رعد عبد القادر..  قصائد غير منشورة ومقالة في الخيال وتنظيمه

رعد عبد القادر.. قصائد غير منشورة ومقالة في الخيال وتنظيمه

سعد هادي
يشبه بيت رعد عبد القادر من الداخل كتابا مفتوحا، كانت تلك ملاحظته هو وقد ذكرها أمامنا اكثر من مرة، جلسنا في صالة صغيرة تطل على باحة داخلية مفتوحة تدخل منها أشعة الشمس، باحة زجاجية فيها شجيرات صغيرة وأصص زهور، أشارت زوجته إلى الغرفة التي رحل فيها، أشارت إلى الأريكة التي استلقى عليها آخر مرة،

قالت انه كان ينام عليها بعد أن يفرغ من كتابة قصائده، وقد كتب عليها قصيدته الأخيرة، قصيدة موته أيضا، لم يكن يجلس أمام منضدة ليكتب، كان يتمدد على الأريكة مثل تلميذ يؤدي واجبا مدرسيا ثم يغفو عليها بعد أن ينتهي من الكتابة.

لم يكن باستطاعتي أن أتخيله في رقدته الأخيرة، تخيلته في غرفة أخرى وسيأتي بعد لحظات، البيت موحش بدونه، عادت زوجته بثلاثة فناجين قهوة، كنا نجلس صامتين، حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وأنا،، كيف سنتجاوز لحظة حرجة لا ندري ماذا نقول فيها، تحدثت هي عن أصدقائه الذين اتصلوا بها من الخارج، ما تزال أيضا في حيرة أمام غموض الساعات الأخيرة في حياته، والسؤال الذي يعذبها: هل خرج أم لا والى أين ذهب وكيف عاد، لماذا لم يتصل بها؟ قالت:
ـ كان يتعذب بصمت دون أن يخبرني بشيء، بدأت الحالة لديه عام 1991 في ظل أجواء الحرب، انزوى في الصالة أثناء القصف وطلب مني أن اذهب مع ابننا الوحيد إلى غرفة أخرى، نام حيدر الذي كان في العاشرة، وحدست إن رعدا في وضع غير طبيعي، ذهبت إليه فوجدت اقرب إلى الموت، لم يتحدث عن مرضه من قبل، كان يخفي أشياء من هذا النوع، خجول حتى معي، ساعدته على ركوب السيارة، كان في غيبوبة وكان القصف شديدا، لم اكن اعرف مستشفى قريبة، أخذته إلى المستشفى الوحيدة التي اعرفها، مستشفى النعمان في الأعظمية، تخيلوا المسافة بين الغزالية (القريبة من أبي غريب) والاعظمية، في شوارع مظلمة وتحت القصف، أعطوه حبة تحت اللسان وقال له الطبيب إن حالته حرجة وعليه أن يجري فحصا عاما، لا أستطيع الآن أن اصف حالتي، كنت أفكر بالطفل الذي تركته وحيدا وبالموت والطريق الصعب وأشياء أخرى، كان حيدر ما يزال نائما حين عدنا واستمرت حالة رعد تتأرجح بين الحياة والموت منذ تلك الأيام، كانت إحدى قصائده تصف نعشا يخرج من البيت وقد وضع عليه غطاء عليه زهرة، المشهد نفسه تكرر وحين بحثت عن الغطاء وجدته، كان الشعر كل حياته، ولكنه كان متواضعا، قبل أيام من موته قال باعتداد لأول وآخر مرة: ستفهمون يوما إنكم كنتم تعيشون مع شاعر كبير. كان يكره المال، ورفض عرضاً بمبلغٍ مغرٍ لنشر كتاب له رغم حاجتنا.... كان يحب الحياة وكان موسوسا بشأن صحته إلا انه كان يكره الأطباء والمستشفيات.
ذهبت وجاءت برزمة من الدفاتر والأوراق، تلك هي تركة الشاعر إذن، سنكتشف بعد أيام إنها تضم 11 كتاباً غير منشور، أي إن ما تركه الشاعر يزيد عن ضعف ما نشره في حياته، كما سنكتشف وجود نسخ معدلة من المخطوطات تمت الإضافة والحذف منها وصولا إلى النسخ النهائية والتي منها هذه المختارات وقد أعدها د.حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وهما من اقرب أصدقائه إليه في سنواته الأخيرة إنسانا ومثقفا، لتمثل رعدا في أوج نضجه. ولتمثله أيضا شاعرا ذا مشاغل متعددة، رمزية وصوفية وتاريخية واكثر من ذلك شاعرا غامر في اختراق أسوار الميثولوجيا البعيدة ليؤلف ميثولوجيا يومية يعيشها الإنسان العادي.
سنتيقن أيضا إن في هذه القصائد محور يتكرر بخفاء تارة و بجلاء تارة أخرى هو الموت وانه كان هاجسا دائما للشاعر.
سنكتشف سحر اللغة وهي تتحول إلى صور وإيحاءات ومخاوف صغيرة وحدوس وسنكتشف أشياء تأتي من داخل القصائد لا من خارجها كما يحدث في النصوص الكبيرة دائما.
كان ثمة تخطيط جريء على إحدى المسودات بقلم الحبر الجاف، سألت إلهاما زوجة الشاعر:
ـ لمن هذا التخطيط؟
قالت:
ـ انه لرعد، كان يرسم أحيانا ولديه تخطيطات عديدة لوجوه، لا ادري أين هي الآن.
جانب آخر إذن من حياته لا نعرفه. بل قل جوانب عديدة تتكشف بالتدريج كما تتكشف أسرار قصائده، قصائده التي تدهشنا بتعدد المداخل إليها ومسالك الخروج منها.
تم جرد كل المخطوطات والأوراق المنفردة وتم اختيار النسخ النهائية منها وسجلت في كشف أعطي لزوجة الشاعر، وحين خرجنا من البيت بعد ساعتين كانت تركة الشاعر كلها في ظرفين أسمرين كبيرين لا غير، نحملهما معنا.
 
 
رعد عبدالقادر ..
الخيال وتنظيمه
 
النقطة الأساس في شؤون الكتابة الشعرية هي الخيال، والخيال بحسب ما أتصور هو نتيجة الطاقة العقلية المتفاعلة مع الواقع والقادرة على توليد المشاعر والأحاسيس والتصورات والأفكار وجعلها كأنها تجري في مشهد سينمائي مركب من لقطات وصور وبدون هذه الطاقة لا يمكن إنتاج شيء بالمرة، ولكن كيف تتكون هذه الطاقة؟ وبعيدا عن أي كلام في فسلجة الدماغ والأعصاب، وقريبا من كلام الشعر، نجد إنها تتكون من الاحتفاظ بذخيرة الحواس بعد التركيز والإصغاء الشديدين لما يرى ويسمع ويلمس ويشم ويذاق، لتتولد بعد ذلك الخبرة والمعرفة الحسية، إلا أن هذه المعرفة الحسية تبقى عائقا أمام أي تطور في ملكة الخيال إن بقينا بحدودها، بالقدر الذي تكون ملكة الخيال من دونها ضعيفة، إذن لابد من امتلاك هذه المعرفة ومن ثم لا نقول تبديدها بل خزنها حية وطرية، لنا القدرة على استدعائها حال احتياجها، أثناء عملية الكتابة، على إن هذا الاستدعاء هو أمر غير محسوب بشكل ميكانيكي، ولا حتى بشكل سحري، وإنما هو يجري بصورة تلقائية نتيجة تفاعل خلاق بين الشاعر وعالم نصه وواقعه.
إن الأحاسيس والتصورات والأفكار هي كم سالب لا يصنع بنية دون أن تنتظم في علاقات تتحرك باتجاه أن تكون نسيجا محكما، قد لا تستطيع فصله إلى أجزاء، وقد لا يعود نسيجا لو حاولنا تحليل أجزائه.
إن العلاقة بين الخيال وبين النص الشعري هي علاقة غير ظاهرة إلا بالقدرة على تنظيم وقائع الخيال داخل النص، وما نجده في الحقيقة- من تنام في بناء النص الشعري هو ليس اكثر من القدرة على تنظيم تلك الوقائع بالخبرة التي يفتح بها الشاعر خزائن حواسه أولا ومن ثم بتصرفه بها كأنه المالك المطلق لها- أثناء جدله مع الواقع بفعل الكتابة.
ماذا يسمى الخيال الشعري: الشجرة،الطفولة، الحرب،الصداقة؟انه يسميها بقدرتنا على التقاط الأحاسيس والتصورات من هذه الأسماء وبخبرتنا المتراكمة والمخزونة والتي تظهر في حالة صيرورة النص،خبرتنا التي عرفت من الشجرة حركتها ولونها أو تدرجات لونها وما تثبت في داخلنا من معاني المذاق أو الخصب والنمو وهل هي منفردة أم في غابة؟هل هي شجرة أحلام تسهر قرب النبع أم هي خشب نعش؟ خبرتنا تفتح أسئلة كثيرة وبقدر ما تفتح من هذه الأسئلة نتقدم بخيالنا نحو تخوم النص ولكن من أين نستمد أسئلة الخبرة؟ هل من اغترابنا عن الواقع أم من التحامنا به؟ إن الواقع يمدنا بالخيال ولكن الخيال في النص الشعري يجعلنا نعيش حالة مزدوجة،هي بين الاغتراب والالتحام، إننا نعيد للواقع أشياءه ولكننا نعيدها له نصوصا قد يتنكر لها، ولكنها نصوصه بامتياز، نحن وقفنا أمام المرآة طويلا وكتبنا بعد أن غابت المرآة، ماذا نكتب سوى خيالنا بعد غياب المرآة؟
أظن إن كتابة الشعر هي خيال الواقع في لحظة غيابه، هل أقول إن هذه اللحظة هي أعلى لحظات التجلي الشعري؟
أقول ذلك وربما اكثر.