سافرة جميل حافظ.. و بعض من ذكرياتها

سافرة جميل حافظ.. و بعض من ذكرياتها

السيدة سافرة جميل حافظ من اولى النساء اللاتي انتمين لرابطة المرأة العراقية. وفي هذه الاسطر نعود معها الى ايام حافلة بالنضال والذكريات. ذكريات عن البدايات بعد اطلاق سراحي من التوقيف إثر حوادث الوثبة عام 52 دعيت الى اجتماع قيل لي انه لنساء يعملن من اجل حقوق المرأة، وان ذلك الاجتماع ليس بصورة علنية. تشوقت للاطلاع ومعرفة ذلك الاجتماع الذي يجب ان يبقى سريا، لا سيما في تلك الظروف المشحونة بالتظاهرات والاعتقالات.

 لا اتذكر المرأة التي قادتني الى البيت الذي سيجري فيه الاجتماع، والذي فهمت فيما بعد انه بيت المناضلة السيدة سلوى صفوة وكانت تدعى حينها (ام سعاد). كانت هناك بضعة فتيات كن يتباحثن حول كيفية العمل والتنظيم والنظام الداخلي. بالنسبة لي كان الجو غريبا لم ادخل بتجربة الاعمال السرية، خاصة لعمل اجتماعي مع المرأة، ولا سيما ان هناك اتحاد نسائي كان يعمل بصورة علنية.

واخيرا فهمت بان ما يطالب به هذا التنظيم هو ابعد مما يطالب به الاتحاد النسائي، وان ذلك تقوده زوجات المتنفذين في الدولة ولا يطالب بأبعد من الحقوق البسيطة، وان تنظيمنا هذا يقف الى جانب النساء عامة ويطالب بجميع الحقوق التي يتمتع بها الرجل، والتي تبعد النساء عنها. وجدت الاهداف قريبة مما اسعى اليه، لا سيما وقد طردت، وقتذاك، من الكلية لمدة شهر لكتابتي مقالا في مجلة الكلية تدافع عن حقوق المرأة، وكنت اعتقد حينها ان الجامعة اساس الحرية والتفكير الحر. على كل حال كان ذلك اول تماسي مع تنظيم الرابطة والذي احببته ووجدته المعبر الاصح عن هموم المرأة العراقية. واستمرت الرابطة بالعمل السري لعدم اجازتها من قبل الحكومة السعيدية حينها، لوقوعها تحت قانون ما شاكل ذلك في عدم اجازة الاحزاب اليسارية والديمقراطية. كان اول اجتماع موسع للرابطيات في اواسط الخمسينيات في بيتنا، اي بيت اهلي حيث انتهزت فرصة سفر الاهل الى الخارج، وكنت حينها ممنوعة من السفر بسبب اشتراكي في الانتفاضة وايداعي التوقيف. اجتمعت الرابطيات في بيتنا من المحافظات كافة. استمر الاجتماع يومين، حضرته من الدول العربية مندوبة النساء الفلسطينيات (لا اذكر اسمها) تحدثت لنا عن نضال الشعب الفلسطيني ومآسيه، وعن مشاركة المرأة البطولي في ذلك النضال، وبالتأكيد كانت الدكتورة نزيهة الدليمي وخانم زهدي ومبجل بابان وحياة النهر واخوات من المحافظات كن حاضرات الاجتماع. وكان هذا اول اجتماع تم وليس مؤتمرا، المؤتمر الاول حصل في تموز حضره عبد الكريم قاسم، واقترح فيه ابدال اسم الرابطة، من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة الى رابطة المرأة العراقية، كونه اعطى للمرأة جميع حقوقها. فليت المسؤولين عن حقوق المرأة يشعرون بتلك المسؤولية تجاة ما تعانيه المرأة والاسرة هذه الايام فيسطروا لانفسهم وللشعب العراقي ونسائه مجدا خالدا وابديا. رابطة المرأة ونضالاتها منذ ستين سنة وأكثر والمرأة العراقية مع كل التقدميين وذوي العقول النيرة وهم يدافعون عن المرأة العراقية من أجل الوعي الشعبي والتقدم الاجتماعي. لا أريد أن أعيد ما قدمه الشعراء والأدباء وحتى رجال الدين الواعين من أجل تحرير المرأة - ما أريد التوصل إليه هو إن مشكلة تحرير المرأة والملازمة لتحرير الشعب العراقي كانت وما زالت أشق الصراعات التي مرت في المجتمع، ليس لعدم رغبة الناس في التحرر واعطائها الحقوق الأساسية، سواء للمرأة أم للمجتمع، وإنما بسبب القرارات المجحفة التي تضعها الحكومات المتوالية ضد كل ما يقود المجتمع نحو ربوع التحرر والديمقراطية، والى الآن وعلى الرغم من التضحيات الجسام التي قدمها الشعب في نضالاته عبر السنين. ففي زمن النظام الملكي لم يفسح لها المجال للعمل العلني بسبب الخوف الملازم لكل خطوة تقدمية للشعب فأجبرت ان تعمل سريا في منظمتها رابطة الدفاع عن حقوق المرأة التفت حولها 47 ألف امرأة، وهي سرية لأنها اتجهت اليهن مباشرة تحل مشاكلهن وتوعيتهن اجتماعيا وسياسيا ووطنيا وكانت توزع نشرياتها سريا وتطبع كراريسها بعيدا عن أعين السلطة، وكأنها تقوم بعمل اجرامي. أما في زمن الجمهورية كانت المنظمة الوحيدة التي نادت بحقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية، الذي رغم نواقصه، كان صرخة مدوية في واد قفر. كان المؤتمر الأول من أنجح المؤتمرات في المنطقة حضرته نساء من أكثر من دولة عربية، على الرغم من انه عقد في أعقد الظروف أي بعد حوادث الموصل، ومن الاتحاد السوفيتي وغيرها من الدول الاشتراكية. وكان تجمعا أذهل النساء وزينت السيارات بالورود افتتحه عبد الكريم قاسم واقترح تبديل اسم الرابطة إلى رابطة المرأة العراقية بدل الدفاع عن حقوق المرأة لأن المرأة حسبما صرح قد نالت لديه حقوقها، واستمرت الرابطة تخدم الجماهير النسائية، سواء بنشرياتها أم بمحاضراتها أم بواسطة الاذاعة، إذ كان لها برنامج اسبوعي. انتمت الرابطة إلى الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي وصارت تمثل العراق فيه وعرفت في المحافل الدولية وحضرت مؤتمرات نسائية عالمية عديدة، أرسلت قسما من عضواتها للدراسة في الخارج، وتوج نضالها بأن صارت رئيستها وزيرة في أول دولة عربية. ومن الطبيعي لم يرضِ هذا التقدم القوى الغارقة في سراديب الجهل والغباء، فصاروا يتربصون بها محاولين التصدي لإنجازاتها وانجازات الثورة. إن برقعة نضال المرأة والتغاضي عن نشاطاتها ومطالبها بالعيش في ظروف انسانية حضارية وبكل ما في الحضارة من التزامات نظرا لما أدته للمجتمع ولا سيما في أيام الحروب السوداء لا يخدم أحدا. فالجميع كان قد اكتوى بتلك النار والتغاضي عن الحقيقة كمن يدفن رأسه بالرمال وهذا نداء إلى كل المسؤولين في هذه الظروف الحرجة وخاصة وزيرة المرأة التي هي أدرى – كونها امرأة – ما تقاسيه المرأة وعائلتها وأولادها مما لا يمكن السكوت عليه. كلي أمل ان نساءنا وهن يشعرن بقسوة الحياة عليهن سيمشين مستمرات على النهج التحرري الواعي دوما. طريق الشعب