أقاصيص سافرة جميل حافظ

أقاصيص سافرة جميل حافظ

عبدالله راضي حسين       
كعادتنا في النقد نبدأ بالربط الدلالي بين لوحة الغلاف والمضمون الإبداعي بأشكاله، فنلاحظ لوحة فنية على وجهي الغلاف للتشكيلية (حياة جميل حافظ) توحي بالكثير وتجمع بين التنوع الطبيعي للدلالة على تنوع مضامين القصص وترابطها في خط عام، حيث نرى جذع  شجرة يقف عليها بعض الطيور، و بلبل يغرد وتخرج من منقاره علامات نوتات موسيقية موزعة أمامه وعلى جنبيه

 والتي تعبر عن الحركة في الحياة وجمالية الإبداع، وبطريقة الـ»ستاكاتو»الموسيقية في التعبير المتسمة بالتقطيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى  نرى الى جانب الشجرة أكواخ من ألواح خشبية منقوشا عليها صورا جيولوجية لظاهرتين تحصلان في الكهوف الصخرية وهما:»الستكالايت / الهوابط أو الحليمات العليا ــ رواسب كلسيه مدلاة من سقوف المغاور الى الأرض»، و»الستالاجمايت / الصواعد / الحليمات السفلى ــ من الأرض الى السقف»،  إضافة الى تجسيد بعض الهوابط على شكل سلاسل لتقييد حركة البلابل وتغريدها للحياة. وكل ذلك ، باعتقادنا له الكثير من الدلالة على محتويات القصص العشرين بين ثنايا المجموعة القصصية.   طريقة عرض القصص:
       خرجت القاصة عن المألوف والتقليد السائد في اختيار عنوان المجموعة، حيث أن معظم القصاصين يقتبسون عنوانا لقصصهم من إحدى قصص المتن، ولكنها لم تفعل ذلك وإنما إكتفت بكلمة»أقاصيص». ومن جهة أخرى سلكت القاصة طريقا حداثويا جديدا من خلال تقديمها لأكثر من نصف قصصها بلوحة فنية تشكيلية تحمل عنوان القصة، وتوحي في الوقت نفسه بالدال والمدلول على مضمون كل قصة، وتستنبط عنوان كل قصة من مفردة أو تعبير في متن القصة على طريقة الشعراء في عناوين قصائدهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الشاعر ريسان الخزعلي ود. حمد الدوخي.  وهنا نلاحظ بأن القاصة خرجت عن المألوف سواء على مستوى عنوان المجموعة أو إضافة اللوحات. ولنأخذ بعض النماذج من المجموعة:   1ــ قصة (تي وكوبرنيكوس): إن موضوعها علمي ــ فلكي ــ زمني، وتبدأ بلوحة تحمل صورة لزهرة عباد الشمس تتوسطها ساعة، والإثنان يدلان على الدوران وحركة الزمن، وتناولت القاصة الموضوع بتركيز من خلال أربع شخصيات حوارية وبأسلوب فني يؤكد ما أعلنه كل من»كوبرنيكوس وغاليلو»عن نظرياتهما في دوران الأرض حول الشمس حيث يقول الشخص الثاني في القصة»نعم الأرض تدور وتدور، وكانت وما زالت، وستبقى تدور رغم أنفكم وأنف ساعتي»
  2 ــ  قصة (أقصر طريق): تبدأ القصة بلوحة من عدة جذوع لأشجار متعددة مرسومة بشكل مستقيم وبأحجام تنازلية وفقا لأسلوب المنظور بريشة التشكيلية (حياة جميل حافظ). وتحمل القصة نكهة علمية ــ رياضية أيضا مع نقد فكري من خلال حوار ثلاث شخصيات: معلم واثنان من تلاميذه حيث يرسم المعلم نقطتين متباعدتين يوصلهما بخط مستقيم، ويسأل التلاميذ»من يعرف مسمى آخر للمستقيم؟»ويجيب أحد التلاميذ»الصراط المستقيم»، ويبدأ الجدل الفكري الديالكتيكي المبسط بين المعلم والتلاميذ حول الجنة والنار وغيرها، حيث يسأل أحد التلاميذ»المستقيم على الأرض ــ هل هو حقيقة أو وهم؟»، ويجيب الآخر»ليس بعيدا أن يكون وهما».
3 ــ قصة (الجمرة الخبيثة ): بلا لوحة / وتكاد تكون أطول قصة في المجموعة، ذات بعد حسي ــ إنساني وإدانة للحروب ومآسيها، والربط بين الماضي والحاضر، ومعاناة الناس حياتيا ونفسيا واجتماعيا»صرخت في وجهه: أترك الخنادق أرجوك، والمتاريس والحرب»،»في أية دائرة سوء كان أبوه يشتغل..؟ أقول لهم كم من الصوندات هشمها على ظهري». 4 ــ قصة (أنا رقم ): إمتداد للخط الإنساني من خلال لقطات فنية فوتوغرافية تراتبية، تختصر حياة الفرد منذ الحمل والولادة والنشأة، واصطدامه بالواقع المعاش عندما يصبح يافعا وإكمال دراسته، ويظل عاطلا عن العمل، وليس أمامه غير التسول. وتختم القاصة قصتها ببيت شعر رائع لشاعرنا الكبير الرصافي بقوله:»أيها السادة القادة كلوا هنيئا    واشربوا فأم الدهر قواده 5 ــ قصة (يالك من ليل /): تبدأ بلوحة فنية لمصباح يخرج من برعم وردة متفتحة مرتبطة بغصن توحي بمحاربة الظلام / الليل بأشكاله والعودة إليه. وتربط القصة أيضا ما بين الماضي والحاضر وتشغيل المولدات والموبايل وتداعيات لسيرة ذاتية إنسانية بين شخصين مرسومة بشكل فني جميل، وعلى شكل»مونولوج»موزع هارمونيا بينهما، ومحاورة قصيرة تنتهي بكلمات معدودة»لماذا أتى؟ ولماذا خرج؟..... فكم أنا محتاجة الآن إلى ظلام دامس أسود..... صامت «.
   ثيمة القصص:        بعد عرضنا الموجز لثيمات بعض القصص أعلاه، بودنا نسليط الضوء على بعض القصص الأخرى لإستكما دراستنا النقدية، ففي قصة (ربيعه المورق) مناجاة وذكريات للماضي لرجل مسن يحمل التفاؤل والأمل من خلال الورود، وفي قصة (عاشق) يتصاعد الحس الإنساني وعشق الحياة رغم المعاناة الوجدانية والواقعية»يحس دموعا تسيل ممتزجة مع مادة لزجة فوق جبهته لا يستطيع مسحها، نعم أنا عاشق مشتاق الى رائحة القداح.. ورد جوري...». ويستمر الحس الإنساني والوجداني والتلميح النقدي الفكري في الصور لدرجة الشعور الحسي بالحيوان / البقرة خيرية في قصة (خيرية والطوفان).
    على ضوء ما جاء أعلاه، نستطيع القول إن معظم القصص تشترك بالمسحة التسجيلية التصويرية للحياة الإنسانية ويكتنف بعضها إسقاطات حياتية ذاتية معاشة من قبل المؤلفة، ومن خلال شخصيات قصصية لا تحمل أسماء على الأغلب. الى جانب ملاحظتنا هنالك تداخلات موفقة جدا في توصيلات معينة لقصص المجموعة،على الرغم من عدم توافقها كليا ؛ وقد حاولنا جهد الإمكان الربط ما بين»التجاور والتجاوز»في القصص وفق خط بياني أفقي وعمودي للوصول الى الغرض من المضمون القصصي الذي يبدو انه قد كتب في فترات متباينة. بمعنى اننا  لاحظنا هنالك نسيج لأفعال تتباين في شدها في القصص كافة، لكنها جميعا تتحرك ضمن آلية تماثل حركي نحو محتوى إنساني معين بشكل عام، وتتحدد بموجبه الشخصيات التي لا نعرف أسمائها كما أشرنا آنفا، وعلى حد تعبير (جورج لايكوف و مارك جونسون) في كتاب (الاستعارات التي نحيا بها):»رموز لتمثيلات داخلية لحقائق خارجية».      البناء السردي والفني للقصص:
        في البدء علينا أن نعرف بأن القيمة الإبداعية لأية مجموعة قصصية تحمل وجهان:»خطابي»و»رسالي»من حيث المفهوم، وخاضعة للنقد والتفسير والتأويل. لكن على الناقد أن يكشف عن المواضيع ودلالاتها المضمونية والفنية، وانتقالاتها التصويرية وطبيعتها الكيانية (تراكيبيا وفكريا ولغة ودلالة).       وبعد تفحصنا للمجموعة القصصية للقاصة (سافرة جميل حافظ)، لاحظنا توفر العديد من الشروط من حيث اللغة الخطابية والهدف الرسالي مبنيتان على فنية ولغة سردية تتسم بالبساطة البعيدة عن التعقيد، ولكن من دون أن تفقد حيويتها لتوصيل الفكرة الى المتلقي. إذ أن النصوص العشرين لم تفقد التراتيبية في التصعيد الدلالي لما تهدف إليه المؤلفةعلى الرغم من وجود بعض الحالات التسجيلية ــ الحياتية، والتي أضفت بعض الجمالية للصور الملتقطة. إضافة الى وجود بعض الضعف في عدد من الجمل في بعض القصص، والتي تستوجب الاهتمام بمجموعة أنظمة الجمل التي تتعلق بالدلالة النوعية لفقه الجملة ودلالتها الجمالية حسب تعبير د. محمد مفتاح في كتابه (ديناميكية النص):»الكلمة محور في جملة المنطق، تتوالد فيها تراكمات وتداعيات». وقد وجدنا في كثير من القصص جملا مشحونة بالمعنى والتوصيل والتواصل الإشاري والحركي والحدثي، والتي تضيف قيمة إضافية للقيمة الجمالية. وكما أشار الأستاذ (إسماعيل إبراهيم عبد) في كتابه»القصص نصيات تداولية»عن القصة لدى (لان روب غرييه) بقوله:»الجملة القصصية لدى غرييه هي جملة وصف المكان الذي أبصروه في البدء دون أن يحبسوه، ثم عادوا إليه كمكان جديد من صنع فعلهم». ووفقا لـ (نظرية التأويل وفائض المعنى / بول ريكور)، وكتاب (لذة النص / رولان بارت)، لاحظنا وجود  توافقا نصيا في معظم القصص من أجل تعميق بنية مكونات النصوص  لتكون أكثر إقناعا للقارئ / المتلقي في التعبير عن الدلالات والإشارات ؛ بمعنى وجود  تزاوج ما بين تأويلية النص وتداوليته.                 وأخيرا، نعتقد بأن القاصة المبدعة (سافرة جميل حافظ) قد نجحت الى حد كبير في نصوص المجموعة مع تحفظنا على بعض الأخطاء المطبعية والتعبيرية والترابطية اللغوية، وخصوصا عند مقارنة المجموعة مع مجموعتها البكر(دمى وأطفال وقصص أخرى / الصادرة عام  1956) والتي تشير الى ا قدرة إبداعية رائدة في مجال القصة القصيرة من حيث السبك اللغوي والفني والتعبيري والمضمون، ونستطيع القول أنها في حينها لا تقل كفاءة  عن بعض رموز القصة القصيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر(ذنون أيوب، فؤاد التكرلي وغيرها)، خصوصا أنها كانت  حاصلة على شهادة بكالوريوس في اللغة العربية، ويبدو أن ظروفها الخاصة سياسيا واجتماعيا، ولمدة نصف قرن من الزمن تقريبا، قد أثرت على تطوير أدواتها لتصبح رائدة في مجال القصة القصيرة.