سافرة والسجناء

سافرة والسجناء

 ابراهيم الخياط

في العراق أديبات مبدعات كثيرات، منهن سافرة جميل حافظ التي ولدت أوائل ثلاثينات القرن الراحل، وتخرجت في قسم اللغة العربية ـ كلية الاداب عام 1956 وكان معها من الطلبة مظفر النواب، غائب طعمة فرمان، مدني صالح وسليم البصري، وكان تخرجها بعد ست سنوات من الدراسة لأنها حكمت بالسجن وفصلوها لاشتراكها في انتفاضة 52 المجيدة،

 ولم تتعين لأن ليس لديها شهادة (حسن سلوك) اذ سلوكها معارض للنظام، ومن خلال مشاركتها في الانتفاضة ومن خلال سجنها تعرفت على الحزب الشيوعي فانتمت اليه والى الرابطة الزاهرة.

ولأنها لم تتعين فقد امتهنت الصحافة في جريدتي»الاخبار»والبلاد”، وفي»الاخبار»نشرت عام 1957 أول قصة لها وإسمها (دمى وأطفال)، وما ان أشرقت شمس 14 تموز 1958 الغامرة حتى صارت سكرتيرة عامة لرابطة المرأة التي كانت رئيستها ـ آنذاك ـ د. نزيهة الدليمي.
وفي شباط 1963، عندما غطت سماءنا غيوم سود قاتمة حابسة، اعتقل الغرباء في سادس يوم من أيام المحنة، القاصة سافرة مع زوجها البطل الشعبي»محمد حسين أبو العيس، ليكون مقامها تعذيبا في سطح قصر النهاية فيما اودع زوجها في سراديب القصر ذاته، وبين فينة وأخرى كان السادة الجلادون يأتون بالزوج»أبو العيس ويعذبونه أمام زوجته»سافرة»عسى أن ينهار أحدهما، وعندما يستشهد ابن المعتقلة الحامل»أم فاضل»يجيئون بسافرة ويربطونها مع الميت، ترى من يستطيع النظر الى الميت، أي ميت، ناهيك عن ربطه معه؟
ومن قصر النهاية تؤخذ سافرة الى ملعب الكرخ الذي صار معتقلا بفضل الحرس القومي الشهم، ومن هناك تسمع مع رفيقاتها بحركة البطل الاسطوري»حسن سريع، ثم ينقلونها الى الملعب الاولمبي، ياه، أهذه كلها ملاعب أم مدافن؟ ويتدخل الزعيم السوفيتي»خروتشوف»فيخفف حكم الاعدام عن»سافرة»الى السجن ليودعوها سجن النساء، وكان لوالدتها الحاجة»عائشة عبد الفتاح»دور تحملته اذ وقفت عاما ولم تجلس الا وابنتها معها في البيت باقامة اجبارية ضافية.
سافرة جميل حافظ، الان في قيادة اتحاد أدباء العراق، ولم أتعجب أن أحد زملائنا لم يختر لها قصة في كتابه (مختارات من القصة العراقية الحديثة)، مع اختياره نصين لنفسه ولشقيقه. لم أتعجب، ولكني تعجبت واستغربت من مؤسسة السجناء السياسيين التي تنتظر دليلا من هذه السافرة بالسيرة المجيدة والتاريخ المشرف والاسم اللطيف حتى تثبت أنها من ضحايا 1963، على الرغم من أن الجواهري دوّن اعتقالها، فهل لواحد أو لواحدة من السجناء كلهمو شهادة كالتي لها، اذ قال عنها في خريدته»سلاماً.. إلى أطياف الشهداء الخالدين”، التي مطلعها:

سلاماً وفي يقظتي والمنام  …  وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ
حتى يقول، وهو شاعر العرب الاكبر:
و"سافرة" ستربِّ النسورا   …  توفي أبا "العيس" فيهم نذورا