق الأوسط الحديث

زها حديد و الشرق الأوسط الحديث

ترجمة عبدالخالق علي
كانت المهندسة المعمارية العراقية المولد زها حديد – التي توفيت الخميس 31 آذار 2016 عن عمر يناهز 65 عاماً-  تحلم بشرق أوسط يتسابق تجاه الحداثة محاولاً التملّص من جاذبية الماضي. كانت معجزة في  التصميم، تذكّرنا بمهندس التجديد السويسري – الفرنسي لو كوربوزييه. مثل هذه الشخصيات نادراً ما تأتي في جيل معماري واحد و أحياناً لا تتضح أهميتها الا بمرور الوقت.

قدّم لنا كوربوزييه هندسة مبسّطة و خطط مفتوحة  و ترك للمصممين اللاحقين معرفة كيفية تفعيلها و إحياءها. اما زها حديد فقد فعلت العكس، حيث قدّمت عالماً من أشكال معقدة  مذهلة ؛ و ديكورات داخلية شبيهة  بمشاهد على سطح القمر؛ و واجهات من منحنيات مدارية. في مشاريع مثل دار غوانكزو للأوبرا و متحف ماكسي في روما، أظهرت زها المدى الذي يمكن ان تذهب اليه تقنيات التصميم بمساعدات رقمية، و خلقت هندسة لدونة و ديناميكية لا حدود لها. لكن مع ان مبانيها تحمل أحياناً رموزاً مذهلة فليس معروفاً  كيف سيتم تكييف لغتها البصرية لتناسب القضايا الإجتماعية الملحّة – السكن، تغّير المناخ، عدم المساواة – التي تشغل حالياً الكثير من ممتهني الهندسة المعمارية.
في عدة نواحي  كان الشرق الأوسط هو الأرضية الثابتة لمستقبل و خطورة نهج زها حديد، حيث كانت لها علاقة خاصة به، لكونها  ولدت هناك، في بغداد، و كانت أسرتها متعمقة في السياسة العراقية فتأثّرت بالنظرة العالمية لأسرتها و أيضاً بإحباطات الإصلاحيين الليبراليين في العالم الإسلامي بعد منتصف القرن. بعد تلقّيها التعليم في أوربا تمت صياغة مستقبلها المبكّر و شهرتها المهنية في الغرب حيث نفّذت جميع مشاريعها المبكرة هناك. لكن بعد صعودها الى مستوى»نجم معماري»سرعان ما إتخذت مساراً طرقه العديد من نظراءها ؛ أولاً الى الصين و من ثم  الى المدن الغنية في شبه الجزيرة العربية. في عام 2010 أصبح جسر الشيخ زايد في أبو ظبي أول مشروع كامل أنجزته لزبون عربي؛ إمتداد متعدد الأشرطة مرتفع مع قواعد إنارة مقوسة قليلاً. يعبّر الهيكل عن الحداثة المفرطة  الآسرة التي تتسم بها زها حديد. و بينما يبدو بعض أقرانها عازمين على تجميل مشاريع الشرق الأوسط بالتصاميم البدوية و الزخارف العربية و القباب الإسلامية، فان زها – ربما لكونها عربية – كانت تشعر بحاجة الى جعل الجسر مواكباً للحداثة. في سياقات أخرى كان هذا التباين المقصود إشكالياً – متحف ماكسي مثلاً يبدو مختلفاً عن المناطق الحضرية المحيطة به – لكن هذا التباين كان موضع ترحيب في أبو ظبي. انه نهج تمسكت به في الكثير من أعمالها مثل البنك المركزي العراقي، مقر إدارة شركة البيئة للنفايات في الشارقة، مركز الفنون الأدائية في أبو ظبي، محطة مترو للسعودية، مركز بحوث نفطية للسعودية أيضاً، مداخل مكاتب و عمارات شاهقة لدبي – و القائمة تطول. ان كانت أغلب هذه التصاميم غير مألوفة فلا داعي للقلق لأن أغلبها لم يتم تنفيذها لحد الآن. الكثير من أعمالها الكبيرة، بما فيها الإمتداد الجبلي لدار أوبرا مقترح لأبو ظبي، وقعت ضحية لتغيير الأولويات الإقتصادية و نزوات قادة المنطقة. مع ذلك فأعمالها الأخرى، كمبنى البرلمان العراقي، تجري حالياً لكن ببطء. وفاتها المفاجئة تركت الكثير من إرثها المعماري في عهدة الشرق الأوسط، و لا أحد يعرف عدد مشاريعها الأخرى على الورق  و التي لن ترى النور أبداً. ما أنجزته كان أكثر من كافٍ ليكون له تأثير دائم. كانت لها جاذبية خاصة لدى الشيوخ و الساسة المسئولين عن المشاريع الكبرى الأخيرة في الشرق الأوسط؛ كان بإمكانها ان تصبح مواطنة من مواطنيهم، مسلمة و عربية، بينما كإمرأة كان بإمكانها ان تمثّل نواياهم التقدمية لدى العالم الخارجي. لقد ردّت لهم الجميل، حيث إبتعدت عن مشروع في إسرائيل في منتصف سنوات 2000 خوفاً من إستياء زبائنها العرب. نظرتها المستقبلية الفخمة قدّمت للشرق الأوسط صورة عن نفسه منفصلة تماماً عن إشكاليات ماضيه و حاضره. لقد أصبحت قناة ثقافية لوحدها و سفيرة للفن المعماري المعاصر الى المنطقة. في بعض الأحيان، كان بإمكانها ان تكون مدافعاً عن متاعب المنطقة. جاء نزاعها المعروف عام 2014 أثناء عملها على ملعب كأس العالم لسنة 2022 في قطر؛ وسط إنتشار الأخبار عن إنتهاكات يتعرّض لها عمّال البناء المستوردون من جنوب آسيا الى الشرق الأوسط، قالت زها حديد متحدثة لصحيفة الغارديان ان مثل هذه القضايا»ليس من واجبي كمعمارية ان أنظر اليها»، فإتهمها الناقد مارتن فيلر من مجلة (مراجعات الكتب في نيويورك) بعدم المبالاة بوفيات العمّال في ذلك الموقع في قطر ما دفعها الى مقاضاة المجلة. كسبت القضية – حيث لم تقع وفيات في وقت كتابة المقالة - و بالتالي تراجعت المجلة و تمت تسوية الأمر.
عن: فورن بوليسي